تخطى الى المحتوى

أزمة الأرشيفيين المهنيين في موريتانيا

جدول المحتويات

 

وموازاة مع هذه الخطوة الهامة تم استحداث سلك متخصص في مدونة الوظيفة العمومية (قانون1967م)، القاضي بتشكيل سلك مفتشي مكتبات، محافظي متاحف، أمناء محفوظات،و كذلك تعيين وثائقيين وأرشيفيين في جميع مفاصل الدولة (القطاع العمومي وشبه العمومي القائم آنذاك).

 

ظل هذا الدور الطلائعي للأرشيفيين متميزا ومتناميا طيلة العقود الثلاثة الأولي من تاريخ الدولة الحديثة إلي أن  أحيل أغلب المنتمين للأسلاك المذكورة آنفا إلي التقاعد وعندها تم استبدالهم بطواقم غير متخصصة نظرا لعدم إجراء مسابقات لمهنيين قادرين علي حمل المشعل من جديد حتى لا ينحرف المسار الذي رسمه الرواد الأول لهذه المهنة النبيلة.

 

وبعد تلك الحقبة الذهبية شهد هذا القطاع انتكاسة مدوية تمثلت في  شلل شبه تام بمراكز التوثيق ومصالح الأرشيف في مختلف القطاعات،حيث يتم الاكتتاب علي أسس زبونية بعيدا عن أية معايير موضوعية أو مهنية  حيث أن المكتتبين في هذا المجال يقتصر دورهم علي تلقي رواتب دون إسداء أي خدمة للدولة لينضافوا إلي طوابير العمال الوهميين الذين يثقلون كاهل الميزانية العامة للدولة.

 

فالقضية ليست قضية اكتتاب فقط بل هي انتقاء كفاءات مهنية قادرة علي حل أزمة الأرشيف والرفع من أدائه كمرفق حيوي للدولة.

 

وقد أدرك المشرع أهمية هذه الشعبة مبكرا وذالك من خلال إصدار نظام خاص يقضي بإعادة تنظيم سلك الوثائقيين (قانون2007م المتضمن إنشاء نظام خاص بالوثائقيين بالوظيفة العمومية)، وهذا ما يعني عدم وجود أي فراغ قانوني في هذا المجال.

 

وقد دق خبراء دوليين ووطنيين ناقوس الخطر في تقارير أنجزوها عن هذا القطاع منذ سنوات فقدموا توصيات هامة تتضمن تشخيصا شاملا لوضعية الأرشيف الوطني إلا أنها للأسف الشديد لم تلق آذانا صاغية لحد الساعة نظرا لعدم وضوح الرؤية لد ي أغلب صناع القرار ونظرتهم للأرشيف كمآل نهائي للأعمال.

 

 ونتيجة لهذا الفهم القاصر والمخل لدي أغلب أصحاب القرار والجهات المختصة في القطاعات المعنية لم توفق مراكز التوثيق عمومية كانت أو خصوصية في الحصول علي مهنيين ،رغم استحداث شعبة مهنية بكلية الآداب  والعلوم الإنسانية  بجامعة نواكشوط منذ 2008،خرجت حتى الآن ست(6) دفعات أي ما يناهز(200) مئتي إطار متخصص، وهو ما يعني اعتراف السلطات العمومية بالنقص الحاد في هذا التخصص ،غير أن هذا الاعتراف لم تواكبه خطوات عملية لدمج  هؤلاء الأطر المتخصصين وظل  هذا التوجه مقتصرا علي الجانب النظري وهو ما يعني عدم انسجام السياسات العامة المتعلقة بالتشغيل والتخطيط وسن قوانين سوق العمل  بشكل عام.

 

العقبات التي تواجه الأرشيف في موريتانيا:

علي المستوي المؤسسي:

توجد مديرية وحيدة تعني بالوثائق الوطنية خاضعة لوصاية الأمانة العامة لرئاسة الحكومة ولعلها من أغرب الصدف و أنواع التبعية الإدارية في العالم، إذ لاتوجود أي علاقة موضوعية تربط بين هذه المديرية و الوزارة المعنية أساسا بتنسيق العمل الحكومي ولا علاقة لها بالتراث والآثار ولا البحث العلمي.

 

 ولهذا تجب إعادة هيكلة إدارة الوثائق الوطنية وتفعيلها ورفعها إلي سلطة عليا ذات رتبة وزارية علي غرار مثيلاتها في أغلب بلدان العالم ،وذاك نظرا لخصوصيتها وما ترمز له من سيادة وطنية وصون للهوية الثقافية و الذاكرة الجماعية للأمة بشكل عام.

 

ولم يعد  هذا المرفق وجهة للباحثين والدارسين ،بسبب واقعه المزري، حيث لم تجري عليه أي إصلاحات تذكر  منذ ما يزيد علي خمسة عقود  وظل حبيس مبني متداع مهجور في ركن منعزل لوضع الخردة والسيارات المتعطلة ملحق بالمصالح الرئاسية.

