جدول المحتويات
وليس هذا تجريحا أو تنقيصا بالدور الفعال الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في بناء البلاد، ولكنه من مبدأ القاعدة التي تقول الرجل المناسب في المكان المناسب، ولان العملية عملية بناء لابد من تحديد و تنظيم المهام لكي يتم البناء على أحسن وجه.
وبناء الوطن حمل ثقيل يقع على عاتق كل شخص سواء من المعارضة أوالأغلبية وليس على واحد منهم دون الأخر لأن ذلك يخل بمسار عملية البناء، وقد قال الشاعر في ذلك: متى يبلغ البنيان يوما تمامه *** إذا كنت تبنيه ويغير يهدم.
وربما تكون إشكالية النظام السياسي العسكر هي جوهرا لاختلاف أو الخلاف السائد والمستمر في بلادنا بين المعارضة والأغلبية. ولكن هذا ليس سببا رئيسيا في تعطيل عملية البناء لأن العسكر أبناء هذا الوطن ولهم حق المشاركة في بنائه.وأمور السياسة محل اجتهاد ومسائل الاجتهاد موطن الاختلاف لا الخلاف. فما هو الاختلاف وما هو الخلاف ؟ ومن منهم مطلوب ؟ وكيف ندبر ذلك المطلوب؟
وبالرجوع إلى ماهية الأشياء يتضح الكثير من الأمور الغامضة ، ويسهل فهم ذلك على العامة . لهذا سنوضح باختصار ماهية الاختلاف والخلاف لتعلم المعارض والأغلبية ما هو الاختلاف وما هو الخلاف، ونبين أهمية المطلوب منهم ، وكيف ندبره من اجل إتمام عملية البناء.
الاختلاف لغة: مصدر اختلف. والاختلاف نقيض الاتفاق. والخلاف: مضادة، وخالفه إلى شيء عصاه إليه، أو أقصده بعد أن نهاه عنه. وقد بين الكثير من الفقهاء والمفكرين الفرق بين الاختلاف والخلاف، فالأول ما بني على دليل والثاني فيما لا دليل عليه.وهذا معناه أن الاختلاف يكون في الوسائل لا الغايات لأن الغاية واحدة، وهذا عكس الخلاف الذي هو معناه التباين في الوسائل والغايات. وانطلاقا من هذا التعريف يتبين أن الاختلاف ليس كالخلاف. فما هي المشكلة الأساسية المطروحة بين المعارضة والأغلبية هل هي اختلاف أم خلاف ؟
ومن هذا المنظار انصح كل الطريفين بالرجوع إلى دراسة فن الاختلاف والخلاف من أجل تحديد أسباب المشكلة التي بينهما. وقبل الشروع في الحوار عليهم أول تحديد هل هو اختلاف أم خلاف. فإذا كان اختلافا فهو المطلوب، لأن الاختلاف منهجية لحل المشاكل بطريق فعالة، أما إذا كان خلافا فذاك يزيد الأمور تعقيدا ويسير بالبلد إلى الهاوية.
وحسب معرفتي المتواضعة فإن الاختلاف هو المطلوب أصلا ، لأنه تباين موضوعي في وجهات النظر حول الوسائل لا الغايات ، و يقوم على الأدلة والبراهين . وهو اختلافا على الأفكار وليس حكما على الأشخاص. ولكن كيف ندبره ؟
ومن أجل تدبير الاختلاف يجب معرفة الأسباب ، وأسباب الاختلاف كثيرة من أهمها أولا النزعة الفردية ، وثانيا تفاوت أفهام الناس ومداركهم ، وثالثا تفاوت المقاصد : فالأولى بمعنى الدكتاتورية في الآراء ، والثانية تباين في المهارات وتنوع في المعرفة وتفاوت في القدرات ، والثالثة بمعنى تدافع المصالح وتباين المواقف والمعتقدات .
