تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

 لقد أجمع العلماء على أن الجهاد الصحيح الشرعي المحقق لمقاصد الشريعة يكون تحت راية الدولة لصد العدوان أو تحرير الأوطان، أما إطلاق اسم الجهاد على التكفير، وسفك الدماء، وقطع الرقاب ، وترويع الآمنين ، وتهجير الناس، وسبي النساء، ونقض العهود والمواثيق، ونشر الفزع، وتخريب الديار، فهذا هو الافتراء بعينه، ولا يحقق من مقاصد الشرع شيئا، بل هو يحقق التصور الظالم الذي يروجه الأعداء عن الإسلام، ومن والاهم من الذين يجيدون استخدام القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة لتبرير جرائمهم، ويلوون عنق التفسير الصحيح، لخدمة مخططاتهم وتبرير سفك دماء الأبرياء دون وجه حق.

 

أنت تعلم جيدا ـ إذا ما تجردت من أدلوجتك ـ أن هناك فرقا كبيرا بين الجهاد الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، والذي ندفع به العدوان، وينكسر به الشر، وبين ما تقترفه التنظيمات الإرهابية من إجرام في حق الإسلام. فلا خلاف على شرعية الجهاد، لكن المشكلة في تحقيق مناطه لفهم الواقع، والواجب في الواقع، وهذه مسؤولية الراسخين في العلم.

 

ومن البديهي ـ في ردك على الرد ــ أنك وقعت في خطإ منهجي، من خلال تضييق مفهوم الجهاد ، بقصر الجهاد على القتال، ثم اختزاله في القتل المحض، وقطع الرقاب، حتى جعلته غاية وليس وسيلة، وهنا أدعوك ـ وأنت مدرس مواد الفقه وتتحمل مسؤولية الأمن الفكري للطلاب ـ إلى التعمق في دراسة فقه النتائج والمآلات والموازنة بين المصالح والمفاسد، وفقه المقاصد، لأن الأحكام ـ كما تعلم ـ شرعت في أصلها لمقاصدها.

 

وقبل أن أنهي كلامي أوجه إليك الأسئلة التالية:

 هل، أن اعتقال الطفل القاصر "معاذ الحسن" البالغ من العمر سبع سنوات، في مدينة الرقة، بتهمة "سب الذات الإلهية"، أثناء اللعب في الشارع مع أصدقائه، وإصدار حكم عليه بالإعدام فيما يسمى زورا بـ "المحكمة الشرعية" التابعة للمجاهدين، وتنفيذ الحكم بتهمة "الكفر"، يعتبر جهادا في سبيل الله؟

 

أسألك ، كذلك، هل أن إعدام 13 فتى ، رميا بالرصاص، في مدينة الموصل العراقية لمجرد أنهم شاهدوا مباراة لكرة القدم بالتلفزيون، بدعوى أن مشاهدة مثل هذه المباريات "محرمة شرعا"، ولم يستطع ذووهم سحب جثامينهم خوفا على حياة عائلاتهم، هل يعتبر ذلك جهادا؟

 

وهل أن اختطاف النساء لبيعهن للتجار العاملين في سوق "الخدمات" الجنسية فى الشرق الأوسط، بأسعار تراوحت بين 500 دولار و43 ألف دولار أمريكى للمرأة أو الفتاة الواحدة، وتزويج الأسيرات المختطفات لأعضاء التنظيم قسرا، فيما أصبح يعرف في فقههم بجهاد النكاح، هل ذلك جهاد؟

 

وهل حرق سيدة مسيحية من الموصل تبلغ 80 عاما من عمرها بزعم أنها خالفت أحكام الشريعة الإسلامية، يعتبر جهادا؟

 

وهل استهداف وتفجير عدد من جنود حراسة وتأمين المسجد النبوى الشريف بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهي التي دعوت إلى الجهاد فيها بمقالك المنثورـ في نهاية العشر الأواخر من شهر رمضان والناس سجود لله قانتين ، هل تعتبره جهادا؟

 

آخر سؤال أوجهه إليك، ألم ينفطر قلبك لتلك السيدة المسلمة التي وضعت حملها على قارعة الطريق من روع وهول ما شاهدته في حادثة مدينة نيس الفرنسية؟ أم أنك تلذذت بحال تلك الصبية ذات أربعة أعوام التي فقدت والديها، في نفس الحادث، وهي تصرخ "بابا ماما" بسبب الجهاد المزعوم؟

 

وفي الختام، أقول لك أيها الزميل، خذ هذه الجرعة، بناء على طلبك، لقد طلبت مني بكل كبرياء أن أرد عليك عندما أكون مؤهلا، والآن عليك أن تهدئ من روعك وتتذكر أنني تأهلت قبل أن تستكمل تكوينك الايديولوجي، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، وأوصيك ألا تتجاوز حدود القلم مستقبلا، وتتوخى الفائدة من كلامك، وكما يقول الشاعر:

و بعض الكلام كبعــض الشــــجر**     جميل القـــــــوام شحيـــــــح الثـــــمر

وخير الكلام قلـــــــيل الــــــــحروف  **     كثير القـــــطوف بليغ الأثـــــــــر

وفرز النفوس كفـــــــرز الصـــــــخور  **   ففيها النــــفيس وفيها الــــــــــحجر

وبعض الوعــــــــود كبعض الغـــيوم **      قوي الرعــــــــود شحيح الــــــــــمطر

ولو لم تهز الريـــــــاح الـــــــزهور       **    لما فاح عطرهــــــــا ومات الزهـــــر

الأحدث