تخطى الى المحتوى

السعودية في مواجهة تطلعات الشعوب العربية

جدول المحتويات

 

وأنا أدرك أن أي انتقاد للمملكة السعودية يعتبر أمرا حسّاساً من قبل متبني "نظرية السياسة الواقعية" التي هي تشبه، لدينا، تلك العقلية المنتشرة التي تترجم بنوع من المصادرة الذاتية أو بصفة أدق النفاق الذي يصعب إخفاؤه عند المحاولة، في مقابل سلسلة من التفاهات والتراشق، لأن المصلحة الشخصية تبقى لها الكلمة الأخيرة في هذا البلد الذي تعد فيه الشائعات المنتشرة الهم الرئيس للنخبة. ولهذا السبب بالتحديد-من بين أسباب أخرى-أجمعت أمري، لأني لا أقبل أن أستمر في التخبط في هذه العقلية التي تميل مع الريح حيث مالت، مثل رمال الصحراء التي تدفن كل شيء.

 

كنت أعرف أيضا أن بعض أصدقائي، الذين لديهم نهج مغاير، أو على أية حال، يختلف عما لديّ، سيثيرون حتما أسئلة حول هذا الموضوع. وهذا في الواقع ما حدث. وللإجابة على تلك الأسئلة سأحاول هنا تعميق الفكرة دون أن كون انتقائيا، ببساطة ووضوح ودون أي زخرفة.

 

ولأجل ذلك، نستبعد مباشرة كل سوء تفاهم محتمل، لنعترف من البداية أن آل سعود قد أنشأوا دولة من العدم وجعلوا منها مملكة مستقرة وغنية، رغم أن أبناء العائلة يعتبرون هذه الدولة ملكا لهم ويختصون أنفسهم منها بنصيب الأسد عند توزيع الثروة. أما الجزء المتبقى فيتم توزيعه بشكل مناسب نوعا ما على الشعب، مما يحيل إلى حد ما لماض مجيد.

 

لكن الواقع الآن بائس: اقتصاد المملكة يتعثر، لاعتماده أكثر من أي وقت مضى على النفط الذي تهاوت أسعاره، كما أن البلد يختنق ماليا بسبب المشتريات الهائلة من المعدات المدنية والعسكرية المصنوعة في الغرب، وفي الولايات المتحدة في المقام الأول. مشتريات طوعية أو بالإكراه يجب أن تسدد الآن وهنا من خزينة تعاني من ضعف في السيولة رغم احتياطيات رؤوس الأموال الهائلة الموجودة في بنوك وصناديق استثمار غربية، لكنها في الغالب غير متاحة، وليس باستطاعة المملكة أن تستخدمها كيفما تشاء ووقت ما تشاء.

 

هذه المشتريات المنتظمة تمثل هي الواقع ريعا يتم صرفه إلى الغرب. مشتريات بقدر ما هي غير مقبولة شعبيا، هي غير ذات فائدة اقتصادية أو عسكرية، فأمن هذا البلد مضمون من خلال قواعد أمريكية منتشرة بداخل السعودية خصوصا قاعدة الدمام حيث تنتشر تشكيلة هامة من القوة الجوية تبدأ من طائرات الأف16 إلى الآواكس مرورا بالهيلوكبتر الأكفأ في العالم.

 

هذا الحضور العسكري الظاهر يجرح بدون شك الوطنية السعودية، خصوصا أن معارضين أشرارا بالتأكيد يقولون إن جزء هاما من تكلفة هذه القاعدة تتحملها شركة النفط السعودية آرامكو والتي لم يتبق منها سوى أن تشكل أفضل دفاع عن السلطة داخليا وخارجيا. هي إذن مشتريات غير ضرورية تثقل كاهل المالية العامة، فالمملكة يمكنها أن تتجاوزه ما دام لا يشكل من الثمن المدفوع مقابل الأمن، كما يقول هؤلاء.

 

صحيح أنه على المستوى الداخلي ليست هناك انتفاضة شعبية وشيكة، رغم أن أنشطة عنيفة تحدث من وقت لآخر كما حصل الأسبوع الماضي من أعمال إرهابية في عدة مدن من بينها المدينة المنورة ذات الرمزية والقدسية الدينية الكبيرة، لكن الثورة لن تندلع غدا، فلا يوجد فقر مدقع يدفع للانتفاض ولا معارضة منظمة، لكن الجمود السياسي المترافق خصوصا مع استمرار انخفاض أسعار النفط مما يدخل البلاد في أزمة اقتصادية هي أمور لا تطمئن على مستقبل البلد. إن قادة هذا البلد معنيون بأخذ طريق الإصلاح، فحينما لا يتحرك شيء سياسيا، فإن كل شيء معرض للتغير فجأة في لحظة ما غير منتظرة.

