جدول المحتويات
هكذا افتتح الفقيد حبيب ولد محفوظ زاويتهُ في العدد 23 من جريدة "موريتانيا الغد" سنة 1991، والذي تمت مصادرتهُ من طرف بوليس المجرم ولد الطائع، حيثُ كان العدد قد خُصص لتسليط الضوءُ على حصن ولاته المظلم الذي قتل فيها خيرة الضباط في تصفية عرقية فظيعة شهدها البلد في سنوات الثمانينات (ربما قبل ذلك) و لاتزالُ مستمرةً إلى يومنا هذا بوتيرة أخف فقط.
إنّ من أطبق الجمرُ على عينيه لن يعد بإمكانهُ رؤية النجمة و الهلال، و من أحرقت يديهُ لن يعد بإمكانهُ كتابة اسم بلده على ورق. و بمجرّد المرور بشكلٍ عابر على مذكرات الناجين من التّصفيةِ العرقية سواءً في ولاته أو إينال لابدّ أن يتلبسهُ بعض الشّجن الأليم، حتّى لو كان جلاداً. لقد حدث شيءٌ بالفعل رغم أنّف المكذبين و المجرمين، و ما كتّبهُ المنفيّ الحزين محمودي سي في جحيم إنيال، وما نشرهُ المنفيّ الأخر بوي ألاسان هارونا عن زمانه المُر ورفاقه في ولاته لا يمكنُ أن يكونَ محضُ خيال كما يراهُ ويريدهُ القتلة الجدد بسخريتهم من المأساة و إنكارها، فهم بوقاحتهم هذه ليسوا سوى قتلة كأبطالهم الذين اغتالوا خيرة الضّباط و غير الضباط من الزنوج المُستعمرين في جريدة وسوريمالي و العزلات و إينال وكلّ أمكنة الموت. و لو افترضنا و قبلنا معهم بأنّ هذه الشهادات كاذبة فماذا سنفعلُ مع الندوب في أجساد الناجين و أثار الساديّة الوحشية؟ . جبناء وسيصمتون.
لقد تناول الفقيدُ حبيب ولد محفوظ الذي ابتعد عن موريتانيد ورحلّ مأسوفاً عليه سنة 2001، هذه المأساة الزنجية الأليمة في ظرفِ من النّازية لا يمكنُ وصفه، وكذلك العقيدُ الفخر عمر ولد بيبكر الذي جسّد عظمته و جراءتهُ و إنسانيتّه بشكل عملي ونظري، لذلك ليس غريباً أنّ نجد صاحب جحيم إينال قد أثنى على الصّحفي الموريتاني الأخير حبيب ولد محفوظ في كتابّه الصّادر سنة 2000 عن دار النّشر لارمتان، و كذلك إشادة بوي الاسان هارونا بالعقيد عُمر ولد بيبكر في كتابه : "كنتُ في ولاته" الصّادر 1999 عن لارمتان أيضاً. و قد ترجمّ شهادة محمدو سي لولد محفوظ الصُحفيَين با سلي و جبريل جالو في قراءة واعية جميلة منشورة بالعربية في كتاب جحيم إينال، حيثُ يقولُ محمدو سي في الصّفحة 167 : "الخليل الحبيب حبيب ولد محفوظ هو أول (بيظاني) أدان الوحشية في الثكنات وأعطاها نشرا؛حق قدرها، بقلمه المقتدر، وأسلوبه المتفرد. و جاءت شهادة صاحبنا الذي كان في ولاته بالعقيد الذي كان هناك حاملاً تين يوسف كي إلى النّعمة ليتلقى العلاج بعدما اوغلُ القتلهُ في تعذيبه حيثُ مات قبل أن يصل : "لقد ذهب إلى نواكشوط، مرتين أو ثلاثا، وكان ضمن أمتعته رسائل من بعض المعتقلين موجهة إلى عائلاتهم المقيمة في العاصمة. وما إن يحل بنواكشوط؛ وقد تزود بعناوين العائلات من السجناء، ينتقل بنفسه إلى كل عائلة فيسلمها بريدها، ويأخذ منها رسالة للسجين. كان يجلب للمعتقلين المعنيين الرسائل وأخبار عائلاتهم. ولا حاجة للإشارة إلى أنه يكفي تذكر الظرفية التي كانت سائدة آنذاك لإدراك حجم المخاطر الجمة التي كان الرجل يجازف بخوضها، والتي كان يمكن أن تُفقده مساره المهني لو تم ضبطه متلبسا".
