تخطى الى المحتوى

دروس في الانقلابات العسكرية (2)

جدول المحتويات

 

لكن تركيا، مثل "فاسو" (هكذا يختصر اسمها) عرفت انقلابات عسكرية كثيرة. وفي الأخير ظن أهلها أنهم قد أمنوا مكرها. إلا أنه في منتصف الشهر المنصرم أتاهم الانقلاب العسكري من حيث لم يحتسبوا هذه المرة! فقد جاء انقلابا عسكريا فريدا. انقلاب "كوكتيل" فيه العسكري والأمني والمدني وشبه المدني! زعموا أنه من تدبير شيخ تربية مدني يقيم في الخارج، ولكنه أعدت له عدته من كل صوب: من العسكر والإدارة والتعليم والقضاء والرياضة… ومن كل فج عميق!

 

وهكذا فإنه عكسا للانقلابات السابقة التي كان يقوم بها قادة الجيش حصرا باسم الجمهورية العلمانية، جاء الانقلاب الجديد "طوفانا" لا يبقي ولا يذر!

 

ومن هنا لم يكن باستطاعة الرئيس ولا الحكومة ولا حتى قيادة الجيش أن تفشله ولا أن تقف في وجهه؛ فلاحت بروق نجاحه في الآفاق، حتى بشر به بعض أعداء النظام التركي في الخارج، بينما حبس الحازمون منهم أنفاسهم في انتظار اليقين المبين.

 

لكن حدث ما لم يحدث في بلاد أخرى بعيدة وفي انقلابات عسكرية كثيرة، نعرف هنا بعضها؛ فلم تشكل المعارضة "كتيبة برلمانية" لدعم الانقلاب والتمكين لقائده، ولم يتسابق الانتهازيون المتملقون لإعلان تأييدهم ومباركتهم للقائد الجديد، ولم يبد زعيم المعارضة الديمقراطية تفهمه "لحركة التصحيح" هذه، ولم يستكن الشعب ويكتفي بالاستماع إلى البيانات من داخل الحجرات…

 

ما حدث هو أن الشعب التركي جميعا، بمن فيهم كافة زعماء أطياف المعارضة والإعلاميون والفنانون… هبوا إلى الشوارع والميادين واعترضوا الدبابات، وسقط منهم البعض برصاص الانقلابيين دون أن يتراجع الآخرون أو يحجموا… فانهزم الجمع وفشل الانقلاب فشلا ذريعا، و"كسح" المناصرون له من الدول التي رقصت على أنغامه الأولى، وأسقط في يد تلك "الصديقة" التي سهرت تتلو: "يا ليتها كانت القاضية"!

 

كان الشعب التركي بنظامه وحزبه الحاكم بقوة، وبمعارضته الشرسة وحتى بعض أكراده المنشقين، على كلمة واحدة سواء: لا للانقلابات العسكرية، لا لحكم العسكر!.

 

بلغ هذا الإجماع الشعبي الوطني في تركيا على بغض الحكم العسكري وأنظمته السياسية، الوبائية على الدوام، مداه الأقصى وأدى بشكل واضح إلى تسليط مزيد من الظلام على مستقبل الانقلابات العسكرية حيث كانت. كل هذا رغم الحملة الشرسة التي شنها النظام بسرعة مذهلة وكثافة خطيرة على كافة مواطئ الاخطبوط الانقلابي، وهي حملة يصفها البعض بالتهور والبعض يصفها بالانقلاب على الانقلاب. وفعلا كان رد النظام التركي سريعا وشرسا, يأخذ بالشك وبالمجاورة، بجراءة لا تخلو من الخوف والحيف! ومع ذلك لم يجد الانقلابيون هذه المرة نصيرا ولا ظهيرا من الأتراك أنفسهم على اختلاف مشاربهم وأهوائهم!!

 

وما يحير المراقبين في "نواكشوط" ليس فشل الانقلاب في تركيا، ولكن فشل الشعب التركي في السكوت والرضا بالقضاء الانقلابي، وكيف لمعارضة ديمقراطية أن تصطف مع خصومها، من أجل إحباط انقلاب عسكري كان سينهي على الأقل حكم أولئك الخصوم! وكيف تُفضل معارضة ديمقراطية مصلحة الوطن على مصالحها الخاصة، رغم أن المفترض أن تكون عدوة للوطن، مثل معارضتنا الديمقراطية؟! ولماذا تأخر رجال ونساء "التأييد والمساندة" من الأغلبية الرئاسية التركية في مغادرة صف النظام المطاح به وإعلان تأييد الانقلابيين عندما سيطروا على عاصمتي تلك البلاد (أنقره واسطنبول)؟ فلأي الأسباب التالية كان ذلك "التخلف" عن تأييد الانقلابيين:

 

= لأنهم لم يعرفوا اسم "الزعيم الملهم" قائد التصحيح المبارك، عكسا لما ألِفنا نحن؟

 

= لأنهم لم تكن لديهم "كتيبة برلمانية" ترشدهم وتوجههم لنصرة الانقلاب، كما حدث عندنا نحن؟

 

= لأن الانقلاب فشل بسرعة قبل أن يتيقنوا نجاحه تماما، والعياذ بالله؟

 

= لأنه لا توجد أصلا في تركيا "أغلبية رئاسية" ولا طحالب سياسية وإعلامية تتغذى على روثها، فصرنا نحن أحسن من تركيا أيضا؟

 

= لأن العلاقات ومستوى التبادل بين تركيا وموريتانيا لا يتجاوز تجارة الشنطة في اتجاهنا، بينما لم يطلع الأتراك على ما لدينا من خبرة في تأييد وتمجيد الانقلابات العسكرية وتحويل مساوئها حسنات خالصة؟ وفي الحقيقة إن فائض إنتاجنا المتراكم من صناعات تأييد الانقلابات العسكرية الجميلة ومسيرات الدعم والمساندة للحكام المنقلبين، يعاني كغيره سوء الإدارة والتسيير، وفشل التصدير عكسا للكهرباء مثلا (وقد قطعت الآن!)؟؟؟؟؟!

 

الأحدث