 

بصيرة أقل من منافساتها الإقليميات

على مستوى العلاقات الخارجية، وهو موضوع هذا المقال، نحن بعيدون جدا من عهد الملك فيصل حين كان يستطيع الحديث باسم العرب وباسم مليار من المسلمين عبر العالم. لكن الدبلوماسية السعودية تفقد بريقها أكثر فأكثر، حين تُصرّ على التبعية للولايات المتحدة إلى درجة تثير ذهول جميع المراقبين. وتحالف المملكة مع الولايات المتحدة وعلاقاتها غير المعلنة مع إسرائيل والضغائن الدفينة تجاه حلفاء إيران أو من يفترض أنهم كذلك، هو ما يعيق العربية السعودية عن التقدم لقيادة العرب.

 

ومع ذلك فإن فلا أحد يقول أو يمكن أن يتصور أن الطبقة الحاكمة في السعودية والتي تشكلت من محاربين أميين غير قادرين على تفكيك تعقيدات العالم حتى ولو كان متدثرة بدغماتية دينية ذات أحكام تاريخية مسبقة. كلاّ، إن كل القوى الإقليمية وكذلك الدولية تبذل الكثير من الجهد والوقت في فهم العالم ووضع تصور لطموحات مشروعة بالطبع، والتحكم في البيئة القريبة حتى تستغل كافة إمكانياتها لصنع مستقبلها.

 

والحال أن هذه الطبقة الحاكمة أظهرت، وبطريقة صبيانة، الكثير من التدني في الرؤية بالمقارنة مع منافستها الإقليمية لاسيما الحكّام الإيرانيين:

 

ففي حين أن المملكة غارقة في سياسة حمقاء تستعدي أطرافا عدة في المنطقة مثل اليمن وسوريا من جهة والعراق وإيران من جهة ثانية، وهي سياسة لا تتلاءم مع وسائلها العسكرية والبشرية المحدودة، تركز الجمهورية الإسلامية الإيرانية على التفكير في تنميتها التكنولوجية وبالتالي الاقتصادية، مع تشجيعها -صوابا أو خطأ- للقومية العربية والإسلامية لمواجهة الإمبريالية الأمريكية والاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية.

 

وفي سعيها لتطويق النفوذ الإيراني؛ زاد القادة السعوديون الطين بلة من خلال تقديمهم لأموال هامة للحكومة الإسرائيلية والتي هي أخطر من إيران حتى بالنسبة للمصالح الاستراتيجية للسعودية ومصالح شعوب المنطقة بدون شك.  

 

إن من المسلم به في السياسية وفي الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيك) بالتحديد أن المنافسين بل وحتى الخصوم هم في بعض الأحيان ضرورة: فالخصومات تحرك العقول وتطلق الإرادات. وهو أمر سليم بالنسبة لرجل السياسة وبالنسبة للدولة وخصوصا إذا كانت تطمح أن يكون لها تأثير في مصائر الآخرين.

 

ألم يكن الأولى بدل الاستمرار في خلق الأعداء أو الخصوم الوهميين، إحداث التماسك ومعالجة آثار الربيع الفاشل، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببلد مجاور – بغض النظر عن الخصائص الدينية والثقافية لهذا البلد؟

 

والحقيقة أن العدو الحقيقي لأي أمة هو التخلف والتردي الاقتصادي، وهو ما لا ينقص هذا البلد. ولكن يحدث أن قادة المملكة يتحججون بأسباب واهية مثل الخلاف السني الشيعي الموجه لضمان بقاء التوتر والمواجهات المصطنعة، ليتمكنوا بسهولة من تضليل الرأي العام عن القضايا الحقيقية التي تواجهها المملكة.

 

ما هي القضايا الحقيقية بالنسبة للمنطقة؟

يتركز انتباه العالم، اليوم، على إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني التي هي بالتأكيد خطيرة لدرجة أنها تشكل عقبة في طريق التحديث والتكامل الاقتصادي، ولكننا إذا ما أخذنا آفاق العقود القادمة فهي ليست العناصر الرئيسة التي تحدد مستقبل الشرق الأوسط.

