جدول المحتويات
احتجاجات تم خلالها حرق مبنى الجمعية الوطنية، واعتقل ألف شخص على عموم التراب الغابوني، كما احتجز سبعة وعشرون من قادة المعارضة في المقر العام لحملة جان بينغ بليبرفيل لمدة ست وثلاثين ساعة، أطلق بعدها سراحهم إثر تدخل فرنسي.
وفيما يتمسك جان بينغ بموقفه القائل إن الانتخابات لم "تكن شفافة" ويدعو إلى إعادة عد الأصوات، ونشر نتائج كل مكتب على حده، يؤكد الطرف الآخر على "شفافية الاقتراع" الذي أتاح لعلي البقاء في الحكم لسبع سنوات أخرى، يعد بأن لا تكون عجافا.
نصف قرن من حكم أسرة بونغو
حكم الغابون منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي في 17 أغسطس عام 1960، ثلاثة رؤساء اثنان منهما من أسرة بونغو.
وكان أول رئيس يحكم الغابون هو ليون إمبا، حيث انتخب رئيسا للبلاد عام 1961، وكان لفرنسا دور كبير في انتخابه، وقد حكم إمبا البلاد بقبضة من حديد، حيث عمد إلى حل البرلمان بعد ثلاث سنوات من وصوله إلى السلطة، كما فرض نظام الحزب الواحد، واضعا بذلك الحد للحريات السياسية، والإعلامية.
لم يمكث إمبا طويلا حتى تعرض لمحاولة انقلابية، لكنها باءت بالفشل، وزج بالعديد من المعارضين في السجون، وبعد ست سنوات من وصوله إلى السلطة توفي.
بعد وفاة إمبا، انتخب الغابونيون عمر بونغو أونديمبا، الذي كان نائبا لإمبا، وظل رئيسا للبلاد إلى أن توفي عام 2009، ومكث بذلك في الحكم 42 عاما، حيث كان في كل يجدد انتخابه في كل مرة، وأجرى تعديلا دستوريا يفسح الباب أمام مأموريات الرئيس.
بعد وفاة عمر بونغو، انتخب ابنه علي بونغو الذي كان نائبا له، رئيسا جديدا للغابون، في انتخابات طعنت فيها المعارضة آنذاك، واعتبرتها غير نزيهة، وشهدت البلاد على إثرها احتجاجات واسعة، سالت فيها الدماء، وتخللتها عمليات نهب، وحرق .
أنهى عمر الإبن الساعي إلى البقاء في عرش بقي فيه والده لأزيد من أربعة عقود، مأموريته الأولى التي امتدت سبع سنوات، وأعيد انتخابه الآن مجددا، لسبع أخرى.
ظل فرنسا الظليل
ظلت فرنسا، رغم استقلال البلاد عنها عام 1960حاضرة بقوة في المشهد السياسي الغابوني، بل إن الغابونيين ظلوا يعتبرون رؤسائهم ظلا للسلطات الفرنسية، ويعملون بتوجيهاتها.
فخلال المحاولة الانقلابية التي تعرض لها أول رئيس غابوني منتخب بعد الاستقلال ليون إمبا، كانت فرنسا حاضرة بقوة في إفشال الانقلاب، والعودة بإمبا إلى سدة الحكم إلى أن توفي.
كما كانت فرنسا كذلك، مساندا قويا لعمر بونغو، الذي كان يرعى مصالحها بالبلاد، ويأتمر بأوامرها، وتستجيب هي كذلك لمطالبه، فقد أطاحت ببعض الوزراء الفرنسيين بطلب من الراحل عمر بونغو.
غير أن فرنسا ـ التي تراجع حضورها العسكري بالغابون من 850 جنديا عام 2010، أي سنة بعد وصول علي بونغو الحكم إلى 450 جنديا اليوم، مع وجود جالية تقدر ب 10000 شخص، ترتكز بالأساس في العاصمة ليبرفيل ـ ساءت علاقتها بالنظام الغابوني منذ وصول علي الإبن إلى السلطة.
ورغم ذلك، فقد حافظت فرنسا أولاند على مستوى من العلاقات يسمح لها بالحفاظ على مصالحها بلبرفيل، خصوصا على المستوى الاقتصادي.
