تخطى الى المحتوى

الأمة الإسلامية ومشكلة الإستراتيجية

جدول المحتويات

فأسست الإستراتجية  وقامة الأمة  ، فأصبحت مثالا يحتذي بيه في استبيان الغاية  وتحديد الأهداف والسعي بخطة قاصدة  لتحقيق مقاصد الشريعة . ولكن أين نحن الآن من تلك القرون الماضية ذات الإستراتيجية الفعالة، والقيم النبيلة. حق لك اليوم أن تسأل لما ذا تهان الأمة؟ وقد كانت سائدة ، والجواب عن السؤال مسطر في الآيات القرآنية الكريمة  ، يفهما ذووا العقول الاستنباطية .كقوله تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أديكم ويعفو عن كثير) سورة الشورى 30

 

عندما تخلينا عن الهوية أصبحت علينا الأرض ضيقة والسماء منفطرة، لا أرض مخضرة ولا سماء ممطرة  دولنا تدمر بآليات قوية وشعوبنا تقتل بأسلحة غازية . فما هو السبب؟ يا أمة كانت بالأمس قوية وأصبحت اليوم ضعيفة. ليس سببا واحدا بل هي أسباب كثيرة  متعددة  ومتباينة.  أولها التخلي عن الثقافة الإسلامية النيرة ،  ثانيها الاهتمام بدراسة سلبيات العولمة الوافدة ، ثالثا عدم مراجعة الاستراتيجيات والمناهج التعليمية  في المؤسسات الإسلامية…     

 

وهذا ما دعاني إلى دراسة الإشكالية لتحديد المشكلة الأساسية، والبحث عن الحلول المناسبة. وحسب معرفتي المتواضع فالمشكلة استراتيجة لهذا على الأمة مراجعة الخطط الاستراتيجة  سواء الاقتصادية منها  أو السياسية أو الاجتماعية. وهذا لايتم الا بالرجوع إلى دراسة الشريعة الإسلامية  وخصوصا تاريخ نهضة هذه الأمة وما جاء فيه من استراتيجيات فعالة.

 

ولتنظيم هذه الرحلة الشاقة في علم الاستراتيجيات ،  سأبدأ  أولا بتعريف ماهية تلك الكلمة " La Stratégie" مبينا المفهوم الصحيح لها في شريعتنا الإسلامية، ثم بعد ذلك أبحث في الأسس والمبادئ والأهمية .    

 

صحيح أن العالم الغربي قد سبقنا إلى دراسة هذا الفن، وتطويره، فوصل فيه إلى أعلى مراتب الازدهار والتطور في شتى المجالات سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. و قد  ظهرت نواة هذا العلم  في الحضارة اليونانية . وقد أرتبط مفهومه بالخطط المستخدمة في تنظيم وإدارة المعارك وفنون المواجهة العسكرية. فأول الدراسات والأبحاث التي أجريت لتحديد ماهية هذا العلم، مستوحاة من القواعد الحربية التي استخدمتها الجيوش العسكرية اليونانية في تنتظم صفوفها من أجل الانتصار في الحرب. ومن هنا بدأت الإستراتيجية ترى النور شيئا فشيئا حتى صارت علم وفن يستخدم في جميع مجالات حياة الإنسان سواء السياسية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

 

وكلمة استراتيجية  كما أسلفنا ذات جذور يونانية" Strategor " التي تعني القائد العسكري . وقد عرفها  الكثير من المفكرين الغربين ك "Ansoff  " بأنها تصور المنظمة عن العلاقة المتوقعة بينها وبين بيئتها، بحيث يوضح هذا التصور نوع العمليات التي يجب القيام بها على المدى البعيد، والحد الذي يجب أن تذهب إليه المنظمة والغايات التي يجب أن تحققها . وفي مايلى عدة تعاريفها لها باللغة الفرنسية:

 

Définition de STRATEGOR

« Elaborer une stratégie c’est choisir les domaines d’activité dans lesquels l’entreprise entend être présente et allouer les ressources de façon à ce qu’elle s’y maintienne et s’y développe. »

 

ومن هذا التعريف نستنتج نوعين من الاستراتيجيات :  التعاون و التنافس بمعنى أن المؤسسة أو المنظمة  لديها الخيار في اتخاذ أي منها حسب طبيعة النشطات.

 

Définition de DESREUMAUX

 

« La stratégie est l’ensemble des actions spécifiques devant permettre d’atteindre les buts et objectifs en s’inscrivant dans le cadre de missions et de la politique générale de l’entreprise. »

 

ونستنتج أيضا من هذا التعريف محورين مهمين لنجاح عمل المؤسسة أو المنظمة هما: تحديد النشطات الرئيسية، وتحديد طريقة تطوير هذه النشاطات.

 

Définition de Chandler

«La détermination des buts et objectifs à long terme d’une entreprise et le choix des actions et l’allocation des ressources nécessaires pour les atteindre»

 

يحث هذا التعريف إلى أهمة تحديد أهداف على المدى الطويل واختيار الخطة العملية المناسبة لتحقيق هذه الأهداف واستخدام الوسائل الفعالة لنجاح خطة العمل.

