تخطى الى المحتوى

الاستيلاءعلى الأراضي في موريتانيا: الحريق الخامد*

جدول المحتويات

 

إنها قصة مأساة مؤلمة بدأت تتشكل في ولاية الترارزة بجنوب موريتانيا. فقد فقد سكان قرية "فناي نيكوار" في مركز تيكان الإداري ابتسامتهم منذ شاهدوا معدات وعمالا يضعون أوتادا لتسييج قطعة أرضية شاسعة تصل مساحتها لنحو ألفي (2000) هكتار. وما زاد غضبهم أنه، في انتهاك صارخ للقواعد التي تنظم الملكية العقارية، لم تلتقهم أي سلطة ولا مسؤول ولا محاور. والأسوأ أيضا من كل ذلك أن الهندسة العسكرية هي التي تتدخل لتنفيذ الأشغال معبئة لذلك إمكانات كبيرة. وهو ما يكفي لإعطاء فكرة عن نفوذ "المالك" الجديد للقطعة الأرضية. منذ تلك اللحظة، والشائعات تنتشر كالنار في الهشيم. فهل هذا المالك هو ذلك الثري الخليجي التي اعتاد أن ينزل في المنطقة ليمارس هواية الصيد والقنص منذ ثمانينات القرن الماضي؟ وهل أقنعه حاميه، الجنرال في الجيش الموريتاني، بالاستثمار في الزراعة جريا وراء الموضة في السنوات الأخيرة؟ يستحيل حتى الآن معرفة المزيد حول هذه القضية.

أمام هذه التساؤلات التي ما تزال عصية على الإجابة، وجه أبناء القرية رسالة معبرة إلى رئيس الجمهورية السيد محـمد ولد عبد العزيز. وحتى اللحظة، لم يتلقوا أي رد ولا تسير حالتهم نحو الأفضل. ما جعل المعاناة التي يعيشونها تستعصي على الإدراك.

 

ابتلاع فضاء لعب الأطفال وساحة المدرسة:

ولا يبدو أن المُـطـوّرين يشعرون بالحرج العاطفي. كما لم يبد المنفذون العسكريون عبقرية رغم احترام الاسم الذي يحملونه. ويبدو أن المشروع قد خُـط بمسطرة طالب على طاولة في مكتب بعيدا عن الميدان وحقائقه. نتيجة لذلك، قُـسـِّم فضاء لعب الأطفال إلى قسمين فبات جزء من ملعبهم لكرة القدم في جعبة رجل الأعمال الغامض. كما لم تسلم المدرسة العمومية للقرية: فساحتها التي كانت تعيش فيما مضى على أنغام ضحكات وهتافات الأطفال المليئين بالحيوية باتت الآن خاضعة لمالك مجهول الهوية. وأمام أماني ذلك المتنفذ، لم يعد هناك أي وزن لحجة ضرورة فضاء حيوي للمجموعة. يمكن إذاً للأطفال أن يموتوا جراء الملل والكسل. فلن يوقف ذلك معدات تسوية الأرض التي جلبها المطور الثري.

غموض وتساؤلات:

تفيد معلومات جمعها سكان القرية أن 800 هكتار منحت بموجب مرسوم لمُـطـوّر غامض في مقاطعة الركيز دون الكشف عن مزيد من التفاصيل حول المكان المحدد. فلماذا هذا المكان تحديدا الذي يتعدى على فضاء حيوي لقرية وعلى استصلاحات عمومية (مدرسة)؟ ولماذا يمنح أكثر من ألفي هكتار؟ وهل استفاد وسطاء للحصول بشكل غير قانوني على أراض على خطى من يتمتع برعاية الجنرال؟ لماذا لم يشرك القرويون في هذه الخطوة بغية إيجاد حل مشترك يحفظ مصالح الجميع (الدولة، المُـطـوّر وسكان القرية)؟ هل دُفـِعت أموال للخزينة العامة مقابل هذه العملية؟ إذا كان الجواب بنعم، فكم هي المبالغ؟ بقاء هذه الأسئلة دون أجوبة دفع أحد الخبراء إلى التعبير لموقع "كاساتايا" عن قلقه قائلا "أعرف أن البلد يعيش وضعية اقتصادية صعبة لكن أن يصل الأمر إلى بيع الأراضي الصالحة للزراعة إلى أجانب بثمن بخس في تعتيم تام، فلن نتفاجأ إذا تبين في المستقبل أن هذه العملية تمت في ضبابية تامة أي دون دفعأدنى مبلغ للخزينة العامة. كل هذا مؤثر ويحيي ذكريات أليمة عندما رحلت موريتانيا، بين عامي 1989 و1991، مواطنيها إلى أراضيهم. اليوم، تهدد هذه الوضعية بعدم ترك أي خيار للقرويين سوى الهجرة لأنه لو يعد بإمكانهم الوصول إلى أراضيهم"، أو يدفعون إلى العنف كما هو الحالفيكثيرمنالأحيان (وعلى نحو متزايد).

وليس صدفة أن يختار المُـطـوّرون هذا الفضاء. فالقطعة، الواقعة في مكان مثالي بين ذراع تيكان ونهر السنغال، لا تعاني من نقص المياه. لهذا السبب، ظلت موطنا للعديد من الحيوانات البرية. ومن بين النتائج البغيضة لتسييج القطعة، أن الحيوانات باتت سجينة ولم يعد بوسعها الخروج لتشرب كما في السابق. ما حدا بالخنازير البرية إلى تحطيم أجزاء من السياج لتتحرر. من جهة أخرى، تعتبر القطعة الأرضية منطقة عبور وتقع ضمن ممر رسمي للرعي. ولهذا، ستكون للسياج عواقب وخيمة على منمي الماشية. ما حدا بأحد سكان القرية، اتصل به موقع "كاساتايا" إلى القول: "يعتقدون انهم يسيئون إلينا. الحقيقة أنهم يسيئون إلى موريتانيا كلها. فالبدو الرحل الذين اعتادوا على رعي قطعانهم وتوجيهها إلى الذراع أو إلى النهر سيعانون أيضا".

