جدول المحتويات
ومعنى ذلك هو الاستقلال المعترف به دولياً، لا الاستقلال الحقيقي، فإنهم لو طلبوا ذلك لما كان في الجامعة العربية عضو واحد من هذه الأمم التي ذكرنا. فالجامعة العربية كما هي الآن لا تفي البتة بحاجة العرب، ولا تقوم على الأساس الصحيح الذي ينبغي أن تقوم عليه) مقتطف من مقالة للأستاذ محمود محمد شاكر في العدد 732 من مجلة الرسالة بتاريخ 14. 07. 1947.
مقتطف ينضح بكثير من الأسف على ما آل إليه واقع الأمة العربية آنذاك، ويفيض بغير يسير من عدم الرضا لدى نخبة عريضة من الكتاب والمثقفين عن الظرف الذي اكتنف ميلاد ذلك الكيان الوليد الخديج الذي صاحبَ ميلاده كثيرٌ من الدعاية والوعود من طرف صانعيه في الداخل والخارج، وكثير من الأمل والتفاؤل من طرف شعب انفرط عقده طوال حقب مديدة، وانفصمت عرى كيانه منذ أمد بعيد. فقبل ذلك بسنتين، وتحديدا في الثاني والعشرين من مارس سنة 1945 تم الإعلان في القاهرة عن تباشير تحقيق (الحلم العربي) بتأسيس الجامعة العربية، وأُعلنت القاهرة مقرا لها. وجاء ذلك ــ في رأي الكثيرين ــ تتويجا لدعوة وجهود الملك فاروق ورئيس وزرائه الزعيم الوفدي مصطفى النحاس، بعدما أذنتْ أو أمرتْ بذلك بريطانيا العظمى.
ولسنا هنا ــ على أية حال ــ بصدد مناقشة البواعث والأسباب التي كانت وراء دعوة الملك فاروق ورئيس وزرائه النحاس وغيرهما من الساسة والمثقفين العرب إلى إنشاء هذا الكيان، ولا الأهداف والمرامي المتوخاة من وراء قيامه. فلقد كثر الحديث وتشعبت الآراء في تحليل تلك الأسباب والغايات، وانتشر اللغط حول ما إذاكان ميلاد هذا الكيان ناجما عن رغبة الحلفاء في الخارج وإرادة الطبقة السياسية النافذة وقتئذ في الداخل لإجهاض فكرة (الجامعة الإسلامية) التي نادى بها الأفغاني وتلامذته المصلحون، أو كان هذا الميلاد نابعا من ضرورات سياسية وظروف موضوعية جعلت القيِّمين على شؤون الأمة يومها يعتبرون أن في وشائج الدم وأواصر اللسان غَناءً عن روابط العقيدة وعلاقات الأخوة التي حاكها التاريخ طيلة قرون متعاقبة خلتْ.
والحق أن الامبراطورية العثمانية باتت في عقودها الأخيرة تشكل عبئا ثقيلا على كثير من الأقطار المنضوية تحت لوائها، كما أضحى التخلص من ربقتها الخانقة همًّا يؤرق أغلب رعاياها، وحلما يراود كثيرا من الساسة المعطشين إلى القيادة، ومن المثقفين الذين يتوقون إلى النهوض ببلدانهم التي تعيش مستويات متدنية من التخلف على مختلف الصعد.
على أن الكثيرين من دعاة الوحدة الإسلامية ممن عاصروا الإرهاصات الأولى لتخلُّق كيان الجامعة العربية في رحم الأمة لم يروا في ميلاده ــ وقد يكونون على حق ــ تناقضا جوهريا مع ما كانوا إليه يسعون ويطمحون من قيام الجامعة الإسلامية، كما يتضح ذلك من مكاتبة محمد رشيد رضا لإمام اليمن يحيى، وحديثه مع عبد العزيز ملك الحجاز، وسفارته بين الرجلين. [انظر مقالة محمد رشيد رضا: جزيرة العرب والوحدة العربية/ المنار/ مايوــ 1934].
بيْد أنه لا مناص من الاعتراف بكون المستعمرين الإنجليز والفرنسيين لم يخفوا تأييدهم للحركات العربية المنادية بالاستقلال عن الدولة العثمانية، وبالتالي إزاحة فكرة الجامعة الإسلامية عن مسرح الأحداث، وإحلال الدعوة إلى الجامعة العربية مكانها. وللدلالة على ذلك فإنه يكفي أن نعلم أن المستعمر الإنجليزي هو من أرغم السلطة في مصر على منع توزيع (العروة الوثقى) التي أنشأها الأفغاني وتلميذه مفتى الديار المصرية محمد عبده، بينما تولى الإنجليز أنفسهم منعَها من دخول الهند، حيث كان لها هنالك الصدى الكبير الواسع، وهو ما يدل على مناهضة الإنجليز (ومن معهم) للأساس العقدي الذي قامت عليه دعوة الرجلين المصلحين، والتي شكلت (العروة الوثقى) حمامَها الزاجل وصوتَها الصادح الذي عجل في انتشارها في مختلف الأقطار وأوصلها بأمانة إلى سائر الناس. ومن المؤكد أن إيقاف (العروة الوثقى) يومئذ عن الصدور لم يكن بحال من الأحوال إجراء عفويا معزولا؛ بل كان عنوان سياسة مرسومة الخطط محددة الأهداف.
لذلك فقد تعرضت مجلة (الأستاذ) التي أنشأها الكاتب الفذ عبد الله نديم المصري بعد إيقاف (العروة الوثقى) بسنوات لذات المصير، ذلك أن النديم لم يَنْأ كثيرا بِخطِّ مجلته عن منهج (العروة الوثقى) رغم تحفظه وابتعاده عن الاصطدام بالساسة.
ومع كل ذلك التحفظ والحذر لم تنجح (الأستاذ) من الإفلات من توجيه التهم إليها باعتبارها تنفث (سموم الثورة) وتدعو إلى (التعصب الديني) فتم إيقافها، ولما تُنهِ عامها الأول بعدُ، وأُجبر النديم نفسه على الخروج من مصر! وقد أشار النديم إلى تلك الحملة الشعواء التي شنها البعض على (الأستاذ) مشيرا بسبابته إلى الإنجليز ومن يشايعهم، وذلك في مقالته الوداعية في العدد الأخير من مجلته تحت عنوان: تحية وسلام، حيث قال: (ولقد عز على بعض أناس غربيين تنبُّه الشرقي واستعداده لمضاهاة الأوروبي وتقليده في أعماله وأقواله الحرة ورأى أن ذلك ضار بسعيه الخاص وعلم أن الأستاذ صار في مقدمة الجرائد المرشدة إلى طرق الإصلاح والنجاح فأثار بعض الجرائد الإنكليزية في مصر وفي انكلترة كالتايمس والديلي نيوز والمقطم على الأستاذ ثورة عدوان، فرمته بأنه متعصب للدين زورا وبهتاناً… وقالت ــ وهي كاذبة ــ إن محرره ثوري مهيج مع أنه لزم السكون والهدوء ودعا إليهما) [الأستاذ/ العدد 42/ 10ـ 8ـ 1893] وللحديث تتمة.