تخطى الى المحتوى

كريسبر: التحكم في الجينوم البشري بفوائده ومضاره

جدول المحتويات

 

 تبين بعد البحث أن بعض تلك المقاطع أجزاء من الحمض النووي للفيروسات ولكن الباحثين لم يفسروا سر وجودها ملتحمة في حمض كائن آخر مغاير لها. غير أنهم وثّقوا هذه الظاهرة وسجلوها بوصفها "تجمعات جينية قصيرة متكررة بانتظام" واختصارها بالإنجليزية كريسبر (CRISPR)  Clustered regularly-interspaced short palindromic repeat. لاحظ هذه الظاهرة أول مرة باحث ياباني في عام 1987 إلا أنها لم تشتهر إلا في سنوات 2002 إلى 2005.

 

درس في الدفاع من البكتيريا:

 

تنفث الفيروسات من حمضها النووي في البكتيريا عندما تهاجمها فتنتقي البكتيريا مقطعا قصيرا من هذا الحمض مميزا للفيروس فتحتضنه بدمجه في حمضها النووي ثم تستنسخه بشكل حمض الـRNA الذي يقوم بنسج بروتين يسمى Cas9يتحد مع الـRNA فتتكون منهما "دورية شرطة" مزودة بنظام ملاحة وسلاح فتتجول في سطح البكتيريا بحثا عن العدو (الفيروس). فالـRNA هو نظام الملاحة لأنه يتعرف على الفيروس الذي يحمل قطعة من حمضه النووي أما السلاح فهو البروتين Cas9لأنه قادر على قص الحمض النووي للفيروس في المقطع المطابق لقطعة الـRNA. وعندئذ تقتحم قطعة الـRNA وتبدأ في تفكيك الحمض النووي للفيروس والقضاء عليه. إذن، هذه المراحل الثلاث (الاحتضان والنسخ والنسج ثم الهجوم) هي آلية عمل نظام كريسبر. ولم تكتشف هذه الآلية إلا عام 2012. وجدير بالذكر أن البكتيريا تكتسب مناعة ضد هذا الفيروس وتورثها للخلايا المنبثقة عنها. فكأنها بذلك تمسك سجلا لتلقيحاتها!

 

التطبيقات المفيدة:

 

ورغم حداثة اكتشاف تقنية كريسبر فقد أجرى الباحثون كثيرا من التجارب على الحيوانات المشابهة فيسيويوجيا للإنسان كالفئران والقردة للتعرف أكثر على أفضل السبل لاستغلال هذه التقنية في الجينوم البشري. فمن التجارب الناجحة التحكم في لون الجلد أو تعطيل مرض وراثي أو زيادة خاصية أو صفة مرغوبة وغير ذلك. فالآلية بسيطة. تبدأ بالتعرف على مقطع من الحمض النووي مميز للصفة المراد التعامل معها. فإن كانت صفة غير مرغوبة حذفتأواستبدلت بصفة مرغوبة.كما يمكن ربط طرفي الحمض النووي بعد حذف المقطع المراد التخلص منه.

ولأن أكثر الأمراض الوراثية والسرطانات طفرات أو تغيرات في السلسة الجينية فإنه بالإمكان اليوم حذف المقطع المشوه واستبداله بمقطع سليم من الحمض النووي يتم تصنيعه كيميائيا فيأتي مطابقا للمقطع المشوه بالطفرة، تماما كما تستبدل قطع غيار السيارات.

وقد قام بعض الباحثين في الصين بإجراء تجارب كريسبر على الأجنة وقد نشروا نتائج واعدة ومطابقة للنتائج الناجحة في حيوانات التجارب.

إذن، من الوارد أن يبدأ الناس في المستقبل المنظور "تفصيل البشر"! في مرحلة التخلق أو حتى لدى البالغين. فهذا يريد ولدا بصفات محددة من القامة والذكاء واللون و… وذاك يريد تعزيز قدرة ما كقوة العضلات أو صلابة العظام وهذه تريد عيونا سودا وأخرى تريد ….