 

فما هو موقع الاحتياطي الهائل من البترول الذي تختزنه المنطقة؟

 

هي بلا شك مسألة حيوية، خاصة في البلدان الغربية التي تعتمد إلى حد كبير على منطقة الشرق الأوسط في تزويدها بالنفط. ومن المعلوم أن أوبك، المنظمة التي يهيمن عليها المنتجون الخليجيون توفر وحدها ما يقرب من نصف كميات النفط المستهلكة في العالم. ومن المعلوم أيضا أنه قبل عقدين من الآن كانت دول الخليج وحدها تنتج حوالي 60 بالمائة من الاستهلاك العالمي. ومع ذلك، وللمفارقة فإن النفط بدأ يتراجع دوره بالنسبة لهذه البلدان، بل قد يصل الأمر إلى أن تجف هذه الحقول وتتوقف الآلاف من الآبار التي تنتشر في الصحراء عن العمل…

 

وقد تكون المشكلة الأساسية تدور حول المياه التي ستعبث بمستقبل المنطقة؟

 

الماء هناك، في الواقع، هو المورد الأكثر ندرة، وبذلك يمكن أن تصبح موضوع الصراعات في المستقبل. ويقدر العلماء أنه في غضون جيل واحد فإن احتياجات المنطقة من المياه يمكن أن تتجاوز بكثير أربعة أضعاف الموارد المتاحة. ولكن مشكلة المياه ليس ذلك الوزن حتى تؤثر على مصير المنتطقة.

 

إن العامل الرئيس الذي يهدد مستقبل المنطقة هو الجهل بالإصلاحات السياسية وبأي شكل من الأشكال الحديثة للحوكمة. فرغم أن الديمقراطية تقدمت في جميع مناطق العالم، فإنها هنا لا تتحرك قيد أنملة: باستثناء نسبي في لبنان والعراق، فلم يأت أي من رؤساء الدول في المنطقة إلى السلطة عبر الوسائل الديمقراطية، على عكس جيرانهم الإيرانيين والأتراك والإسرائيلين.

 

والشرق الأوسط أكثر من أي منطقة أخرى من العالم، لا تزال شعوبه ترزح تحت وطأة الأنظمة السلطوية، إن لم تكن الأوتوقراطية. أنظمة لا تزال غير قادرة على تنفيذ الإصلاحات اللازمة للتحديث الصناعي والتنمية الاقتصادية. كما أن من بين الخصائص الرئيسية لهذه الأنظمة هيمنة تيارات دينية متعصبة (هي هنا الوهابية) التي يفرضونها على مجتمعاتهم.

 

ففي غياب أي إطار سياسي تبقى المرجعية الديني هي ما تستمد منه شرعيتها لتبرير رفضهم للديمقراطية بحجة أنها بدعة غربية، متناسين، بطريقة مثيرة للسخرية، تبعيتهم للدول الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة، وهو ما شوّه سمعة هذه الدولة لدى مواطنيها وفي العالم العربي، ناهيك عن أن الديمقراطية لا تتعارض مع الإسلام.

 

وصعود جماعات راديكالية تعتمد على نفس المرجعية، هو رد عنيف دون شك على هذا الإخضاع أو الاستعباد من طرف المملكة. ومع ذلك فقد منحهم ذلك فرصة أكبر لمزيد القمع وإدارة الظهر للإصلاحات السياسية والاقتصادية التي من شأنها أن تخفض قوتهم أو تجعل المجتمع ينفتح على تأثيرات خارجية مثمرة.   

 

لقد ترسّخت المحافظة الاجتماعية لاسيما من خلال معارضة أي تحسين ضروري لوضع المرأة وحقوقها. ولكنها تمكنت من تعزيز مكانتها بطرق التفافية بسبب انخفاض مستويات الأمية في صفوف سكان المملكة، الأمية التي تنتشر في معظم الدول العربية الأخرى وتشكل عقبة ليس فقط بالنسبة للمشاركة السياسية ولكن أيضا للتنمية الاقتصادية . بالإضافة إلى النمو الديمغرافي السريع الذي يؤدي إلى عجز في الموارد المائية الهامة وتنام في المتطلبات الاجتماعية (الوظائف والخدمات).