وقد عبر أولاند في لقاء سابق مع علي بونغو عن سعيه إلى "فتح صفحة جديدة، وتطوير العلاقات بين البلدين عبر التشاور حول رهانات السلام والأمن في الإقليم"، وهي صفحة معاكسة لصفحة العلاقات الفرنسية الغابونية أيام ساركوزي، حيث كانت الأسس، والمحددات الرئيسية تقوم على جوانب تتعلق بالحكم، وقضايا الفساد، وهي مواضيع حساسة لعلي المتهم بالغرق في الفساد، ويرفض التعاطي مع الأجندة الفرنسية.
جان بينغ: أنا الرئيس
يرفض الدبلوماسي والسياسي الغابوني المعارض جان بينغ بشدة نتائج الانتخابات الرئاسية التي أعلنت عن فوز علي بونغو لمأمورية ثانية، ويعتبر أنها "لم تحترم إرادة الناخبين الغابونيين الذين عبروا بأصواتهم عن رفض استمرار أسرة بونغو في الحكم، وتحويله إلى مملكة".
ودعا بينغ في خطاب جماهيري ألقاه محاولا من خلاله أن تظل قضية الانتخابات الغابونية على الواجهة، إلى مواجهة خصمه علي بونغو واصفا إياه ب"الطاغية" وقال إن حكمه بات على شفا السقوط".
وكانت النتائج الصادرة عن اللجنة الوطنية المستقلة الدائمة للانتخابات قد أعلنت فوز علي بونغو بنسبة 49.80، بفارق طفيف عن منافسه الأبرز جان بينغ، حيث حصل على 48.23 بالمائة.
وهي النتائج التي خرج على إثرها المئات إلى الشوارع في الغابون، معتبرينها "غير شفافة" وقد وصلت الاحتجاجات حد الدعوة إلى رحيل نظام علي بونغو، كما أن بعض الغابونيين المقيمين بالخارج دعوا القوات الفرنسية إلى التدخل والإطاحة ببونغو.
وقد حظي موقف جان بينغ من الانتخابات بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والاتحاد الأوربي، ومنظمة الأمم المتحدة، حيث دعت جميعها إلى نشر محاضر التصويت، ونتائج كل مكتب انتخابي على حدة، وهو ما لم يستجب له الرئيس المنتخب علي بونغو ومؤيدوه.
وكانت بعثة الاتحاد الأوربي المكونة من ثلاثة وسبعين مراقبا برئاسة البلغارية ماريا غابريال قد دعت قبل الإعلان عن خروج نتائج الانتخابات إلى نشر المحاضر، ونتائج التصويت مكتبا مكتبا، ووصفت المسار الانتخابي ب"الفاقد للشفافية".
مستقبل الأوضاع بالغابون
الواضح من راهن الأوضاع في الغابون أن المرشح الخاسر في الانتخابات جان بينغ لا يحظى بقاعدة جماهيرية عريضة على أرض الواقع مستعدة للتضحية في سبيل فرض ما يريده، وأن الخطابين اللذين ألقى علي بونغو خلال أربع وعشرين ساعة من بدء الاحتجاجات المناوئة له لم تلامس اهتمامات ما احتج من الشارع الغابوني، ولا المعارضين لحكمه، وإن ركز في أولهما على الشباب والنساء، وهما الفئتان اللتان تشكلان وقود الاحتجاج الدائر بلبرفيل، ودعا للحوار الديمقراطي.
وأمام هذين المعطيين، تبقى كفة الغرب وحدها المرجحة لما ستؤول إليه الأوضاع في الغابون، فإما أن يحافظ الغرب على ما هو باق من علاقات الود مع بونغو، والسعي إلى تطويره، وإما أن تزيحه وتأتي بجان بينغ.
غير أن مواقف المجتمع الدولي حتى الآن مشوبة بمستوى من الضبابية، والحذر في اتخاذ موقف حدي مما يجري بالغابون، وإن كانت مواقفها من الانتخابات تدعم جان بينغ، إلا أنها لا تزال مكتفية بذلك.
ومقابل موقف المجتمع الدولي، يبدو الموقف الإفريقي تجاه ما يجري في الغابون ضعيفا، حيث لم يلمس له كبير اهتمام بما يجري هناك، فباستثناء بيانات الصادرة عن الاتحاد الإفريقي وبعض لجانه، لا يكاد يسمع للقادة الأفارقة، وخصوصا من بلدان الجوار الغابوني لهم ركز.