جدول المحتويات
لقد فهم الأسيويين أكثر من العرب أهمية التكتلات الاقتصادية، وأهمية تطوير وتحديث طرق المواصلات بين هذه الدولة، فمن الشركة الموحدة "Air Asia" إلى القطارات والطرق السريعة التي سهلت حركة الناس والبضائع وأنعشت الاقتصاد وطورت الإنتاجية وساعدت على تبادل الخبرات في مجالات العلوم والتقنية.
ما الذي جعل الآسيويين رغم اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم وسياساتهم يحققون كل هذا التطور والتقدم، ما الذي جعل ماليزيا التي كانت بالأمس تنظر إلى سنغافورة على أنها ولاية منها تتعاون بكل أريحية وبكل شفافية معها الآن وتصل نسبة الاستثمارات بينهما إلى مليارات الدولارات؟
ربما يكون الآسيويين أذكى وأنضج وأكثر قراءة للواقع وأكثر فهما له، دروس كثيرة تقدمها تلك الدول لنا كعرب، ولنا كأفارقة.. فهل نفهم تلك الدروس على بساطتها. فلننظر إلى إحدى هذه التجارب…
تستهويني دراسة المجتمعات الآسيوية خاصة ما يتعلق بتجاربهم المميزة في الخروج من واقع الضعف والخمول إلي آفاق القوة والانتاج، تجاربهم تستحق القراءة خاصة بالنسبة لنا كدول لا زالت تبحث عن ذاتها وسط حطام التخلف.
في إحدى احتفالاتها السنوية التي تقيم بمناسبة تأسيسها، حضرت محاضرة للمفكر الكبير ورئيس الجامعة الاسلامية سابقا ومؤسسها السعودي عبد الحميد أبو سليمان أحد رواد فكرة أسلمة المعرفة وله مؤلفات في هذا الموضوع منها كتابه إسلامية المعرفة: الخطة والإنجازات" وهو صاحب فكرة دمج كلية معارف الوحي بكلية العلوم الإنسانية وجعلها كلية واحدة.
في ختام محاضرته أثار الرجل تساؤلا مهما يدعوا إلى التأمل والتفكير حيث ذكر أن الدخل القومي لليابان يعادل إحدى عشر مرة الدخل القومي لكل دول العالم الإسلامي مجتمعة. كان التساؤل مثيرا ومحيرا كيف لدولة مثل اليابان لا تمتلك أي موارد طبيعية أن تكون قوة اقتصادية عالمية، يقف العالم مندهشا أمام إنجازاتها في ميدان العلم والتكنلوجيا؟
بعد أقل من سنة تلقيت دعوة لحضور كلمة لمستشار وزارة التعليم الماليزية عن آفاق التعليم في ماليزيا، تحدث الرجل عن أهمية التعليم في نهضة الأمم، ثم أرف قائلا: إن المؤسسات التعليمية هي أهم هياكل الدولة التي تقوم عليها، حيث تضم ثلث سكان الدولة، وحجم الإنفاق قد يصل إلى ربع موارد الدولة، فحري بالمؤسسة التعليمية أن تكون رائدة نهضة الأمم.
سافرت بي الذاكرة طويلا محاولا ربط كلمة المستشار بتساؤل أبو سليمان… نبهني صديقي متسائلا هل تعرف أن استثمارات سنغافورة في ماليزيا وصلت سنة 2013 إلى 30 مليار دولار.
كيف لدولة مثل سنغافورة تستورد الماء الشروب من ماليزيا أن تكون بتلك القوة الاقتصادية؟، كيف لتلك الدولة التي لا تتعدي مساحتها 710 كلم مربع أن تكون بهذه القوة الاقتصادية؟ ثم سألته ما قصة سنغافورة؟
تقول الحكاية إنه في أواخر القرن التاسع عشر وصلت مجموعة من العائلات الصينية الثرية الهاربة من جحيم الشيوعية إلي جزيرة "بولو أوجونغ" في الجنوب الماليزي والتي ستعرف لاحقا بسنغافورة. استطاعت هذه العائلات أن تقيم علاقة متميزة مع البريطانيين الذين كانو يسيطرون على المنطقة في تلك الحقبة.
نفس العائلات الصينية هي التي أنجبت الأسطورة أو ما يعرف بالأب الروحي لسنغافورة ومهندس استقلالها المحامي خريج جامعة كابريدج "لي كوان يو" الذي وصل إلى الحكم سنة 1959.
ركزت التجربة السنغافورية على تكوين العقل البشري كأساس للتنمية، حيث أنفقت الدولة مليارات الدولارات من أجل تطوير نظامها التعليمي ودعم البحث العلمي.
"يحكي رئيس الوزراء السابق ورائد نهضتها قبل 25 سنة قابلت العالم البيولجي سيدني برمير وتحدث إلي أن تبني هذا العلم قد يساعد سنغافورة على التطور والتقدم إذا كانت هناك إرادة صادقة لذلك…
لاحقا تم تدشين المعهد العلمي للبيولوجيا وتم استقدام خبراء من مختلف دول العالم، وقد أصبحت لنا صناعة متطورة في مجال العقاقير".
عملت سنغافورة على جذب المهارات والكفاءات الأجنبية من خلال تقديم امتيازات كبيرة لهم وذلك من أجل الاستفادة من خبراتهم.
من الجوانب المهمة في التصنيع ركزت سنغافورة على صناعة الإلكترونيات بكافة أشكالها، عملت على استقطاب شركات عالمية ذات صيت كبير في مجال صناعة الإلكترونيات، حيث منحتهم إعفاءات ضريبية مغرية وساعدت هذه الشركات في تطوير خبرة اليد العاملة الوطنية.
من خلال سياسة استقطاب الشركات الأجنبية استطاعت سنغافورة أن تجد لنفسها موطئ قدم في الأسواق العالمية جنبا إلى جنب مع دول عريقة في مجال الصناعات الإلكترونية مثل اليابان، كوريا.
تصل نسبة الأمية في سنغافورة إلى 9% وهي أقل نسبة مقارنة مع نظيراتها من دول الآسيوية، الإنفاق على التعليم سنة 2007 وصل 7.5 بليون دولار، وفي سنة 2012 ارتفع هذا الإنفاق ليصل إلى 10.5 بليون دولار وهو ما يعادل 20% من الإنفاق الحكومي.
النظام التعليمي في سنغافورة من أقوى أنظمة التعليم حول العالم، كل هذا من أجل بناء العنصر البشري الذي هو أساس التنمية ووقودها.
إن وفرة الموارد الطبيعية مع قلة الخبرة البشرية يجعل التمنية تمشي مشية العرنجل وربما تتوقف… العامل البشري هو أهم ركيزة في بناء النهضة ولا يتم ذلك إلا بخلق نظام تعليمي قوي وبرامج تكوين وتأهيل للعنصر البشري.