جدول المحتويات
وبغض النظر عن جدلية تصنيف هذا الحدث ضمن النجاحات الدبلوماسية للنظام، أو أن الصدفة لعبت دورها بفعل الترتيب الأبجدى الذي تأتى فيه موريتانيا بعد المملكة المغربية، فإني سأركز على الجوهر، بدءا بقبول التحدي مرورا بظروف التحضير والتنظيم وانتهاء بما كشفته عن القمة من نجاحات.
إن مجرد قبول التحدي وشرف محاولة الزج بهذه العاصمة النائية جغرافيا عن مركز القرار العربي وفرضها ضمن إرشيف الجامعة العربية عبر "إعلان نواكشوط" يعتبر نجاحا بحد ذاته، حتى وإن فشلنا في تنظيم الحدث، أما وقد نجحنا فى تنظيم الحدث فى وقت زمني محدود لا يتجاوز ثلاثة شهور، فذلك لا يمكن إلا أن يصنف نجاحا على المستوى التنظيمى حتى وإن تخللته بعض الأخطاء.
لقد تابعت بكثير من الاهتمام مراحل تنظيم وتحضير قمة نواكشوطـ وكانت فوق المتوقع وانتزعت إشادة ضيوفها بالإجماع من سياسيين وإعلاميين وشخصيات فكرية.
ومع أن قمة نواكشوط كانت ناجحة على جميع المستويات تقريبا, فإنها كشفت عن نجاح آخر أكثر أهمية من احتضان القمة، ذلك أنها كشفت قدرة الحكومة على إنجاز مشاريع كبيرة في أوقات وجيزة غير التى عهدناها في مراسيم مجلس الوزراء، وأظهرت أن لنا جهات إدارية وأمنية يمكنها أن تلعب الدور المنوط بها عندما تقرر ذلك، ومجموعة حضرية لها نظرة حضارية وتنظيم حضري غير الذي عهدناه منها، والأهم من هذا كله أن لنا نخبا يمكنها أن تتحد مع اختلاف مشاربها السياسية وتقدم مصلحة الوطن على كل شيء، وما حملة تنظيف نواكشوط أمام ضيوفها إلا أحد الأمثلة الحية على ذلك.
إن قمة نواكشوط لم تكن نجاحا دبلوماسيا ولا خارجيا فحسب، بل كانت اختبارا حقيقيا لنا كموريتانيين من موظفيين حكوميين ونخبا سياسية وإعلاميين وحتى معارضين، وكشفت بما لا يدع مجالا للشك أن بإمكان كل طرف من هذه الأطراف أن يلعب الدور المناط به فى بناء الوطن دون كبير عناء إذا ما قرر هو ذلك.
لا عذر بعد اليوم للحكومة فى مواصلة سياسة التجاهل تجاه معاناة المواطنين وتوقيف مشاريع التنمية أو تنفيذها فى آجال بعيدة، ولا عذر بعد اليوم للجهات لإدارية والمنتخبين فى التقاعس عن لعب دورهم كاملا بعد أن أثبتوا أنهم قادرين على فعل ذلك، ولا عذر بعد تجربة قمة نواكشوط للنخب السياسية والمثقفين فى العودة إلى الصراعات السياسية وخلق شقاق ينشغلون فيه عن دورهم فى بناء الوطن.
ينبغى تعميم التجربة وأن يعم ما تم انجازه فى مقاطعة "تفرغ زينه" ليشمل بقية مقاطعة العاصمة ومنها إلى عواصم الولايات الداخلية حتى تطال التجربة كافة مقاطعات وبلديات الوطن، لماذا لا تكون هذه بداية عهد جديد من العمل المتواصل مع ضغط أقل وفى وقت أكثر محدودية من تجربة القمة، ينبغي أن لا ترفع حالة الاستنفار هذه إلا خلال استراحة محارب تتم فيها برمجة الوجهة المقبلة للعمل حتى تشمل التجربة كل ربوع الوطن.
وفى الختام لن أقول ما قاله آخرون أن الحكومة أظهرت أنها قادرة على انجاز المشاريع التنموية لكنها ستنجزها فقط عند الحاجة (عندما تستقبل ضيوفها) وبذلك تعكس احتقارها للمواطن، لكنني سأقول إنه إذا اقتضت الضرورة أن نعمل فقط فى الظروف الخاصة وبغرض استقبال الضيوف، فلنتقدم من الآن بطلب استضافة قمم ومؤتمرات أخرى حتى يتواصل العطاء.
أجمل تحية.