جدول المحتويات
ففي ليلة من الليالي وددت أنني لم ألتق وإياها وأن الدنيا توقفت عندها لتعلن نهايتها.. جاءني فجأة نعي من لا يملك القلب شجاعة فراقه ولا العين حسرة وألم خلوها منه.. أبو عبد الله.. رجل ليس بالكبير في السن ولا بالضخم في الجثة.. ولا بالغني المترف.. ولا بالمنعش المسف.. ولكنه كُنيف ملئ علماً وإيماناً وتزكية وحباً للخير والمؤمنين..
رغم أن الشيخ كان مريضاً في الآونة الأخيرة.. ورغم أن جسمه النحيل لم يصح يوماً صحة كاملاً.. ورغم أن التعب والإرهاق كانا باديين عليه.. ورغم أنه كان دائم ذكرٍ للموت.. وكان مجلسه عامراً بوصف ما ينتظره الأبرار عبادُ الله الأتقياء في جنات الخلد.. رغم كل ذلك لم أجد – غيره – مستعداً لكابوس رحيله.. إلا بقدر ما يتقبل قضاء الله وقدره.. فاللهم اللطف نرجوك.. فلا تعذبنا ونحن نستغفرك..
عاش أقل من عمر أبي حامد الغزالي رحمهما الله بسنتين أو ثلاث.. ولكنه أعطى أعمار رجال نيّفوا على التسعين.. كان شيخاً حقيقياً كالذي عناه الإمام عبد الواحد بن عاشر رحمه الله يصحب شيخاً عارف المسالك… يقيه في طريقه المهالك يُذْكره الله إذا رآه… ويوصِل العبد إلى مولاه يحاسب النفس على الأنفاس… ويزن الخاطر بالقسطاس، ويحفظ المفروض رأس المال… والنفل ربحه به يوالي.
كان مخبتاً عالماً عارفاً بالحلال والحرام.. همه أن يرضى الله عنه.. وفي سبيل ذلك يهون عليه صعود المرورى والشناخيب.. كان يحب الخير للناس ويسعى في حوائجهم.. ويكرمهم بالتدريس والإطعام وبذل الجاه والمال والترغيب في الخير.. قليل من يراه يضحك.. وقليل من لم يرَه مبتسماً كأنه يجمع بين مقامَي التأمل والحمد.. كان وهو يحدثك يعقد الخناصر بالتسبيح والاستغفار.. ولشدة ذكائه وفرَط حفظه يجيب على السؤال وكأنه كان منصتاً لك.. يديم الذهاب في الثلث الأخير من الليل إلى الحرم النبوي.. ويزور البقيع بعد الفجر.. ويعتبر من أمهر أهل المدينة بأماكن الصحابة والتابعين والعلماء في مدافن أهل المدينة.. وأحياء المدينة التي أحبها وأحبته..
أما عن زهده وورعه فلا أظن الكلمات تصفه.. فكم من نكرة يدعي العلم بنى القصور وراكم الأموال وأنشأ قنوات والتقى أمراء.. وهو ليس أهلاً لذلك.. بينما ظل شيخنا يعطي علمه لكل مبتغيه يريد بذلك وجه الله والدار الآخرة.. فأنزل الله له القبول في الأرض.. وبكته الأرض والسماء.. نعزي في الشيخ خاصة أهل العلم فهم أكثر حسرة عليه من كل الناس لمعرفتهم بثغرته التي خلت فجأة.. ودخل منها ظلام سده نور علم الشيخ وتقاه.. نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً.. وكذلك العبّاد والزهّاد والمخبتون والمبتلون والمستضعفون من المسلمين فلقد غاب عنهم من يدعو لهم وهم نائمون.. عزائي – ولا تكفي كلمة عزاء – لأسرة الشيخ التي تربت بأخلاقه ونهلت من طباعه وتخلقت بقيَمه.. وأخص زوجة الشيخ التي كانت الوجه الآخر للأسرة فكانت سنَده وأمينته على الكرم والأخلاق وصدقة السر وإيواء الغرباء والحجاج والمعتمرين ومَن تعرف ومن لا تعرف.. وأنا على ذلك شهيد.. فكم من ضيف طارق غريب دله غريب آخر على البيت فرأى البِشر والإكرام والترحاب.. فجزاك الله خيراً يا أم عبدالله.. ولا أراك مكروهاً في دينك ولا دنياك وعوضك الله خيراً ورزقك صلاح نفسك والأشبال.. وسيكون بإذن الله.. فصبراً وتسليماً لأمر قضى به… وإن كنت مهموم الفؤاد لذلك فما كان موت أبي عبدالله موتَ واحد.. وإنما هو بنيان مرصوص من بقية الصالحين تهدّم..
رحمك الله يا أبا عبدالله.. ورحم العلم والأدب والفتوّة والأخلاق والكرم بعدك.. طبتَ حياً وميتاً وأكرمك الله بأمنيتك وأمنية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه (موت في بلد الحبيب)، ونحسبك من أهل النبي صلى الله عليه وسلم بأن دفنت إلى مدفن عثمان بن مظعون رضي الله عنه..
سألت الندى والجود ما لي أراكما… تبدلتما ذلاً بعز مؤبّد وما بال ركن المجد أمسى مهدّماً… فقالا أُصبنا بابن يحي محمد، فقلتُ فهلاّ متُّما عند موته… فقد كنتما عبديه في كل مشهد، فقالا أَقَمنا كي نعزِّي بفقده… مسافة يوم ثم نتلوه في غد.
رحم الله الشيخ سليم وأنزله منازل الأبرار.. ولعل من المفرِح ما كان عليه من اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم وما رآه بعض إخوانه في المنام من توسُّط قبره قبورَ جّلة الشهداء في أُحد.. رحمه الله وغفر له وبارك في عقبه من أسرة وطلاب علم وإخوة صدق..