جدول المحتويات
، وهذا التفسير يُجنبهم المسؤولية ويعفيهم من إيجاد الحل، لأن التغيرات المناخية يتم العامل معها بمقاربة عالمية، ولا يمكن لبلد بمفرده حلها، وتأكيدا لذلك فلم تنشر نتائج أي من الدراسات الاستقصائية التي قام بها باحثون دوليون تم استجلابهم في السنوات الماضية على نفقة الدولة الموريتانية، علما أن المشكلة واضحة وجلية ويكفي مشاهدة نبات Thypha في مستنقعات نواكشوط للتأكد من أن الماء لا يعود للبحر.
نواكشوط عاصمة تطفو
بدأت في السنوات الأخيرة مظاهر أقلقت ساكنة نواكشوط تمثلت في انتشار المستنقعات، وغرق أجزاء كاملة من بعض الأحياء، كما أجبرت البعض على مغادرة منازلهم، وتفاقمت المشكلة لتنخفض أسعار العقارات في مناطق عديدة، وأصبحت مشاكل تفريغ حفر الصرف الصحي تثقل كاهل السكان ووصل الأمر لحد انتشار حشائش التيفا في سوكوجيم أمر لا يصدق..!.
ما ذا أصاب عاصمتنا، فالأمطار ليست أمرا جديدا، يتحدث البعض عن علاقة ذلك بالتغيرات المناخية وارتفاع منسوب البحر لكن ساكنة نواكشوط قلقون بل يحبسون أنفاسهم في انتظار قادم الأيام.
جذور المشكلة
شيدت نواكشوط عام 1957 على شريط من الكثبان الرملية يبعد عن شاطئ المحيط 5 كم، ويعلو امتداد منخفض آفطوط الساحلي، وهي مجموعة سباخ وبالرغم من ذلك فقد كانت نواكشوط تملك نظام صرف صحي مزود بمحطة معالجة تسمح باستخدام مياه الصرف لري مزارع خضار في غرب العاصمة.
إلا أن سنوات الجفاف في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وما صاحبها من تقلبات اجتماعية سببت ضغطا على المدينة لتتحول من عاصمة يسكنها أقل من 6000 نسمة قبل عام 1962 إلي مدينة مترامية الأطراف يسكنها ما يناهز المليون جزء كبير منهم استقر في امتداد منخفض آفطوط الساحلي.
إن هذا العدد الكبير من السكان، والذي استقر في مناطق لا تصلح للسكن ولا تحوي شبكة صرف تخلص المدينة من المياه العادمة والفائضة أوقع المدينة للأسف في مشكلة قديمة قدم الإنسان مشكلة كانت سببا في انهيار حضارات نعرف أنها سادت ثم بادت.
نقرأ من التاريخ حديثه وقديمه أن ديمومة أي منظومة مرهون أساس بأمرين أولهما إمكانية التزود المستمر بالمدخلات، وثانيهما إمكانية التخلص المستمر من العوادم وهو ما فشلت نواكشوط في تحقيقه وستدفع ثمنه غاليا.
فانهيار حضارة بلاد الرافدين جاء أساسا بسبب التملح الثانوي الناتج عن الري بمياه مالحة مما اخرج الأراضي من الاستثمار الزراعي، والمشكلة هنا عدم القدرة على التخلص من الملح الزائد.
بحيرة اديني تحت أقدامنا
احتاج هذا العدد الكبير من السكان للماء عصب الحياة، فاستجلبت الدولة مياه بحيرة جوفية حفظت لآلاف السنين تحت مرشحات الرمل الطبيعية، مياه رقراقة عذبة، تم جلب ما يزيد علي 400 مليون متر مكعب خلال عمر استغلالها، نجحت المنظومة في التزود بالمدخلات لكنها فشلت في التخلص من العوادم، هذا الكم الهائل من الماء تغلغل إلى بنية تربة مالحة أصلا وذات مستوى ماء أرضي قريب جدا فارتفع منسوب الماء الأرضي خصوصا في المناطق المنخفضة وهو ما سبب تآكل جدران المباني بسبب صعود الماء المالح، وتشكل المستنقعات الدائمة خصوصا عند تهاطل الأمطار فالتربة تشبعت بالكامل، ونواكشوط تطفو فوق مستنقع من الماء المالح وكلما ارتفع منسوب الماء كلما ظهر ضحايا جدد وبإجراء مسح طبوغرفي بسيط يمكن لكل حي أن يتوقع بدقة موعد مغادرة الحي.