 

-علي مستوي المصادر البشرية:

لا تتوفر مراكز التوثيق في البلد عمومية كانت أو خصوصية علي طواقم بشرية مختصة وذات كفاءات قادرة علي تسييرها الأمر الذي حول هذه المراكز إلي سلات مهملات أو بريد ضائع.

 

لذا سيلا حظ المواطن البسيط خلال مراجعته لأي مصلحة إدارية بغية الحصول علي قرارات أو قوانين  أو مراسيم أو  أي وثيقة تهمه ، أنه لن يحصل عليها في الغالب بسبب غياب (الوثائقي) كمصدر وحيد للمعلومات في هذا المجال،زد علي ذالك أن أغلب نفائس الكتب والكنوز المعرفية والتقارير والدراسات محجوبة عن الدارسين والباحثين بسبب عدم معا لجتها من طرف المهنيين بشكل يضمن الاستفادة منها.

 

وتجدر الإشارة إلي أن هذا التخصص لايمكن الاستغناء عنه في أي من المرافق مهما كانت طبيعتها: عمومية كانت أو خصوصية ،مدنية كانت أو عسكرية.

 

 وذلك من خلال المعالجات الفنية للوثائق: (التسجيل،الفرز،الانتقاء،الاستبعاد،التصنيف،الحفظ،التهيئة،الترجمة،الاستنساخ،التلخيص، الترفيف، الترقيم، الترميم، الجرد، التوصيف……..)

 

ولهذه الأسباب مجتمعة يحق لنا أن نتساءل:

 

ü     لماذا لا تولي الدولة العناية اللازمة لمجال الأرشفة والتوثيق في المؤسسات العمومية وشبه العمومية في عصر الرقمنة وثورة المعلومات ؟

 

ü     بما نفسر اعتماد الدولة علي عمال غير مهنيين ليس بإمكانهم تطوير الاختصاص أو تلبية الحاجات المتزايدة في هذا المجال في زمن تطبعه السرعة والبحث عن الجودة؟

 

لعل وزارة الوظيفة العمومية  حاولت الإجابة عن تلك الأسئلة المستعصية بطريقتها  الخاصة وذالك بوصفها  الجهة المسؤولة عن تنظيم المسابقات وانتقاء الكفاءات علي المستوي الوطني، حيث نظمت مسابقة خاصة  لاكتتاب معوقين وتعيينهم علي مصالح الأرشيف والتوثيق في بعض القطاعات الوزارية وهذا ما ينم عن قصور فادح في كيفية علاج أزمة الأرشيف الوطني.

 

ü     ولماذا لم يتم تخصيص هذا الاكتتاب للمهنيين حيث أن الدولة أنفقت عليهم وكونتهم على مستوى رفيع (الليسانس مهني في تقنيات الأرشفة والتوثيق) وهذا ما ينم عن عدم انسجام في سياسات الدولة، ولعل أكبر دليل علي ذلك البيان الذي  قدمه الوزير الأمين العام للحكومة في مجلس الوزراء بتاريخ: 24/04/2014 القاضي باكتتاب  عناصر لصالح مديرية الوثائق الوطنية وهو ما لم يتجسد حتى الآن حيث لاندري لماذا الغي ولا  أين ذهبت الموارد التي  تحدث عنها الوزير يومها؟

 

وفي ظل عدم تقديم أي أجوبة شافية للغليل حول مصير هذه المسابقة فإن الأسئلة المعلقة مازالت متواصلة فمتى مثلا ستفعل مصالح الأرشيف في الإدارات العمومية ومراكز التوثيق والمعلومات؟

 

ü     ماذا يعني الإصلاح الإداري لدي الوظيفة العمومية؟

 

ü     أين هي عصرنة الإدارة وتقريب الخدمة العمومية الي المواطن و النفاذ الي المعلومات ودعم نظام اللامركزية الذي طالما تم التحدث عنه في الو رشات والملتقيات في مختلف القطاعات الوزارية؟

 

متي سيتم تعيين الرجل المناسب في المكان الناسب فنتيح بذالك فرصة للمهنيين تمكنهم من الولوج الي مفاصل الدولة والمشاركة في رسم السياسات والخطط والإستراتيجيات ليتمكنوا من صقل موهبهم وتنمية مهارتهم وخبراتهم وتجاربهم في مجال اختاروه بكل حرية،ولايمكن بالتالي  تصورأي تقدم دون إشراكهم.

————

عن الجمعية الموريتانية لتنمية قطاع المكتبات ودور الأرشفة والتوثيق، مسؤول الإعلام والثقافة: أحمد محم

البريد الأكتروني:[email protected]

 

الأحدث