جدول المحتويات
وإذا ما تجاوزت تلك الاعتراضات، أعتقد أنه يمكنني الحديث عن هذا الحوار بطريقة مختلفة بعض الشيء عن تلك التي لدى السياسيين أو كتاب الأعمدة المهنيين، بسبب الرفقة القديمة بعض الشيء خلال السنوات الثلاثين الماضية مع بعض اللاعبين في المشهد السياسي المحلي. فقد لاحظت خلال هذه السنين أن الكثير من الساسة لديهم جاذبية خاصة وتناسق ظاهري يبدو كافيا لاعتباره وجهة نظر يمكن أن تساعد على تلبية هذا النوع من الطموحات…التي يمكن أن تكون…
ومع ذلك، فأنا لست مغرما بتتبع تلك التناقضات والمفارقات التي تتبوأ مكانة هامة في العمل السياسي والمسار الايديولوجي لمعظم سياسيينا. ونحن نعرف كيف يتمتّع هؤلاء بقدرة على التحرك بسرعة من موقف واضح المعالم إلى آخر فجأة وبشكل غير متوقع دون ترتجف أي عضلة في وجوههم. لقد أصبح هذا التنقل في القناعات أو ما يسمى سياسة الانتجاع السياسي ممارسة عادية جدا خصوصا خلال أوقات تغير الأنظمة بسبب التدخلات المتكررة من جيشنا الوطني في الشؤون السياسية. وهي حقيقة تفرض عليّ القول إن تلك السياسة التي لا تتطلع إلى المستقبل لا توجد بذلك الوضوح والنصاعة إلا في موريتانيا.
ولكن السياسة هي أيضا حيوية ومتجددة مثل أي نشاط بشري آخر، لأنها تخضع لقانون التغيير. وهو قانون قد ينتج عنه في بعض الأحيان تغييرات عنيفة كما هو الحال بالنسبة للربيع العربي الذي بدأ من تونس.
في الديمقراطية، تتم التعديلات الدستورية من خلال سلسلة من التحويرات الطفيفة ليستقر الأمر في نهاية المطاف على إحداث توازن في العلاقات بين المؤسسات والجهات السياسية الفاعلة. وهذه هي الإصلاحات اللازمة لتعزيز الديمقراطية.
الإصلاح المضلّل
وهناك إصلاحات أخرى من شأنها أن تحدث تغييرا عميقا في الجهاز الأساسي، بحيث تقضى على كل المنجزات التي تحققت في الحياة السياسية وتعيد البلد إلى نقطة البداية، مثل المبادرة الخاصة بإلغاء المادة 28 من دستورنا الخاصة بالحد من عدد الفترات الرئاسية. فهذا النوع الإصلاح هو خدعة حقيقية، لأن هدفها الوحيد هو الحفاظ على السلطة عن طريق استفتاء وهمي معروف النتيجة مسبقا.
وفي السياق الحالي، وعلاوة على مسؤولي حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الذين يدعون إلى هذا التغيير، فالحقيقة أن المتحدث باسم الحكومة يتحدث بدوره عن الموضوع بتبسيط مدهش يبعث على القلق ويعيدنا إلى السؤال الأول. لقد غدا الجميع يدرك الآن أن تلك الطموحات الكبيرة التي واكبت وراء تغيير 3 أغسطس 2005 قد انغرزت في الرمال منذ تغيير 6 أغسطس 2008، قبل أن تدفن تماما بعد اتفاق داكار في يونيو 2009. وعلى الرغم من أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز، هو الفاعل الرئيس في التغييرات، وهو ما يمنحه بعض الشرعية في نظر مؤيديه، فإن التوجهات الحالية نظامه والنوايا المنسوبة إليه هي بعيدة تماما عن الدوافع الأصلية لذلك التغيير على الرغم من أن كثيرين هم راضون عن التقدم الذي تم إحرازه في ظل قيادته.