 

ولكن هذه التحديات الحاسمة للمملكة العربية السعودية لا يبدو أنها ستكون قادرة على مواجتها على المديين القصير والمتوسط. وهو ما يدعو إلى التساؤل إن لم نحكم على نمو اقتصادي بدون مخرجات حقيقية، واستمرار لسياسة اجتماعية قمعية إن لم تكن رجعية وتحديث اقتصادي متعثر وسياسة خارجية غير مناسبة ومكلفة لاسيما في مواجهة الجيران القريبين، وباختصار، إنها سلطة متجحرة بسبب الجمود السياسي والاجتماعي الذي يرتفع إلى مستوى العقيدة.

 

إن النظر في الآفاق سيكون مبطلا بقدر ما هو مؤلم. لاسيما وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، جارتها ومنافستها، قد سمحت لمواطنيها بتحدي الملالي عن طريق اختيار رئيس من الاتجاه المعتدل (حسن روحاني). كما أتاح ظهور الحركات المدنية تعزيز الديمقراطية من خلال تثقيف المواطنين وتحفيزهم على التسجيل كناخبين. وهي بدايات لتحول سياسي واجتماعي عميق ومشجع.

 

في المقابل، من الواضح أن القادة المستنيرين هم عملة نادرة في البلدان العربية التي تعاني إما من الاستبداد أو من التغيرات المفاجئة والمتكررة للحكومات مما يعيق تنفيذ الإصلاحات اللازمة.

 

ومع ذلك، فإن العالم العربي لا تنقصه أوراق قوة منها التقاليد العريقة في التجارة واقتصاد السوق الذي ليس نظاما جديدا بالنسبة إليه. كما أن لديه بعض الجامعات الممتازة ويفتخر بتاريخ علمي أقدم علوم الغرب.

 

بالإضافة إلى الإصلاحات السياسية التي يجب أن تبدأ أولا، فإن احتمال نهضة اقتصادية في العالم العربي ليس أمر مستبعدا إذ استغلت الموارد الموجودة في باطن الأرض والفوائض المالية بشكل فعال بأيدي أفضل الكفاءات من أبناء هذه الدول مع الاستفادة من خبرات الشركاء الأجانب وبسياسة صناعية تعمل على خلق المزيد من الشركات العاملة في مجال التصدير.

 

إذن ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه السعودية في مثل هذه الاحتمالية؟

 

خلق الله الإنسان وأودع فيه، دون غيره من مخلوقاته الأخرى، تلك القدرة على الحلم أمام أي موقف من مواقف الحياة. يمكننا أن نتصور إذن أن يظهر قريبا، على الأقل خلال ربع القرن المقبل، أمير لديه رؤية واضحة وكاريزما وتعليم في جامعات مرموقة، ويحظى بدعم أغلبية كبيرة من الشعب للوصول إلى تاج السعودية.

 

إذا وصل هذا الأمير إلى السلطة في وقت تتهاوى فيه أسعار النفط، كما هو الحال بالنسبة للحكم الحالي، ولكن على النقيض منه أيضا، فإنه سيمتنع عن زيادة الإنتاج ويدعو أعضاء أوبك لفعل الشيء نفسه. النتيجة: سوف ترتفع الأسعار وتستمر في الزيادة حتى دورة الهبوط المقبلة والتي ستتم معالجتها بنفس الإجراء، والهدف من ذلك هو ضمان عدم استمرار هذا الانخفاض لمدة طويلة، والحفاظ على الأسعار في مستوى مربح بالنسبة للمنتجين ويستطيع المستهلكون تحمله.

 

ثم يقوم بإنشاء مؤسسة تتكون من أشخاص أكفاء ذوو سمعة في مجال تخصصاتهم ليتولوا الإشراف على عائدات النفط، بالإضافة إلى الحد من بعض النفقات غير الضرورية، خصوصا في الميزانية العسكرية، وبالأخص في الجزء المتعلق بشراء الأسلحة.

 

هذا بالإضافة إلى الشروع في عملية الإصلاح المؤسسي –على غرار النموذج المغربي أو أي نموذج آخر أكثر تقدما – لملء الفراغ في الحياة السياسية، والذي تتخبط فيه السلطة الحالية ويدفعها إلى الجمود مما يجعلها أقل ملائمة للاحتياجات الآنية.  

 

أما دبلوماسيته فستتمحور حول الإجابة على هذا سؤال مزدوج: لم لا نعامل جيراننا وفقا لقيمنا الدينية والأخلاقية؟ أو لم تُشوَّه هذه القيم بسبب الإجراءات التي اتخذناها في هذا البلد أو ذاك؟ والجواب سيترجم من خلال مبادئ حسن الجوار والرغبة القوية لمساعدة الدول المجاورة الفقيرة وفقا لتعاليم الإسلام.

