جدول المحتويات
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وإنما أريدها كما أردتها في المقال مساجلة فقهية علمية، لا دردشة كلامية هابطة، والدليل على ذلك أني طلبت منك ردا علميا جادا على ما كتبته في ذلك المقال، لكن دون جدوى، إذ لا تزال مصرا على النكول عن الرد على ذلك المقال، وهذه هي المرة الثانية التي أطالبك فيها بالرد عليه، فإن لم تفعل فإني سأعتبرك منقطعا، لأنه من القواعد المعروفة في باب الجدل والمناظرة، أن كلام المعترض إن لم يكن مطابقا لما أورده المستدل عد المعترض منقطعا عن المناظرة لأن وظيفة المعترض هدم ما بناه المستدل، فلو رد معترض على مقال فقهي علمي بسب وشتم وتجريح عدٌ منقطعا عن المناظرة، وكان مناظرا لنفسه لا للمستدل، ولو رد على مقال في التاريخ ـ مثلا ـ بمقال فقهي لعد الفقيه منقطعا غير مستحق للرد لأنه صار مناظرا لنفسه لا للمستدل. وعليه فإني سأجعل من هذا الرد مساجلة فقهية علمية، متناولا ما ورد في تعليقك الثاني فقرة فقرة:
– قلت إن العلماء أجمعوا على أن الجهاد الصحيح هو الذي يكون تحت راية الدولة لصد العدوان وتحرير الأوطان.. وإنما الذي أجمع عليه العلماء هو أن الجهاد نوعان: جهاد طلب وجهاد دفع، والذي أشرت إليه في هذه الفقرة هو جهاد الدفع، وهو متعين على المسلمين كافة لصد العدوان وتحرير الأوطان كما تفضلت، أو ليس هذا النوع من الجهاد متعين في فلسطين لإخراج الصهاينة منها؟ أليس متعينا في أفغانستان والعراق لإخراج الصليبيين منها؟ أليس متعينا في سوريا لإخراج الثنائي الشيوعي الصليبي منها؟ أليس متعينا في ليبيا؟ فأين الدولة العربية أو الإسلامية التي انبرت لصد العدوان وتحرير الأوطان، أين هي؟ إني أنتظر إجابتك على هذا السؤال؟
إن هذه الدول التي نقلت الإجماع على وجوب الجهاد عليها لصد العدوان وتحرير الأوطان صارت ردئا وظهيرا للغازي المحتل، فدونك فلسطين ـ سوى أهل غزة ـ والعراق وأفغانستان وسوريا وليبيا… فهل يرضيك هذا التصرف الاستسلامي، بل العميل، وأنت أستاذ تاريخ وحضارة ـ من واجبك أن تؤمن فكر طلابك تاريخيا وحضاريا ـ أيعجبك أن يتربى طلابك على الاستسلام للغزاة والتعاون معهم، ألم يسطر التاريخ في بلدي وبلدك (موريتانيا الحبيبة) ذلك الجهاد الذي لم تعد له دولة، بل قاده أفراد من شمال موريتانيا وشرقها وجنوبها ووسطها لصد المستعمر الغازي، وصدق الله حين قال: {يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا}، فحارب أولئك المجاهدون الأشاوس المستعمر، قاتلوه وقتلوا جنده وقادتهم حتى خرج من البلاد صاغرا، وما أحد منهم وسم بالإرهاب ولا التكفير ولا قطع رقاب الناس، بل خلد التاريخ ذكرهم، {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} ـ بل دونت أسماؤهم بماء الذهب على لائحة المجاهدين المكرمين أبدا.
وفي عصرنا الحاضر لم يستسلم الملا عمر ولا صدام حسين للغزو الصليبي، ولا استسلم أجدادنا في موريتانيا ولا إخواننا في الجزائر ولا ليبيا ولا المغرب أيام الغزو الاستعماري، ولن يكون ذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فأي مصلحة ـ وأنت من دعا إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذا أمر مسلم ـ في الاستسلام للعدو الغازي ودعمه في تنفيذ مخططاته وأجندته؟
كان هذا عن النوع الأول من الجهاد، وأما النوع الثاني فهو جهاد الطلب، ومعناه خروج المجاهدين للإغارة على العدو في بلاده إعلاء لكلمة الله، وهذا النوع لا قائم به اليوم، وهو معطل منذ قرون، مع العلم بأنه فرض كفاية إجماعا إن قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الجميع، وإن لم يقم به أحد ـ كما هو الواقع ـ أثم الجميع؛ فكيف لك أن تجيب على هذا التعطيل جوابا مبنيا على الأدلة الشرعية، مع العلم بأن هذا الفرض لا يسقط بحال، لأنه إذا عجز عنه هؤلاء انتقل الوجوب إلى أولئك حتى يتحقق وجوده في الأمة، ولهذا الانتقال في عالمنا المعاصر مجال فسيح عد فيه المسلمون بما يقارب المليارين، فَلِم نعدم قائما بهذا الواجب؟
– قلت إني وقعت في خطإ منهجي حين قصرت الجهاد على القتال، واختزلته في القتل المحض، وجعلت من الوسيلة غاية ومقصدا.. وقبل الجواب أنصحك بأن تكون أمينا في النقل ـ وأنت أستاذ تاريخ ـ وأن تتوخى الدقة في ما تنقله عني، حتى لا تقولني ما لم أقله، والذي أثبته في التعليق على التعليق أن الجهاد كما يكون بالسيف يكون باللسان، وأنه إذا أفاد الأخير استغني عن الأول، وإن لم يفد فلا مناص من استعمال القوة لردع القوة، وإنما يفل الحديد بالحديد، ثم إن الجهاد وسيلة لا غاية فالغاية في جهاد الطلب إعزاز الدين بإخراج الكفار من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، فيقاتل الكافر ليسلم، أما قتاله لمجرد قتله فليس بمقصود البتة ولم يدل له نقل ولا عقل، ففي جهاد الطلب يقتل الكافر لكفره وفي جهاد الدفع يقتل لرفع ضرره ودفع عدوانه عن العباد والبلاد، فجهاد الطلب باق ما بقي الكفر، وجهاد الدفع ماض ما وجد العدوان.
