تخطى الى المحتوى

التعليق على التعليق: (لا الرد على ما ليس برد)

جدول المحتويات

 

كان تركيزك في التعليق ـ وأنت من أدبر عن الرد ـ على كيل الاتهامات، والتجريح وإلقاء الكلام على عواهنه، فكان ما علقت به أشبه بالسفسطة والتشهير منه بالتعليق الجاد المقنع.

 

فلو كان ما تقدمت به ردا علميا يتناول المقالة فقرة فقرة، ويعتمد الكتاب والسنة والحجج المقنعة لرددت على ذلك الرد بمثله، ومن زاد أو استزاد فقد أربى.

 

لكني لما لم أجد ما يستحق الرد ـ إذ لا يكون الرد إلا على رد ـ فضلت أن أسطر الآتي:

ـ إن الجهاد رغم أنفك متعين وماض، وسببه عدوان ما ذكرته ـ في تعليقك ـ من الدول الأوروبية وحليفاتها من الدول العربية والإسلامية، فانبرى لهؤلاء ثلة من المجاهدين فردوا على العدوان بمثله {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، فالاعتداء هو سبب الرد، وإذا زال السبب زال المسبب، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما؛ فلم يكن المجاهدون مثلك إذ ثبتوا عند اللقاء، وفررت من الرد، فهم الكرار وأنت الفار، وإن كنت تزعم أن الرد على العدوان بمثله جهل وغلو وتطرف، فأنا أول الجاهلين والغالين والمتطرفين {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين}.

 

ثم إنك لم تكن منصفا حين وصفت فعل المجاهدين بالجهل والغلو والتطرف، ولم تصف فعل الغزاة المحتلين للبلاد والمقدسات، القتالين للمؤمنين والمؤمنات، المدمرين للقيم والحضارات، فلم تصفهم بشيء من ذلك، فبرأت الجلاد وجرمت الضحية، وهم من بدأ والبادي أظلم، فهؤلاء هم الإرهابيون حقا، والإرهاب سببه الإرهاب، فكنت خصيما عنهم وعن أذنابهم {ولا تكن للخائنين خصيما}.

 

ـ لو وقف هؤلاء الذين تدافع عنهم عند حد القول لكان الرد عليهم بالقول، أما وقد تجاوزوه إلى البطش بالقوة العسكرية، فلا يكون الرد على القوة إلا بالقوة، وإنما يُفَلُّ الحديد بالحديد، والعاقل من يدرك أن لكل مقام مقالا.

 

ـ إن كنت تدعو إلى ترشيد الخطاب الديني، فعليك أن تعلم أن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من العلماء ـ والعلماء ورثة الأنبياء ـ ليست مختزلة ـ كما زعمت ـ في الوعظ والإرشاد والتعليم، بل كانت كلها جهادا باللسان تارة، وتارة بالسنان، فالاقتصار على العنصر الأول دون الثاني جهل بالعلم وخلل في المنهج، فالوسيلتان متكاملتان، وهذا ما بينه صلى الله عليه وسلم حين قال: (إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل)، فمنهجك الذي تدعو إليه حكّمت فيه الهوى، وفرطت في قول من لا ينطق عن الهوى، ومن اتبع الهوى فقد هوى.

 

كان منهجك الذي تدعو إليه مصابا بشلل نصفي، تؤمن فيه ببعض الكتاب وتكفر ببعض، حين قلت إن الله تعالى قال: {لست عليهم بمصيطر}، وقال: {فإن آمنوا فقد اهتدوا…}، فَلِمَ لم تقل إنه قال أيضا: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله و رسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وقال: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}، وقال: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال}، وقال: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..}، فبمنهجك المختل الأشل تكون أنت العالم المتبصر، وأنا الجاهل المقصر.

 

ـ على من أراد الرد على مقالي ذاك أن يكون عالما ـ على الأقل ـ بأحكام الجهاد، محققا مناطها، منزلا إياها على واقعنا المعاصر، فالعلم قبل القول والعمل والتعليق والرد، ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن جهل شيئا عاداه.

 

فإذا ما تأهلت فرد على مقال: أولى الأولويات، ردا علميا رصينا، وإن توليت كما توليت من قبل فاعلم أنك لست من فرسان الميدان، فاعرف قدْرك، قبل أن يأتيك قدرُك، ولا تتشبع بما لم تعط، فإن المتشبع بما لم يعط كلا بس ثوبي زور.

الأحدث