جدول المحتويات
ولم يكتف عباس بالإشادة بمن كان وإياه آخر أحياء مهندسي اتفاقية أوسلو البغيضة، ووصفه إياه بأنه راعي للسلام، انسياقا مع منحه – زورا ومحاباة – جائزة نوبل للسلام، وهو الأولى وقرينه – فالقرين بالمقارن يقتدي – بالعقاب، لو وجد قليل من عدالة دولية، أو نزر من إنصاف عالمي.
لقد تجاوز عباس عتبة القيام بكل ذلك، بكل وقاحة، وانعدام أخلاق، ولا مراعاة إل ولا ذمة في حق فلسيطينيين، كانوا ولا يزالون وسيبقون مرابطين على الثغور، ذائدين عن أرضهم المغتصبة، والمستباحة من صهاينة معتدين، ومباركة عرب لا يقلون اعتداء ولا تصهينا.
لقد ذرف عباس دموعا غير زكية، ولا ندية على رحيل شيمون صديقه في التآمر، والقتل، والسفك والتدمير، خلال مشاركته في تشييع جنازته، وكان بذلك الرئيس العربي الوحيد المشارك في حفل توديع من ودع الفلسطينيون بسببه – مباشرا كان ذلك، أو غير مباشر – العديد من ذويهم وأبنائهم، وأحبائهم، جماعات وفرادى، بجريرة عدم الرضوخ للاحتلال وسياسة استيطانه الرعناء المعوجة.
ابيضت عينا عباس من الحزن، واحمرتا بكاء على من تلطخت يداه غير الطاهرتين بقتل الفلسطينيين، ولم يذرف دمعا على مواكب الشهداء التي تترى منذ أزيد من خمسة عقود، وما بدل الفلسيطينيون تبديلا.
عباس وقبل أن تفيض عيناه بالدمع أسى على بيريس، كان قد صافح رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو وحرمه غير المصون قائلا بلغة إنجليزية غير صقيلة "أنا سعيد برؤيتك. لم نتلق منذ زمن طويل".
وكان ثمن تلك المصافحة أن تجاهله نتنياهو في خطابه الذي ألقى، وأكد فيه على مسامع عباس أن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا بالقوة.
أساء أبو مازن إلى الفلسطينيين بمشاركته في تشييع جثمان قاتل أبنائهم، ومدمر مساكنهم، ومنشآتهم، وإلى نفسه – غير الشريفة، المعتلة، المريضة – وإلى ضميره – غير المنفصل، المتصل بالصهاينة، المتحالف معهم في السر والعلن -.
أبو مازن بعد دموع التماسيح التي ذرف بكاء على رحيل آخر مؤسسي دولة الكيان الصهيوني، يقدم مؤشرا جديدا على أنه بات حليف مغتصبي أرض فلسطين الأول وبلا منازع، ويؤكد أن السلام الذي يتشدق به ليس إلا سلام إسرائيل الذي قال سيده نتنياهو إنه لا يتحقق إلا بالقوة، لكن الفلسطينيين بالمرصاد لقوته الخائرة، بعزمهم الكبير، واستعدادهم المتواصل بالتضحية في سبيل قضيتهم، وقضية الأمة الأولى والأخيرة.
لا تعول فلسطين على عباس، وأشباهه، ممن حضروا تشييع جثمان من عمر المائة إلا قليلا في سومهم الخسف، والقتل، والتدمير، فقد اعتادوا منه الدفاع عن مصالح الصهاينة، لا عن مصالحهم، كما اعتادوا من أعراب العرب التنكر لهم ولقضيتهم، ومعاداتهم، وموالاة الصهاينة.
قاطع العرب بلكينيست تشييع جنازة صاحب السجل المفعم بقتل الأطفال والنساء، والرجال الفلسطينيين، داخل فلسطين وخارجها، فحضره "حادي السلام" محمود عباس، وشاركت بلدان عربية أخرى بممثلين عنها.
سيكتب التاريخ في سجله أن من ارتبط اسمه بمقتل مئات الفلسطينيين في مجزرة قانا، بكى على رحيله رئيس السلطة الفلسطينية، وشارك وممثلون عن بلدان عربية في تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير، وأبدوا أسفهم، وندامتهم على رحيله، لكن ذلك لن يفت حتما من عضد من يأخذون القضية على عواتقهم، ويعادون الصهاينة في سرهم وعلانيتهم إلا تمسكا بقضيتهم الشرعية، ولتتواصل حرقة عباس، وذرف دموعه مهراقا على رحيل بيريس، فبئس الباكي، وبئس المبكي عليه.