 

وبعد ذلك سيطلق برنامجا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لمدة ثلاث أو خمس سنوات بميزانية من نحو مائة مليار دولار، ممولة جزئيا من عائدات النفط وفي الجزء الأكبر من الأصول المالية الضخمة غير المنتجة المودعة في الصناديق الاستثمارية الدولية والبنوك الغربية، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على شكل سندات خزينة. فالدول لا تستثمر في الأسواق المالية، بل في تطوير اقتصاد وطني منتج في المقام الأول…

 

وستتم إدارة هذا البرنامج من قبل وكالة مستقلة تقوم، بالتنسيق مع القطاعات الحكومية، ببناء المدارس والمستشفيات النوعية، وتنمية مهارات المعلمين والأطباء والمهندسين، وتعزيز البنية التحتية والطرق وأساليب الإنتاج الزراعي، ومنح القروض التحفيزية للشركات المصدرة وتمويل صندوق مساعدات للبحوث الأساسية والابتكار التكنولوجي لتحفيز النشاط الصناعي.

 

وسوف يستفيد أولا من هذا البرنامج، أقرب جيران المملكة إليها (اليمن والأردن)، قبل أن ينجح الملك الجديد في إقناع الإمارات الأخرى الغنية للمشاركة في جهد مشترك يمتد إلى سوريا ولبنان ومصر من جهة، ودول المغرب العربي من جهة أخرى؛ كما ينبغي أن تستفيد البلدان الإسلامية الأخرى، هي أيضا، من تمويل أكبر من المساعدات الحالية لصندوق التنمية السعودي والصناديق العربية الأخرى.

 

إن نجاح هذه الخطة سيمنح المملكة تأثيرا غير عاديّ في العالم العربي وشرعية لا مراء فيها مما سيمكنها من لعب دور قيادي حقيقي ومن التوسط في الخلافات التي قد تتحول إلى نزاعات مسلحة بين الدول أو الفصائل في بلد واحد، مثل ما يحدث الآن في اليمن، سوريا، العراق، ليبيا ومصر ولبنان على مستوى أدنى.

 

وهكذا ستنجح المملكة في المساهمة في القضاء على الفقر إلى حد كبير وتوفير الشروط الاجتماعية التي تمكن من تحقيق نهضة اقتصادية في العالم العربي كله.

 

هذا باختصار ما تتطلع إليه الشعوب العربية من المملكة، وهي قادرة على القيام به.

 

لقد فعلت الولايات المتحدة الشيء نفسه عن طريق تنفيذ خطة مارشال السخية في أوروبا عندما كانت محتاجة، بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية التي قضت على مقوماتها. كما قامت بعد ذلك، بدافع التضامن وأشياء أخرى، بتقديم دعم مباشر وغير مباشر، لدول جنوب شرق آسيا: كوريا الجنوبية، اليابان، سنغافورة، تايوان، هونج كونج، تايلاند…

 

فمن المعروف أنه خلال نصف القرن الماضي، تحت تأثير واشنطن وبقيادة البنك الدولي، تم توجيه 80 بالمائة من القروض الميسرة المقدمة من قبل المؤسسات المالية الدولية إلى دول جنوب شرق آسيا، إلى جانب الاستثمارات الضخمة التي نُفذت هناك، طوال هذه الفترة، من أمريكا لوحدها، بما في ذلك القطاع الخاص الذي جذبته الحوافز المقدمة لهذا الغرض من قبل حكومته. وليس ذلك من أجل سواد عيون تلك البلدان ولكن، أولا، لإعادة بناء ما دمّره التدخل العسكري الأمريكي في اليابان وكوريا الجنوبية، وثانيا، لمنع هذه الدول من الوقوع، بسبب الحاجة الاقتصادية، تحت التأثير الأيديولوجي للقوى المنافسة، الاتحاد السوفييتي السابق والصين.

 

هل يمكننا أن نأمل أن الطبقة الحاكمة الحالية للمملكة العربية السعودية يمكن أن تحذوَ حذوها في المستقبل القريب، على الأقل في اليمن وسوريا، والتي هي مسئولة عن معاناتها اليوم، في جزء كبير منها؟

 

الأحدث