 

ومن خلال هذه التعاريف يتضح أن علم الإستراتيجية  يهتم بتشكيل وتنفيذ ونقيم القرارات الوظيفية  المتداخلة التي تمكن المنظمة  من تحقيق أهدافها ، حيث يعتمد على التكامل بين وظائف الإدارة  ، والسوق ، والتمويل ، والإنتاج ، والبحوث والتطوير ، ونظم المعلوماتية وذلك لأجل تحقيق نجاح المنظمة.

 

وقد عرف المسلمون حقبة زمنية تطور فيها هذا العلم و ازدهر ،  وهذه الحقبة هي عصر النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعد. كانت الأمة  آنذاك قوية بفعل الاستراتيجيات التي خطط و أسسها لها  النبي صلى الله عليه وسلم وقامت عليها الامة من بعده وخصوصا في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة  ابي بكر ابن قحافة الملقب الصديق ، وعمرابن الخطاب و وعثمان ابن عفان وعلي ابن أبي طالب  رضي الله عنهم أجمعين . وانطلاقا من هذا فإن علم الاستراتيجة ليس وليد الحضارة الحديثة كما يدعي بعضهم . فعلم الاستراتيجيات من أبرز معالم الحضارة الإسلامية  كما بينا ذلك آنفا. وقد تجلت معانيه في الكثير من الآيات القرآنية الكريمة كقوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) الانفال 60  ففي هذه الآيات إشارة واضحة  إلى أهمية الدعوة للقيادة الحكيمة بالعمل والتخطيط والاستعداد لمواجهة أمر مستقبلي. ومن الآيات التي أبرزت أهمية الإستراتيجية في التخطيط المستقبلي، قوله تعلى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) سورة المائدة 48 ، أي سبيلا وسنة  وطريقا واضحة سهلة لبلوغ الغايات. والآيات القرآنية الدالة على معاني ومبادئ هذا العلم كثيرة لا يسمح الوقت بسردها .

 

وقد شهدت هذه الحقبة العديد من التراتيب الإستراتيجية  التي كان النبي  (ص) يقود بها مسيرة الأمة ، ويؤسس من خلالها منهجها الفريد ، مقيما مفهوم الدولة في المدينة المنورة، وفق نظام إداري مُقنن يقوم على مبادئ ، ونظم ، وتشريعات مُحددة يخضع لها كل المجتمع. وقد قنن (ص) الشورى فكون لها مجلسا من أربعة عشر نقيبا يختارهم ممن يشهد لهم بالعقل والفضل، وممن أبانوا قوة الإيمان والكفاية في بث الدعوة الإسلامية، وقد كان اختيار النقباء مناصفة بين الأنصار والمهاجرين حتى يكون القرار شموليا يقبله الأنصار والمهاجرين . وكان (ص) يحرص وهو القائد الإداري الأول للأمة أن يكون قدوة حسنة في كل شأنه، فقد كان يأمر بالشيء ويُخطط له ثم يكون أول من يعمل به ويطبقه في واقع حياته.

 

وكان من أبرز تدابيره الإستراتيجية (ص) حسن اختياره لأصحابه عند توزيع المهام المختلفة عليهم: مثال ذلك اختياره(ص) لأصحابه رضي الله عنهم أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وزيرين ، وحذيفة بن اليمان، صاحبا للسر، وزيد بن ثابت ترجمانا وكاتبا ، وخالد بن الوليد قائدا عسكريا ، ومصعب بن عمير سفيرا ومعلما لأهل يثرب قبل الهجرة، وعثمان بن عفان مفاوضا لقريش، وعلي بن أبي طالب كاتبا للعهود وحاملا  للراية يوم خيبـر.

 

وبنظرة فاحصة لمفهوم علم الإستراتيجية وأبعاده وغاياته، نلمس هذا واضحاً في أحاديث سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، إذ قال: ".. والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها.. فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها ودعوني آتيه.." (رواه البخاري). وقال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "ولئن تدع أبناءك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس" ( رواه مسلم). ولنا في حادثة هجرته صلى الله عليه وسلم مثال واضح في التخطيط الاستراتيجي. ومن خلال تحليل سيرته وإرشاداته لأصحابه، نجد أن الرسول الكريم يركز على التنظيم التخطيط وهي وسائل لضمان نجاح وإتقان الإستراتيجية ، وتجلى ذلك في خطته الإستراتيجية التي وضعها لفتح مكة 
لذا يمكن القول؛ إن علم الاستراتيجيات قبل أن يُعرف في العالم الغربي الحديث قد عُرف في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه مشروع في الإسلام، بل وتباركه شريعتنا السمحة وتحث على تطويره باستمرار.

 

وعلى الأمة الإسلامية وبالتحديد أصحاب القرار فيها أن يدركوا أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وسلوك، كيان ونظام فكر وعمل، وللفكر الاستراتيجي  في الإسلام أهمية محورية خاصة، فهو الأساس المتين لنهضة الأمة الإسلامية في الماضي وقاعدة ارتكازها لصحوتها في الحاضر، وعدتها وعتادها لاستعادة مجدها المشرق في المستقبل بإذن الله تعالى. لذلك عليهم مراجعة الاستراتيجيات في كل المجالات السياسية  والاقتصادية والاجتماعية … لتعود الأمة كما كانت  مزدهرة ومتطورة. 

 

الأحدث