فمثلي ـ ولا فخر ـ لا تلتبس عليه الوسائل بالمقاصد حتى يجعل من الوسائل مقاصد، وعليه فيكون من الضروري التنبيه ـ في هذا المقام ـ على مقاصد الجهاد ووسائله حتى لا يبقى شاك: أقول إن للجهاد في سبيل الله مقصدا أصليا، فإن كان جهاد طلب فالقصد الأول منه هو إعلاء كلمة الله، وإن كان جهاد دفع فالقصد الأول منه هو صد العدوان.
كما أن لجهاد الطلب مقاصد تبعية نجملها في اثنين هما: الشهادة والنصر، {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون}، {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما}، وإني سائلك، هل الخارج من المسلمين في حلف النيتو وقوات الأمم المتحدة يعد شهيدا، قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؟ وهل يكون ذلك الذي تصدى للغزاة المحتلين تكفيريا، قتالا، قطاعا لرقاب الناس سفاكا للدماء؟ حقق المناط وأجب بالدليل من الكتاب والسنة وفقه الأئمة والعلماء العارفين بفقه المآلات ومقاصد الشريعة، الراسخين في العلم.
ثم إن للجهاد وسائل لا تلتبس بالمقاصد والغايات، ويمكن إجمالها في ما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"، فأين الدولة العربية أو الإسلامية التي حملت راية الجهاد لتحرير الأوطان وصد العدوان، وبذلت المال والنفس واللسان، فرصدت الأموال الطائلة لشراء السلاح وجيشت الجيوش المتخصصة في كل فنون القتال، وسخرت إعلامها المكتوب والمقروء والمسموع والمشاهد لذلك، حددها بالاسم؟! وإذا أردنا تحقيق مناط هذه المسألة فإن الواقع يدل على أن هذه الدول رصدت هذه الثلاث لخدمة الأمم المتحدة وأحلاف الغرب والشرق، التي تدك بلاد المسلمين دكا، فهل تكون هذه الدول رافعة لواء الجهاد لتحرير الأوطان وصد العدوان؟! أجبني محققا المناط منزلا النصوص على الواقع.
– أما الأسئلة التي وجهتها إلي تريد جوابا عليها فعليك ـ بعد التأكد من ثبوتها، وأنت أستاذ التاريخ، والتاريخ إن عدم التوثيق وتحري الصدق، فقد قيمته ـ أن توجهها إلى من ارتكب تلك الأفعال، فهو أدرى بما فعل وأهل مكة أدرى بشعابها، ولا تجب عن حاضر.
وأخيرا، فالجهاد كما تفضلت واجب إجماعا لتحرير الأوطان وصد العدوان، ولو أن دولة واحدة من دول عالمنا العربي أو الإسلامي تزعمت رفع تلك الراية لانضوى تحت لوائها كل المجاهدين، ولجاءوا إليها من كل حدب وصوب، ولأتوا من كل فج عميق، ولو خرج أحد هؤلاء ملكا كان أو رئيسا قائدا هذه المعركة لحملته على كتفي، داعيا إلى الجهاد ومحرضا عليه، ولو كان ذلك القائد سفاحا كالسيسي، أو قتالا كبشار، أو رافضيا شيعيا كحاكم إيران، فالجهاد ماض مع البر والفاجر.
وإن لم تتزعمه تلك الدول ـ كما هو الواقع ـ لكان ذلك متعينا على سائر المسلمين "ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة".
ولا يزال الخير باقيا في هذه الأمة ـ والحمد لله ـ مهما انتفخ الشر وانتشر: فأما الزبد فيذهب جفاء وما ينفع الناس فلا يكون هباء.