في سبتمبر 1986 أعتقل عشرات الضّباط و المثقفين الزّنوج بتهمة الوقوف خلف العريضة التي تم توزيعها في يونيو من نفس العام خلال قمة الدّول الأفارقة، وقد نشرت العريضة التي تضمنت مطالب ملحة وصادقة في الذكرى العشرين لرسالة19 التي صدرت 1966 إثر ممارسات التّمييز البشعة والتي لم تخفي من السّلطة حينها. ومن تلك اللحظة بدأت حملة الشيطنة و التّشويه ليس فقط ضد 33 شخص سجنوا 87 والذين كان من بينهم سبعة فقط ينتمون لحركة فلام، لكن ضد مكون الزّنوج كاملاً و بالأخص بولار وهيّ الحملة التي عادت في الأسابيع الأخيرة حيثُ دشنّها السّعد ولد وليد بشكل غريب. و بالعودة للعريضة فقد تم تحريفها و اللعب فيها لتبرير هذه الفاشية التي ستستمرُ على نحوّ أليم للغاية، ولتجييش عاطفة الشّعب العنصري صاحب القابلية التامة للكراهية على نحوّ خرافي، حيثُ تجسدّ ذلك في الماضي و التّاريخ. و إمعاناً في الكراهية و الظّلم، فقد شهد أكتوبر من العام 1987 الإعتقال العشوائي الذي طال المئات من الضّباط بتهمة محاولة إنقلاب لا وجودَ له سوى في مخيلة النّظام القومي العنصري لولد الطائع ولم يكن ينتمي المعتقلون لحركة فلام، ولم يسمعوا بها قبل النطق بالحكم عليهم، ليلتقي جميع الغرباء في سجن ولاته البشع الذي وصفه المختار ولد داداه في مذكراته حين رماهُ الإنقلابيون فيه بالكثير من البشاعة، ويمكنُ العودة للمذكرات لإدراك حجم بيت الأموات هذا، إذا لم ينبري لنا الأن المواطنون الجدد و يشككون في رواية المخطار فهو ليس زنجيا على حد علمي.
في ديسمبر مات شهيد الهوية لمين منغان، وفيه أيضاً ودعنا أخر رجال الثقافة المحترمون تين يوسف كي الذي سأل بمرارة العقيد الفخر عمر ولد بيبكر إن كان سيُترك رجل الثقافة (يقصد نفسه) يموت كالكلب وذلك في أيامه الأخيرة بعد أن أنهكه التعذيب ووصل مرحلة حرجة حيثُ فرض ولد بيبكر أن ينقل إلى النعمة لتلقي العلاج وهو ما كان لكنه أسلم الروح قبل ذلك، وفيه أيضاً مات الجندي المنضبط المأسوف عليه أمادو صار الذي يُروى عنه أنه قال لقتلته أنه إن كان قطع رأسه سيمكنهم من تدعيم الوحدة الوطنية فليباشروا ذلك على الفور وإلا فهو بريء، و اللائحة طويلة طويلة.
لم يكن يمكنُ أن يمرُ ديسمبر دون مآساة، وكان لديسمبر هذا العام حجم مآساة الزنوج، حين انبرى الحرطاني بيجل ول هميد للرد على با الاسان في جلسة الحوار الرديء يوم أمس، حيثُ توعد الأولُ الأخير بالرد عليه بقسوة، مع أن بيجل و الحراطين بصفة عامة غير معنيين بالموضوع و إن كانوا ساهموا في إيقاد الحطب الذي تم شويُ الزنوج عليه في سنوات الدم و الرصاص، فقد تحدثُ بالاس عن التصفية العريقة بالكثير من الصدق لم تخفيه نبرتهُ و لا عينيه، و قد تعالت أصوات السفاحين بالحديث عن نكأ الجراح، وهم من صمتوا على كل التصريحات العنصرية البشعة التي يلقيها بين الفينة و الأخرى السفراء السابقون و الشيوخ التقليديين بحق هذا المكون الذي عانى كما لم يعاني أحد. إن هؤلاء يصرون على طرد الزنوج مبررين ذلك بما جاء فيه أغنية ولد عو المشهورة.
لقد كان هذا الرد من بيجل عميقاً و قد يساعدنا في فهم منطق "هيمنة الأقليات، و ظاهرة الإفلات من العقاب". فالهوة بين الحراطين و الزنوج تتسعُ يوماً وراء يوم، فبعد نجاتهم من معسكرات الموت البيظانية لأنهم حراطين و لأن التطهير هدفه الزنوج وحدهم، و استغلال نظام الإجرام القومي لهم في قتل الزنوج الموريتانيين في أحداث نهاية التسعينات التي صُفرت فيها حتى المحاظر التي تخرج على يديها الكثير من العلماء إلا أنهم مع الأسف لا يقرؤون التاريخ ويصرون على الوقوف في صف المجرمين إذ الحياد رذيلة، و إن كان لا بد أن يتكلموا فليقفوا مع المظلوم لكن….!
إننا لا يمكنُ أن نتجاوز الإرث الإنساني بكل هذه السهولة، فالأرامل و اليتامى لا زالوا يتعذبون، و الأسر المشتتة بفعل هذه الجريمة لا يمكن أن يلم شملهم تدوينة للسعد ولد أوليد أو دمعة من مسعود. على الحراطين أن ينشغلوا في قضاياهم، بعدل حشر أنفسهم في ملا يعنيهم، واقفين مع الجلاد الذي عرفت جلودهم سياطه.