ومهما كانت هناك بالفعل نية حسنة لمغادرة أو كانت هناك نجاحات آنية، فقد أثبت التاريخ أن ممارسة السلطة لفترة طويلة تؤدي حتما إلى تشويه الطموحات الأولى مع استمرار استخدام وسائل غير مقبولة لمواصلة التمسك بالسلطة والقوة التي تمنحها. ولأن هذه الوسائل منحرفة فإن النية الحسنة والنجاحات لا تبرر اللجوء إليها من أجل الحفاظ على السلطة. وقد فشلت الأنظمة التي لجأت إلى مثل هذه الأساليب وكشفت أوجه القصور في هذا المنهج. وهذا في حد ذاته تبرير للتناوب الديمقراطي، بمعنى التجديد المنتظم للذين يقودون أو يحكمون.
ومهما يمكن فإن الوضع الحالي، ولأسباب تتعلق بالأزمة السياسية الداخلية ونتائجها السلبية في ما يتعلق بشركائنا في التنمية، فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار سياسي بدون استعادة دولة القانون والاحترام الصارم للدستور مما يُمَكن من خلق تنمية اقتصادية ووئام اجتماعي ويلبي تطلعات جميع مكونات الشعب على اختلافها الثقافي والجهوي.
صحيح أن بعض التعديلات التي تعزز الديمقراطية قد تكون مفيدة، مثل إعادة تنظيم وتحديد مهام اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والمجلس الدستوري، ولكن شريطة أن تخضع لتوافق الجهات الفاعلة الرئيسة في المشهد السياسي، حاليا: السلطة وأحزاب المعاهدة من جانب والمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة وتكتل القوى الديمقراطية من جانب آخر أما الأحزاب الصغيرة، التي ليست معروفة جماهيريا فبإمكانها التنسيق مع إحدى هذه المجموعات الكبيرة وفقا لأوجه التقارب بينهما، أما المجتمع المدني فيمكن أن يلعب دور الشخصيات المرجعية ويشرف على إدارة الجلسات.
الرؤية السياسية والمصالح الفئوية
وضعت في الفقرة السابقة أحزاب المعاهدة والسلطة في جانب واحد. فالعلاقة بينهما هي في الواقع لغز لكثير من المراقبين لذا تستحق التوقف عندها. فإذا ما أخذنا فقط المعايير التقليدية التي تضع الحدود بين السلطة والمعارضة، فإن التمييز بين الطرفين يكون صعبا: فالحدود بين ائتلاف أحزاب المعارضة هذا والسلطة غالبا ما تختفي دون أن يعلم أحد لماذا. فقادتها أنفسهم في كثير من الأحيان هم إلى جانب السلطة، ولا ينافسونها إلا في الانتخابات ليعودوا بعد ذلك جنبا إلى جنب معها مرة أخرى. ينضاف إلى ذلك أن خطاب هذه الأحزاب هو دائما مهذب للغاية، ويتفادى إحراج السلطة، وهو ما يتفوق فيه بشكل خاص زعيم حزب الوئام الديمقراطي. فأين هي القضية السياسة التي يعارض عليها هؤلاء السلطة؟
وبدلا من السعي عبثا هذا السعي بحثا عن اختلافات جوهرية أو حتى مشاكل واقعية، أليس من الأجدى أن نبحث عن الإجابة في الاعتبارات النفسية والمقاربات الشخصية؟
وسنتوقف إذن عند تلك الاعتبارات والمقاربات التي تظهر على شخصية زعيمي حزبي الوئام والتحالف الشعبي التقدمي. لقد استخدما مزاجهما الشخصي ومسارهما السياسي الخاص ليشكل الخط السياسي لحزبيهما. والحقيقة هي أنهم يحاولون خلق رابط مع القيم والاعتبارات ذات الصلة مثل الرؤية السياسية والمصالح الفئوية لمقربيهم، إنهم يجمعون في نفس الوقت بين أضداد يصعب الجمع بينها وهي مهمة يتميز رئيس التحالف فيها بشكل خاص. والحقيقة الأخرى هي أن هذا التناقض موجود أيضا في الأحزاب الأخرى، ولكن بدرجات متفاوتة، لأن القيم موجودة في كل مكان لكنها ليست هي نفسها دائما.