آفطوط الساحلي يفاقم المشكلة
ظل حلم تزويد نواكشوط بمياه الشرب من نهر السنغال يراود صناع القرار لما يزيد على ثلاثة عقود، وأخيرا نفذ المشروع وسمي آفطوط الساحلي لسخرية القدر، فلمن لا يعلم فآفطوط الساحلي منخفض سباخ يمتد من نهر السنغال جنوبا إلى نواكشوط شمالا لا يفصله عن المحيط سوى شريط من الكثبان الرملية وقد كان قبل بناء سدي جياما ومنتالي يفيض بمياه النهر حتى إنه وصل لكصر عام 1950 وقبل ذلك عامي 1932 و1890، وتربته ذات ماء أرضي قريب وبنية هشة قوامها الملح لا تصلح للإنشاء العمراني العادي إلا أن أغلب أحياء نواكشوط بنيت عليه رغم ذلك.
يزود مشروع آفطوط الساحلي نواكشوط الآن بما يناهز 170000 مترا مكعبا يوميا (ما يعادل هطولا مطريا سنويا قدره 517 مم) أي أربعة أضعاف ما كانت إديني تضخه والذي يقدر بـ42000 متر مكعب يوميا وهذا ما سيفاقم مشكلة نواكشوط فإن كانت المدينة طفت بفعل مياه إديني فإنها وببساطة ستغرق مع آفطوط الساحلي.
مخاطر أخرى
قدر نواكشوط أن تكون محفوفة بالمخاطر، فتكفيها مشكلة ارتفاع منسوب الماء الأرضي، ومع ذلك فهي معرضة لمخاطر أخرى فنواكشوط من أكثر المدن الشاطئية عرضة للتقلبات المناخية فارتفاعها عن مستوى سطح البحر شبه معدوم، كما أن الحاجز الرملي الطبيعي تآكل مما قد يحمل مخاطر على المديين المتوسط والطويل، إذا لم تحل مشكلة ارتفاع درجات حرارة الأرض، كما أن الانجراف الناتج عن بناء ميناء الصداقة تحد إضافي.
أخطاء جسيمة
يصعب على المرء أن يتصور أن من يجلب ملايين الأمتار المكعبة لتربة ضعيفة النفاذية، لم يفكر يوما في كيفية التعامل مع تلك المياه، خصوصا أن ذلك امتد لفترة أربعين سنه وبدل حل مشكلة الصرف الصحي تم نقل مياه النهر لزيادة وتيرة تفاقمها ويعود ذلك في الأساس إلى ضعف التخطيط المركزي والتعامل مع المشاكل بمقاربة قطاعية مجتزأة.
سيناريوهات الحل
[*] السيناريو الأول بناء عاصمة جديدة على أسس عمرانية سليمة وإيجاد حلول لبعض أحياء نواكشوط، كإقامة مصارف عمودية وهي آبار يخفض فيها الماء الأرضي نتيجة الجريان تحت السطحي ليضخ خارج المدينة؛
[*] السيناريو الثاني إنشاء شبكة صرف صحي وهو استثمار محفوف بالمخاطر لتكلفته العالية والإرباك الذي سيسببه بالإضافة إلى صعوبة صيانته نظرا للامتداد الأفقي للمدينة.
وفي انتظار تجرع أحد السيناريوهين المرين تبقي نواكشوط تطفو.