تخطى الى المحتوى

دروس في الانقلابات العسكرية (1)

جدول المحتويات

على يد أحد انقلابييها الثوريين جدا هو توماس سانكارا (1949-1987م). لكن نزاهة ذلك الثوري لم تراع المقاييس الفرنسية السائدة في المنطقة. فقام رفيق سانكارا وصفيه في الجيش والحكم: بليز كومباروي، بالانقلاب عليه وتصفيته بوحشية غسلها يومئذ بدموع مزيفة.

 

المهم أن السيد كومباوري استقام له الأمر بالقوة أولا، ثم نظم مواسم انتخابية، كالتي نعرفها، تولى الفوز فيها تباعا. ثم أجبرته الظروف الدولية، كما أجبرتنا، على تحديد فترة الرئاسة بدورتين فقط في دستور جديد فصل الباقي منه على مقياسه بكل حرية!.

 

وبما أن الزمن لم يتوقف، فقد استكمل الرئيس فترتيه الدستوريتين "بسرعة"، فنصحه "المخلصون" بتعديل الدستور والتقدم لفترة ثالثة (خامسة في الحقيقة).

 

هذه المرة فوجئ كومباوري و"المخلصون"، بشعبهم الفقير ينزل إلى الشوارع ويهتف في الميادين قائلا بحزم: لا، كفى!!

 

وبينما كان بليز يسعى للنجاة بجلده ويغادر البلد خائفا من أن يصله غضب الشعب على حصاده البائس طوال 27 سنة، انتهز ضباط الجيش البوركينابي الفرصة للاستيلاء على السلطة بشعارات ووعود جديدة، كالتي ألِفناها!

 

لكن الشعب الفقير كان قد استلَّ وعيَه وحزم بطونه وهبَّ لمواجهة كافة العسكريين المتسلطين، بصدوره العارية. واعتصم في الميادين تحت كلمة واحدة سواء: "لا لحكم العسكر". واقتحم بعض الغاضبين مبنى الجمعية الوطنية حيث كان يجتمع عَبَدة الديكتاتور الذين يمالئونه ويُمْلون له تحت مسمى "البرلمان" وباسم نواب الشعب، تماما كما كبقراتنا!

 

وكانت "ماما فرنسا" لا تزال فاغرة فاها من الدهشة، قبل أن تقرر التريث قائلة في نفسها: طيب، لنجرب هذه الطريقة أيضا!!

 

ما يحير المراقبين في "نواكشوط" هو ما ذا فعل المبطلون: زعماء حزب "بليز" وأغلبيته الرئاسية؛ بنوابها ورؤساء أحزابها، وأئمتها (75% من سكان فاسو مسلمون) وأساقفتها، وشعرائها، وزيداناتها، وصحافتها "الحرة"… وقد رأوا سيد القصر يفر بعائلته وما خف حمله وغلا ثمنه، لا يلوي على شيء؟! بل ما ذا سيفعل الأقارب والشركاء ممن كانوا يأكلون أرزاق الناس تحت يافطات "المنجزات العملاقة" لبليز كومباوري؟!

 

ثار شعب جمهورية "بلاد المستقيمين" بشكل سلمي، رغم فقره وتخلف بلده، وأنهوا حقبة طويلة وثقيلة من حكم العسكر البغيض. ووضعوا عربة دولتهم من جديد على الطريق الصحيح. لكنهم ما زالوا بعيدين من الوصول. بل لا يضمن أحد ألا تُسرق العربة من جديد، وتُقطع الطريق بطريقة تعجزهم، تماما كما شاهدنا ذلك يحدث ببساطة شديدة في هذه الدنيا…!

 

فما يزال هناك ضباط نهمين للسلطة وطابور من السوس السياسي الجائع لديكتاتورية جديدة تكشف له عن ساق الشجرة… وما تزال فرنسا هناك… و"هنا"!!

 

 

الأحدث