جدول المحتويات
ترتكز الرؤية المقدمة للاقتصاد الإسلامي على مقاصد الشريعة في المعاملات وجعلها الإطار العام الذي يرتكز عليه هذا النظام الاقتصادي وفي هذا الإطار يقول الشيخ عبد الله بن بيه حفظه الله: (إن مقاصد الشريعة في المعاملات المالية هي جزء من منظومة مقاصد الرسالة الخاتمة التي جاءت لصالح الخلق ودلت بمجملات الأدلة وتفاريقها على أنها أنزلت لمصلحة العباد في الدارين وتحصيل السعادتين).
وقد أثمرت النقاشات التي عرفها مؤتمر مكة وما تبعه من مؤتمرات وورشات أخرى لاحقا حيث أفضت إلى ظهور بنوك إسلامية عصرية تواكب التطور والنمو الإقتصادي في العالم، إلا أن سنة 1981 كانت بمثابة القفزة النوعية للإقتصاد الإسلامي حيث ظهرت بنوك إسلامية في كل من السعودية، البحرين، الأردن، السودان، إيران وباكستان.
وعلى الرغم من الانتقادات والمآخذ على هذه التجربة إلا أنها كانت تجربة رائدة استمد قوتها وفاعليتها من خلال نظام اقتصادي محكم يقوم على أساس محاربة الربا والغرر والقمار وغيرها من التعاملات المالية التي تقوم على عدم المساواة والمنفعة المشتركة بين المتعاملين.. هذا إضافة إلى خلف فرص متساوية للجميع كل حسب استطاعته وقدرته.
لقد سبب الاقتصاد الربوي نتائج كارثية على اقتصادات الدول وأسهب في تفاقم الأزمات المالية والصدمات المتوالية للإقتصاد العالمي، كان آخر هذه الأزمات الأزمة المالية 2008 التي أربكت اقتصادات الكثير من الدول وأدت إلى إنهيار تام لبنوك عالمية فيما لجأت دول أخرى إلى سياسات وقائية وتعديلات في إسترايجيات المالية المتبعة، وما رفع شعارت "نريد تطبيق الطريقة الإسلامية في المعاملات المالية" الذي رفعه متظاهرو وول ستريت ذات مساء 18 أكتوبر 2011 إلا غيض من فيض.
موريتانيا والبنوك الإسلامية:
عرفت موريتانيا كغيرها من دول العالم الإسلامي أول تجربة للبنوك الإسلامية سنة 1985 من خلال بنك البركة الإسلامي وهو بنك يتبني التعاملات الإسلامية ورأس ماله مشترك بين مجموعة البركة الاستثمارية بنسبة 50% وخصوصيون بنسبة 40% والبنك المركزي بنسبة 10% وعلى الرغم من أهمية هذه التجربة إلا أنها لم تكن على المستوى المطلوب سواء من حيث أداء البنك نفسه في التعريف بالمعاملات المقدمة للزبائن ومدى أهميتها والخصوصيات التي تميزها عن تعاملات البنوك الربوية. تطورت البنية البنكية بشكل مطرد خلال الأعوام الماضية وشكل البنوك الإسلامية خيارا جديد أتاح فرصة للمستثمرين الذين يريدون الإستثمار بطريقة موافقة للشريعة الإسلامية، حفز هذا التطور وزاد من وتيرته النجاحات الباهرة التى حققتها المالية الإسلامية في الدول الشقيقة كالبحرين، والإمارات، وقطر، وماليزيا، وباكستان، وغيرها وكذلك على مستوى دول غير إسلامية وجدت في المالية الإسلامية فرصة لإستجلاب الإستثمارات وتحقيق الأرباح.
تجربة أول بنك إسلامي في موريتانيا:
كانت تجربة بنك البركة تجربة مهمة رغم ما أحاط بها من صعوبات وتحديات خاصة فيما يتعلق بالمنظومة البنكية وضعفها ومدى فاعليتها في ما يتعلق بجلب الزبائن وتقديم القروض وتحقيق منافع تسهم في جلب المواطن للاستفادة من الخدمة البنكية.
نسجل مجموعة النقاط التي طبعت تجربة أول بنك إسلامي في موريتانيا بناء على الخدمات التى كان يقدمها و مدى تفاعل الزبناء مع هذه الخدمات وهي نقاط ساهمت بشكل مباشر في عدم تطور تجربة المالية الإسلامية في تلك الفترة:
– عدم وجود بعد إستراتيجي لتطوير تعاملات هذا البنك وملائمته من التغيرات والمستجدات في مجال التعاملات البنكية، فالمنظومة البنكية تحتاج دائما إلى سرعة في الأداء وتغيير في أساليب وتكتيكات التسويق بحيث تجعل من أهدافها الاستراتيجية زيادة الكفاءة وتطوير التعاملات.
– محدودية الخيارات المتاحة الزبون حيث ارتكزت تعاملات هذا المصرف على تعاملات إسلامية محدودة مثل المرابحة والتورق.
– كذلك من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في عدم تطوير البنوك الإسلامية عدم تعاطي السلطات المختصة مع هذه التجربة خاصة البنك المركزي المسؤول الأول عن سن القوانين والنظم المعمول بها بين البنوك التجارية والبنك المركزي.
المستقبل والتحديات:
اليوم وفي خضم الأزمات الإقتصادية المتوالية تبرز البنوك الإسلامية كخيار إستراتيجي يستمد قوته من خلال تجارب ناجحة ومتميزة رغم العوائق التي تحيط بها وحداثة التجربة، حتى بعض البنوك الغربية لجأت إلى فتح نوافذ للتعاملات الإسلامية.