لقد بينت التجارب حتى الساعة إمكانية تعديل الجينوم بتحفيز الصفات المطلوبة وتثبيط أو حذف الصفات غير المرغوبة وقد سجلت في ذلك براءات اختراع واقتنعت بها الشركات التجارية فأنشئت شركات متخصصة لتسويق هذه التقنية في مجالات مختلفة وتطويرها. ولعل العقبة الكأداء التي مازالت تمنع هذه المنتجات من دخول الأسواق هي آلية نقل كريسبر إلى الأعضاء أو الخلايا المستهدفة. ما هي الصيغة "الدوائية" المناسبة؟ هل هي أقراص أو حقن؟ فمثلا إذا كان الهدف خلايا الدم أمكن حقن كريسبر بالوريد مباشرة لكن كيف نوصله غضا طريا إلى الكبد أو العظام مثلا؟ مازالت المسألة موضوع أبحاث وتجارب ولكن لا شك أن حلولا ملائمة ستظهر قريبا لتسهيل توزيع هذه التقنية وتسويقها في زمن يقود فيه الدرهم القلم.

وتطرح هذه التقنية إشكالات أخلاقية كبرى يتداخل فيها الديني بالثقافي والسياسي والعسكري. فما حدود المقبول من هذه الإمكانات الهائلة والتي ستغزو بيوتنا قريبا؟ كيف نتصرف إزاءها؟

إذن، من الناحية العملية، كل المطلوب لتنفيذ تقنية كريسبر جهاز لسلسلة الحمض النووي ثم تحليله للتعرف على المقاطع المميزة للطفرات أو الصفات المطلوبة حذفا أو تعزيزا، ثم جهاز لتصنيع المقاطع البديلة (قطع الغيار) بالصفات المراد إدراجها أو تعزيزها في الجينوم.

 

الخطر الأمني:

 

تقنية كريسبر درس في الدفاع تعلمه الإنسان من البكتيريا ولكن الإنسان يمكن أن يستخدمه في الهجوم وهذا ما نود التنبيه عليه في هذا المقام. فمع انطلاق مشاريع الجينوم في بعض الدول العربية نود الحث والتأكيد على ضرورة الحفاظ على كل أعمال الجينوم ونتائجه في أيد أمينة. فالبشر باختلاف ألسنتهم وألوانهم مشتركون في 99.1% من الجينوم البشري. وجميع اختلافاتهم رغم كثرها ووضوحها الجلي محصورة في الـ0.9% الباقية فمنها يختلف الأخ عن توأمه ومنها يختلف الصيني عن الحبشي. إذن، تصوروا لو أن عشرات الآلاف من مجموعة بشرية متجانسة تربطها أواصر النسب والمصاهرة والجوار (قبيلة أو أمة) تمت سلسة أحماضها النووية وبعد الدراسة والتحليل تم التعرف على مقطع بسيط قصير من الحمض النووي يميز هذه المجموعة عن سواها من الناس…. ثم تم تعديله بنظام كريسبر واستبداله بمقطع سام أو قاتل!!! إنها فكرة القنبلة الذكية التي تستهدف فئة معينة اعتمادا على معيار لا يخطئها ولا يصيب سواها..

صحيح أن الجينوم العربي ضرورة ملحة لخدمة صحة العرب بشكل فعال ودقيق ولكن لا بد أن يكون بأيد أمينة. فالعدو لا يستطيع سلسلة أحماض المجتمع لعدة أسباب أقلها التكلفة الباهظة جدا للمشروع. فإذ لم ولن يستطيع العدو ذلك فلا أقل من حفظ هذه المعلومات بعيدا عنه لجسامة خطرها وسهولة استغلالها في ما لا تحمد عقباه.

وخلاصة، فتقنية كريسبر سلاح ذو حدين. فإذا أحسن استغلاله أمكن الناس أن يعيشوا في عالم ينعم بالرخاء، عالم يخلو من السرطان والملاريا والأوبئة الفتاكة بينما تنبت فيه السنبلة سبعمائة حبة إلى أضعاف كثيرة ويدر فيه الضرع ويفيض فيه الخير.. أما إذا أسيء استخدام هذه التقنية فلا تسل عن الخراب والويلات التي يمكن أن تجر إلى الإنسان والبيئة وهو لعمري خراب لم ير الناس مثله!

 

الأحدث