وعلى هذا النحو فإن السياسة تستند على سمعة تجعلها غير مفهومة بالنسبة لنا لأن مقصور على خدمة فئة معينة ولا تتبع أي منطق، ولكنها مع ذلك تنتمي إلى مجال واضح، في هذا البلد الذي أصبحت فيه الغلبة منذ أكثر من ثلاثة عقود للقوة العسكرية بدعم وتصفيق حاد من النشطاء وصمت محسوب من غالبية النخبة.
وفي الواقع فإن المؤسسات الحزبية لا تأخذ دائما مواقفها كما هو متوقع، بل إن الأحداث هي التي تشكل مصير البلاد وتأتي في الغالب بشكل غير متوقع، كما أن جداول أعمالهم مقلوبة، لكنه من الخطأ أن نعتقد أن هذا النهج خال من العقلانية. هناك بالفعل منطق في أعمالهم ولكنه أكثر تعقيدا من عدد العوامل المرتفع جدا. فالمنطق الذي يسعى لمواءمة الوسائل المتاحة والمقاصد التي يسعى وراءها، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وزن التشكيلة الفكرية والمسار السياسي، وحكم العادات وتأثير ردات الفعل، والصمود في مواجهة الضغوط وجاذبية الطموحات، وآثار خيبات الأمل والاخلاص للمثل العليا.
وحتى طبيعة العلاقات البشرية فإنها تنضاف إلى ما سبق لتحدد قرارات القادة السياسيين وسياسات أحزابهم. إنها ليست مهمة سهلة، كما هو واضح، ولكنّ أحزاب المعارضة عليها أن تجمع بوعي قدرات تقييم القضايا والسياقات مع الاستعداد لتجسيد القيم الجماعية، أي المشروع المجتمعي؛ وإلا فإننا لسنا أمام الأحزاب التي تأخذ على عاتقها مخاوف وآمال فئات المواطنين المختلفة. أما بالنسبة للمصالح، فمن الطبيعي أن الأحزاب – سواء كانوا في المعارضة أو في السلطة – تدافع عن مصالحها ولذا تشهد في بعض الأحيان انقسامات عميقة. ولكن يجب ألا ننسى أبدا أن هناك قواسم مشتركة تتألف من ثلاثة عناصر رئيسية هي: النظام السياسي الذي تتنافس فيه، وتتشاور أو تنقسم، والإطار المؤسسي الذي يحدد قواعد هذا النظام، والقضايا أو المسائل والتي تغذي النقاش والجدال.
الدستور الفعلي والوثيقة المظهرية
من بين هذه العناصر الثلاثة، فإن الثابت الوحيد هو الإطار المؤسسي أو على وجه التحديد الدستور. فمن الخطأ الجسيم النظر إلى الدستور باعتباره أداة بسيطة يمكن أن نغيرها في كل فترة بغض النظر عن الأجواء السياسية في البلاد وتوازن العلاقات بين الأطراف الحقيقيين المشاركين في الحياة العامة، ويتعلّق الأمر بالكيانات السياسية والمؤسسية.
الجميع يعرف أن دساتير الدول الغربية فعالة وليست شكلية بأي حال من الأحوال. ويعلم الجميع أيضا أن دستور روسيا بوتين- والذي يثار الحديث عنه في هذه الأيام- ليس سوى وثيقة مظهرية لذلك لا يمكن أن نتحدث بأي شكل من الأشكال عن حياة ديمقراطية حقيقية في روسيا. كما أننا ندرك أيضا أن دساتير معظم البلدان الأفريقية ليست فعالة على الإطلاق.
والاستثناء السنغالي جدير بالذكر: فهذا بلد منقسم مثل بلدنا ولكنّ انقسامه ينعكس في التناوب السلمي عبر صناديق الاقتراع. وهو تناوب لم يكن أبدا محل طعن، على الرغم من وقوعه في أجواء من التوتر الحاد، فالقواعد تنطبق على جميع اللاعبين، وهو يجعل هذه التجربة في نظر النخب الأفريقية جذّابة ومثيرة للفضول. لذلك، من الطبيعي أن تكون السنغال واحدة من الدول الأكثر مصداقية في المنطقة للمانحين والمستثمرين الأجانب.
