جدول المحتويات
لم تتأسس بعد في التيار الإسلامي أدبيات ترسم ملامح المناكفة الفكرية في عهود الرخاء والحرية، ولا اجترحت التنظيات الإسلامية، حزبية وحركية، منهاجا يحصن بنياتها، أو مكتسباتها، في جو الصراع السياسي المشارك تحت السقف الواطئ للدولة الوطنية، وللحريات في ظل الأنظمة السياسية ذات الجذور العسكرية القريبة.
يؤثر تعبير في الأدبيات السياسية المغربية يلخص حالة التعايش التي فرضها اليسار على المخزن المغربي أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي. يقال إنه لا أحد كان يمكن أن يقول للحسن الثاني: لا. ولكن سلطان اليسار، عبد الرحيم بوعبيد كان يقول للملك: نعم، ولكن. لم يحسن اليسار استثمار هذه المنزلة بعد بوعبيد، فأودت به المطامع في هاوية البلاط ذي التقاليد العريقة.
لا يعني هذا أن اليسار في المغرب أخطأ عندما اختار الدخول إلى عهد التناوب، وحاول تخليص جلده من آثار حروق عشرية الجمر؛ فما يعيشه المغرب اليوم من عافية في أرزاق الناس، وحرياتهم وليد الحقبتين معا، حقبة الرصاص والجمر، وحقبة التناوب نصف الراضخ للإرادة الملكية.. ويبدو أن الإسلاميين في المغرب واعون إلى حد الساعة بحدود هذه "اللاكن". إنها الهامش الذي يتحرك فيه الجميع، بمن فيهم البلاط أحيانا.
ليس لدي أدنى شك في أن حسبان السقف في الأنظمة الملكية أوطأ منه في الأنظمة "الجمهورية" مغالطة فيها إغفال لمعطيات الواقع الفعلي، وعدم تبصر في محركات الصراع.
إن الفارق الأساسي هو أن خوف سدنة الأنظمة الملكية من الإسلاميين خوف إستراتيجي بعيد المدى، ما يعطيهم هامش مناورة أوسع، ويجعلهم أصبر على الشوط الطويل في المنافحة، كما أنهم يحتاجون إلى بعض الإنجاز لتثبيت إرث أجدادهم. يعمرون أرضا ورثوها. أما زبانية الدول العميقة، والنظم العسكرية، فخوفهم آني، وإستراتيجي مضاعف، لذا فهم أشرس في مواجهة الخصوم، وأحضر فتكا، وأضيق باعا. وهم في أغلب جيلهم الحاضر تجار متكسبون يبحثون عن ربح سريع على ظهر الدولة.
لا مناص من استيعاب حقيقة الدولة الوطنية، وأنها حالة قمعية مقننة، والتعايش معها، يتضمن قبولا ما بهذا المنطق. إن الأنظمة الفاسدة تتماهى مع الدولة، وتكون منازلة لها منازلة للدولة، وجزءٍ من المجتمع غير قليل يدين لها بالولاء.
ما ثار بشأن انسحاب النائب سيدي محمد ولد سيدي من حزب تواصل يستدعي صورتين غاية في الخطورة؛ أولاهما أننا لا نعي أين نضع نضالنا، ولا نعرف موقع الندى من موضع السيف.
ووضع أحدهما مكان الآخر مضر، كما قال حكيم الدهر، أحمد بن الحسين. منا من يطالب بوقفة حازمة كي لا يفكر النظام في استمالة نائب، أو عمدة آخر ينتمي للحزب… أفكر في مظاهرة حاشدة، للاحتجاج على تغريم شركات ولد سيدي.، أو حصار لمقرات الشركة يرغم نائب الطينطان على التراجع، أو يردع غيره من التجار عن التفكير في الانسحاب من الحزب.
الصورة الثانية هي استدعاء منطق المحنة والمغالبة في وقت يرفض النظام الحاكم مجرد اعتقال مناضل واحد، ناهيك عن التعذيب، والاعتقالات الجماعية. لا يوجد أبو زعبل، ولا بيلا. هذه معادلة ولد عبد العزيز. ومواجهتها تحتاج سلاحا ناعما لا تشنج فيه، تحتاج قتالا صامتا على المعلومة، وإرباك أجهزة عزيز التي يعتمدها بعمل إستراتيجي لا تستطيع خنقه، وإحداث ما أمكن من التراكم بالتحرك في الهامش المتقلص بــ"حجاب السلامة".
الاستقالة حق شخصي، وشرعي، وإنساني. لا يمكن أن يطلب من الحزب تفهمها، أو القبول بها، لكن عضوية الأحزاب عقد اختياري يحق لكلا الطرفين فسخه. هذه درجة الصفر في التحليل. يجب النظر في الأسباب الموضوعية لما يجعل الناس يتركون الأحزاب، أما ما يجعل الأنظمة السياسية تحاول اصطياد خصومها، أو إضعاف معارضيها، فهو من طبيعة الأشياء. ومن أراد تحليل حالة النائب سيدي محمد ولد سيدي بأكثر من عوامل الحالة الشخصية الخاصة فأعتقده جانب الصواب. انتظروا قليلا حتى ينضم ولد سيدي للحزب الحاكم، فهي خطوته القادمة، ووجهة هو موليها، فما انسحب رجل من حزب معارض إلا التحق بالنظام، وكل ذلك حق شخصي وحرية سياسية.
والله من وراء القصد.