أخيرا، أدى السياج إلى سد كل طرق التواصل بين مختلف القرى. في بعض الأماكن، لم يبق سوى ممر مخلـّص وحيد طوله 15 مترا للسماح للسكان بالخروج من قراهم.  

 

ويختم أحد السكان المحبطين "نحن نخنق ويحاط بنا من كل جهة. إنه حصار حقيقي". ومما يصعب تحمل هذه المأساة كون أغلب سكان قرية "فناي نيكوار" تعرضوا للترحيل الجماعي إلى السنغال بين عامي 1989 و1991. ورغم عودتهم منذ مدة، لم يسترجعوا بعد كل أراضيهم. واليوم، يتفرجون في عجز تام على هذه المصادرة الجديدة لملكيتهم.

 

أين الالتزامات الدولية التي صادقت عليها موريتانيا؟

إن ما يعانيه ملاك الأراضي في موريتانيا يتناقض بتاتا مع التوصيات الواردة في التوجيهات الطوعيةالتي صادقت عليها لجنة الأمن الغذائي. وهي التوصيات التي صادقت عليها البلاد وسط ضجة إعلامية كبيرة. ويجدر بنا التساؤل إن كانت السلطات الموريتانية  قد اعتمدت بالفعل تلك النصوص أم أن المصادقة عليها كانت مجرد تكتيك مؤقت لجذب الشركاء الدوليين. وإنه ليحسن بموريتانيا أن تعيد مراجعة تلك النصوص. عندها، ستكتشف أو تعيد اكتشاف أن التوجيهات المذكورة توصي بـ "حوكمة مسؤولة لأنظمة الملكية العقارية المطبقة على الأراضي الزراعية والصيد البحري والغابات في سياق الأمن الغذائي الوطني". ولا يمكن لتلك الحوكمة أن تتحقق دون الاعتراف بحقوق حيازة الأرض والحفاظ عليها حتى لو كانت تلك الحقوق غير رسمية. كما تدعو تلك التوصيات إلى إعادة الأراضي المسلوبة سابقا كما هو حال سكان "فناي نيكوار" المحرومين من أراضيهم منذ نحو 30 عاما. وتدعو التوجيهات الطوعية، علاوة على ذلك، إلى حماية حقوق مجموعات السكان الأصليين. وتطالب، بصفة خاصة، بشفافية أكبر في الاستثمارات المتعلقة بالأراضي الزراعية واللجوء إلى آليات الوقاية من النزاعات العقارية وتسييرها. لكن شتان بين تلك التوصيات وتطبيقها على الأرض. ورغم ذلك، يوجد مثال ناجح لتسيير الملكية العقارية دائما في جنوب موريتانيا. يتعلق الأمر بالتفاهم العقاري في مقاطعة مقامة (ولاية غورغل) الذي هو في الحقيقة ابتكار حقيقي في هذا المجال.

ويضمن هذا التفاهم الملكية للملاك التقليديين مع السماح بإعادة توزيع تسمح لأولئك الذين ظلوا محرومين من الأراضي بالحصول عليها. وتفاهم مقامة هو ثمرة مشاورات بين السكان الأصليين والوافدين وأصحاب الحقوق التقليديين ومن لا يملكون أراضي والنساء والشباب والمجوعات المضطهدة سابقا. وقد أضحى تفاهم مقامة العقاري نموذجا للوقاية من النزاعات العقارية وتسييرها.

وليست قرية "فناي نيكوار" حالة معزولة. فقد سُـلِـب سكان قرية "دوناي" أراضيهم للأسباب ذاتها. والأسوأ أن المُـطـوّر ضم المقبرة ما جعل السكان يضطرون إلى عبور النهر لدفن موتاهم في الأراضي السنغالية. وكانت هذه الحادثة موضوع فيلم وثائقي من إخراج جبريل جاو تحت عنوان: "عودة بلا مقبرة" (الحائز على الجائزة الخاصة لمهرجان افريقيا للأفلام الوثائقية). مؤخرا أيضا، شهدت قرية بلينابي (ولاية غورغل، جنوب موريتانيا) استحواذ مُـطـوّر على الأراضي الزراعية القروية. وتبع ذلك صدامات قوية. وما تزال المشكلة عالقة.

 

ويعني الاستحواذ على أراضي ضفة نهر السنغال في موريتانيا بالنسبة لسكان جنوب البلاد أن "سلبهم أراضيهم يعني خضوعهم لاستعمار جديد" سلمي إلى حد ما حتى الآن. وهي مشكلة قررت المحكمة الجنائية الدولية أن تتكفل بها بحزم. ففي يوم 15 سبتمبر 2016، أعلنت النائبة العامة فاتو بنسودا أن المحكمة الجنائية الدولية ستهتم من هنا فصاعدا بتدمير البيئة والاستحواذ على الأراضي بوصفهما جرائم محتملة ضد الإنسانية.

 

* يمنع النشر جزئيا أو كليا دون عبارة:
المصدر: www.kassataya.com

 

الأحدث