كما يواصل المغرب توجهه التدريجي نحو مجتمع أكثر ديمقراطية. وهو ما ينعكس من خلال الانتخابات البرلمانية الأسبوع الماضي، والتي فاز بها حزب إسلامي (حزب العدالة والتنمية) وسيقوم بتشكيل حكومة دستورية جديدة.
المصدر الوحيد لفخر أنصار النظام
ومع ذلك، فإن الأزمة متعددة الأبعاد التي يواجهها بلدنا هي إلى حد كبير نتيجة للغياب الطويل للتناوب الديمقراطي. وبناء بعض الطرق أو غيرها من البنى التحتية، والتي هي المصدر الوحيد لفخر سدنة النظام، لا تكفى وحدها لتخفيف وطأة الأزمة السياسية والاقتصادية التي تثقل كواهل الناس. لقد حققت البلاد تقدما في البنية التحتية الحضرية وهو أمر لا جدال فيه. وهي إنجازات كان يمكن تنفيذها ليس بمواردنا الذاتية فحسب ولكن أيضا بأموال خارجية لو كانت نُفذتْ توصيات الجهات المانحة الخاصة بإعلاء سيادة القانون وغيرها من الإصلاحات المتعلقة بإقامة حكامة راشدة في البلاد.
لقد أثرت هذه السياسة الاستثمارية بشكل كبير على المالية العامة وساهمت في تشكيل البعد الاقتصادي لهذه الأزمة التي أصبحت واقعا لا نستطيع أن نهرب. فهي واقع ملموس واضح في الحياة اليومية، ينتشر أكثر وأكثر في حياة المواطنين وربات البيوت على وجه الخصوص. بل إن مجتمعنا نفسه يتهاوى من جميع الجهات، والجميع يرى أن الأمور لا يمكن أن تستمر في السير في هذا الطريق…
رجل استثنائي أو ضابط عادي؟
يجب علينا مواجهة خطورة الوضع بدء بإعطاء صورة واضحة عما يجب القيام به وخصوصا ما لا يجب القيام به. هل يمكن أن يكون الرئيس محمد ولد عبد العزيز غير واع بذلك؟ أو يكون معاونوه ربما مقتنعين بخلاف ذلك؟
في هذه الحالة، سيكون من الصعب عليه أن يكون على استعداد لتقديم التنازلات المطلوبة بسبب إلحاح الوضع. وهذا ما سيجعل الحوار الحالي، مثل سابقه، مجرد لعبة.
لكن إذا كان الحوار بالنسبة إليه هو من أجل تهدئة المناخ السياسي الحالي وفتح آفاق جديدة قادرة على خلق الظروف الملائمة لتحقيق أهداف التنمية في البلد، وهو ما يمكن أن يكون مقياسا للحكم على الرئيس محمد ولد عبد العزيز:
فما هي المخاطر التي يقبل أن يتعرض لها على الفور، وكم يتوقع أن يحيّده منها إذا ما توصل إلى اتفاق مع خصومه السياسيين لبدء إصلاحات تؤدي إلى تعزيز الديمقراطية السلمية وتناوب لا جدال فيه؟
فهل يمتلك ولد عبد العزيز طموحا ليخط اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ البلاد كرجل استثنائي؟
أو، كضابط عادي، ليست لديه فكرة أبدا عن مصير الرجال العظماء، يحبذ التمسك بالسلطة حتى يأتي يوم لا مفر منه عندها سيسقط في نهاية المطاف بنفس الطريقة التي جاء بها (فالانقلاب يقود دائما إلى انقلاب آخر وهو قانون حتمي تشكل بلادنا خير مثال عليه) ويختفي في طي النسيان من الذاكرة الجماعية، مثل الضباط الآخرين الذين سبقوه؟ (باستثناء اعل ولد محمد فال الذي قاد المرحلة الانتقالية 2005/2007 وانتهت بالقوس الذي حكم فيه نظام ديمقراطي منتخب بحرية).
أسئلة مفتوحة.