والاختلاف المقبول هو النابع عن تباين في الفهم بسبب إشكال لفظي ، أو تعدد دلالات التعابير المتداولة ، أو اختلاف في فهم الأدلة الشرعية والعقلية .
واستراتيجيات التعامل مع الاختلاف كثيرة نذكر من أهمها :
1. استراتيجية الانسحاب: وهي أن الشخص عندما يشعر أن هناك بداية اختلاف ما يبدأ بتغيير موضوع الحديث بسرعة ويغض الطرف عن النقد. وهذا الشخص ( المنسحب ) يرى أن هذا الخلاف لا نفع منه وبالتالي فهو يفضل الإنسحاب وكذلك هو مستعد لأن يذعن حتى يتلافى عدم التوافق أو التوتر. وهذه السياسة إن كانت ناجحة في بعض حالات الاختلاف إلا انها تغفل أن أسباب الاختلاف مازالت قائمة، واجتناب الاختلاف لن يجعلها تختفي.
2. استراتيجية الإكراه: من يتبع هذه السياسة يحرص في أي اختلاف على أن يخرج منه منتصراً مهما كلفه الامر. وغير مهتم لعلاقاته مع الآخرين. حيث تؤثر هذه السياسة على ألفاظه وتصرفاته، ولكن على الرغم من انها تحل الاختلافات بشكل سريع إلا أنها تؤثر على الأهداف البعيدة المدى وعلى إنتاجية الأفراد ما دام ان هناك طرفاً واحداً سيستمتع بالإنتصار.
3. إستراتيجية التهدئة: هذه السياسة من ينتهجها يحاول أن يجعل كل الإطراف راضية وسعيدة، فهو يهتم بالعلاقة مع الناس إلى درجة كبيرة حتى لو تصادمت مع مصالحه، ومن وجهة نظره يرى أن التحدي والمجابهة مدمرة، لذلك عند بدء الاختلاف يعمد إلى كسر حاجز التوتر.
4. استراتيجية التسوية: هي ما نسميه مسك العصا من المنتصف وهي تشعر الأطراف في أي نزاع أنهم رابحون لأول وهلة مع أنهم في حقيقة الأمر خاسرون لأن هذه السياسة تعطي بعض الكسب لكلا الطرفين بدلاً من اعطاء الكسب للمصلحة العامة والمرجوه من حل ذلك الاختلاف.
5. استراتيجية التكامل: تمثل قمة النجاح لحل الاختلاف لأنها تتطلب مهارات إدارية وإتصالية عالية المستوى وهي طريقة مشتركة لحل المشاكل, ويلزم على جميع الأطراف إفتراض وجود حل ما وبالتالي هم يجتهدون لهزمية المشكلة لا لهزيمة أنفسهم.
وهذه الأخيرة عبارة عن مسطرة من المراحل أساسي لحل أي مشكلة ما وقد بين ذلك Michael Stevens في كتابه "كيف تنمي قدرتك على حل المشاكل" بقوله "عملية حل المشكلة تتم على خمس عمليات رئيسة ، و هي : تمييز المشكلة وتحليلها ، تحليل المشكلة ، وضع حلول ممكنة ، تقييم الحـلول، تنفيذ الحل الذي اخترته".
إن الحوار لاشك وسيلة من وسائل حل مشكلات الاختلاف ولكن قبل الحوار يجب على كل الطرفين أن يضعوا مصلحة البلاد في فوق مصالحهم وأن يتحرروا من الأحكام المسبقة ، وأن يعلموا أن الاختلاف طريقة مشتركة حل الأزمات .
ومن شروط نجاح أي الحوار ما أن تضبط الوسائل التي تكسب بها قلوب الناس كحسن الكلام ، والاستماع ، والثقة ، و الحلم وكظم الغيظ ، والسماحة في المعاملة ، والتواضع ولين الجانب…
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ) الأحزاب، الآيتان 70، 71.