تشهد موريتانيا في الفترة الأخيرة إقبالا متزايدا على التعاملات الإسلامية حيث لجأت بعض البنوك التجارية إلى فتح فروع إسلامية، فيما قررت أخرى التحول كليا إلى النظام المصرفي الإسلامي، على الرغم من أهمية هذه الخطوات في تطوير وتنمية المالية الإسلامية في بلانا إلا أن هناك نقاط أساسية شكلت الجزء الأكبر والأهم من تجارب ناجحة في بلدان – سبق ذكرها – يجب علينا في مسيرة التحدي لتطوير وتنمية المالية الإسلامية في بلادنا أخذها في الإعتبار أثناء هذا التحول الذي تشهده منظومتنا البنكية وذلك من أجل تقوية وتعزيز هذا التحول من ضمن هذه الأساسيات نذكر :
– العمل على تطوير المنظومة البنكية بصفة عامة وجعلها في متناول الجميع، وذلك من خلال إدخال تحسينيات إليها وتطوير أساليبها.
– تغيير عقلية المواطن فيما يتعلق بالتعاملات البنكية وذلك من خلال حملات توعية وتعبئة شاملة سواء من خلال الإعلام أو غيره من الوسائل المتوفرة، حيث ذكرت المجموعة المهنية للبنوك الموريتانية في تقرير لها أن نسبة مستخدمي النظام البنكي في موريتانيا لا تتجاوز 13% وهي نسبة ضئيلة جدا بالمقارنة مع الدول المجاورة.
– خلق أكبر عدد ممكن من الأدوات المالية الإسلامية لتلبية الاحتياجات المختلفة للمستثمرين والمقترضين على حد سواء، فمثلا خلال سنة 1983 إلى 1992 كان تركيز في ماليزيا على خلق أكبر عدد ممكن من أدوات التعامل الإسلامي وخلال نهاية هذه الفترة نجحت ماليزيا في توفير أكثر من 20 منتج إسلامي تغطي مختف مجالات الاقتصادية في البلاد.
– وجود مؤسسات مالية بعدد كاف للمساهمة في تطوير النظام المصرفي الإسلامي.
– إنشاء مراكز للبحث وتطوير النظام المصرفي الاسلامي، مكون باحثين من مختلف التخصصات العلمية والشرعية. هنا نذكر على سبيل المثال مركز المشورة للدراسات وهو تجربة رائدة في مجال البحث العلمي والتطوير المهني في مجال المالية الإسلامية، تستحق الدعم والتشجيع.
– العمل على تبني سياسة Islamic Microfinance وهي تجربة مميزة ساهمت كثيرا في مساعدة الطبقات الأكثر فقرا في بنغلاديش وبعض الدول الأخرى، وهي تعكس الجانب الإنساني والاجتماعي للبنوك الإسلامية كونها تختلف عن البنوك الربوية التي تهتم بالربح فقط.
الإشكالية بين الجانب النظري والجانب التطبيقي:
من الإشكاليات المطروحة بشدة وتشكل تحد كبير للمالية الإسلامية، هو الفجوة بين الجانب النظري والجانب التطبيقي، هذه الإشكالية تبرز بشكل أكبر وأوضح أثناء التعاملات في السوق المالية، حسب البروفوسير السيد طاهر الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا فإن هناك مجهودا أكبر يجب أن يعطي للجانب النظري حيث يشكل هذا الجانب العمود الفقري والأساس للبنوك الإسلامية وكلما كان هذا الأساس قويا ومتينا، كلما انعكس ذلك على الجانب التطبيقي. إن هذه الإشكالية تحتاج للكثير من الدراسة والتمحيص والبحث من طرف المتخصصين في المجال.
أخيرا…
لقد ساهمت البنوك الإسلامية في تطوير أداء اقتصادات الكثير من الدول وشكلت ملاذا آمنا للكثيرين وبديلا مشجعا عن الاقتصاد الربوي، فبنظرة سريعة على الإحصاءات المقدمة عن البنوك الاسلامية ندرك حجم أهمية هذا النظام المصرفي وسرعة تطوره وانتشاره فمثلا من 27 دولة فقط كانت توجد بها بنوك اسلامية 1977 تضاعف العدد ليصل إلى 76 دولة 2011، في ما يتعلق في أدوات المالية الإسلامية ارتفع العدد 3 خيارات مالية سنة 1963 إلى أكثر من 100 خيار في الوقت الحالي، حيث ساهمت كثرة هذه الخيارات في تطور أداء البنوك الإسلامية وجعلت الزبون والمستثمر أمام خيارات كثيرة تساعده على اختيار ما يراه مناسبا لظروفه وتطلعاته.
في تقرير لصندوق النقد الدولي لسنة 2013 أرجع خبراء الصندوق السبب في ضعف مستوى الإقبال على المعاملات البنكية بين السكان إلى عوامل منها ضعف البنية البنكية وعدم انتشارها بالشكل الكافي في المدن والولايات، لكن الأهم حسب التقرير هو أن هناك عقيدة لدى غالبية الناس بحرمة التعامل مع البنوك الربوية.
تشكل هذه النقطة أهمية كبيرة للقائمين على البنوك الإسلامية وتعطي مؤشرا جيدا حول مستقبل هذه البنوك في موريتانيا، لكن التحدي الأكبر هو هل نحن قادرون على تقديم خيار البنوك الإسلامية على الوجه الذي سيرضي المستثمر والزبون ويطور هذا الخيار ليكون هو الأمثل والأفضل، ذلك هو التحدي الأهم.