تخطى الى المحتوى

الواقع العربي ومآلات القمة العربية

جدول المحتويات

 

لقد أدت لانتفاضة الشعبية منذ البداية إلي سقوط الأقنعة من خلال تلاشي انظمة الاستبداد في مصر وتونس وليبيا واليمن، مع تبديل خارطة الطريق لبقية البلدان العربية سوريا نموذجا، بشكل أدى إلى ظهور ما بات يعرف بالربيع العربي الذي لم يعمر طويلا أمام تلاحق الفصول الصيفية والشتوية الدامية، نتيجة انفجار وتيرة العنف من خلال الاغتيالات السياسية في تونس وليبيا من جهة والمواجهة الصريحة بين الإرادة الشعبية والشرعية الدستورية في مصر وسوريا واليمن من جهة أخرى.

 

لقد وصلت الأوضاع العربية اليوم إلى مستوي المأزق أو الأزمة الشائكة ذات المعوقات المعقدة وما يزيد هذه الوضعية تأزما، تراكم المؤشرات القوية لظواهر العنف والإرهاب والتطرف الداخلي، بالإضافة إلى انقسام النخب السياسية على نفسها وانفصالها عن المواقف الجماهيرية العامة، نتجت عنها عدة إخفاقات بينية، طفت على المشهد السياسي العربي في معظم تجلياته.

 

فالأنظمة التي أفرزها التحول المفاجئ على مستوى القمة، لم تكن منسجمة إلى حد التحكم في الشأن العام، لواقع شعوب تعاني تراكم عدة أزمات، سياسية واجتماعية، بالإضافة إلى بسط نفوذ الأزمة الاقتصادية العالمية على مختلف حلقات العملية السياسية برمتها وتأثيرها المباشر على النفوذ العالمي في إرادة شعوب دول الربيع العربي، من خلال فرض المصالح غير المتكافئة مع توسعة الرؤية الإستراتيجية للهيمنة والتسلط في مصير شعوب المنطقة، على شاكلة النظرة التقليدية في خلق تحالفات إقليمية ودولية، مؤثرة في مسار الثورات العربية، التي أدهشت أكثر من مراقب، بفعل صدمة وتيرة الأحداث المتتالية دون سابقة في المنطقة.

 

فقابلية التأقلم مع متطلبات العصر من حراك سياسي واجتماعي، نتجت عنه في بعض النماذج نتائج وخيمة، حملت معها انتفاضة الشارع العربي المطالب بالتغيير والتجديد الذي أثمر ينابيع الربيع العربي والذي فرض نفسه كمعادلة إقليمية لا مناص منها في وجه غطرسة التحولات المتسارعة، بفعل إرادة الشباب القادم من فلك بعيد والذي أصبح هو الآخر يفرض نفسه كخيار بديل يحمل أكثر من دلالة. ذلك أن تعاطي النخب مع هذا الحدث أظهر أن هناك حاجة ملحة في إحداث تأمل وتفكير للإصلاح، قبل الوقت بدل الضائع حول الحراك الشبابي المتنامي بصورة جدية.

 

الشيء الذي أنجب عدة أنماط من الأحكام الضعيفة العهد بالممارسة السياسية، نتيجة التحكم المبكر إلى صناديق الاقتراع مع عدم استيعابية حاجة الشعوب العربية في مسألة التغيير، دون الترتيب المسبق للفرضيات اللازمة لقيام أنظمة سياسية قوية، منسجمة مع تطلعات شعوب المنطقة العربية، في الأمن والاستقرار والتنمية المستديمة، مع ضرورة قيام أنظمة ديمقراطية تتماشي وخصوصيات هذه البلدان.

 

حقيقة الأمر أن الوضع العربي الراهن، مؤلم بكافة تجلياته، لكنه قد يكون مسار ضروري، لقد أجهضت التطلعات الكبرى في التغيير البناء والديمقراطية، التي تحولت إلى صيف حار دموي قاتل في جل حلقات المسلسل الانتقالي، في بلدان مصر، ليبيا، سوريا، اليمن، بعد ما فاق العقل التونسي متأخرا، بدل الدوران في حلقة مفرغة، ليسلك طريق السداد. فقراءة التاريخ بشكل عقلاني تخبرنا أن مسلكيات الأحداث كثيرا ما تكون إيجابية في معظم الثورات التي غيرت مصائر البشرية، على الرغم من صعوبة البدايات، ذالك أن الثورة الفرنسية انتكست عدة مرات، قبل أن تطفو على سطح الواقع مكرسة الحقوق الدستورية للفرنسيين.

 

ما من ثورة ولدت حائزة الكمال المطلق، إلا وتعثرت مساراتها وكانت نتائجها غير محتملة العواقب على حركية الشعوب، خاصة حين يتعلق الأمر بأوضاع معقدة، لأحكام مدين للديكتاتوريات العسكرية المهيمنة، مهمة التخلص منها ليست بالأمر الهين، كما يتصور البعض. فاليوم لا أحد يمكن أن يتكهن بنهاية الأزمة ولا حجم ثمنها. فاستلام السلطة لا يعني بالضرورة القدرة على الاستقرار والاستمرار من خلال التحالف مع أكبر قدر من القوى السياسية في إطار تشكيل تحالف قوى مسيطر على كافة مناحي الحياة، خاصة في فترة أولية لاحقة لصعود التيارات الاسلامية في مجمل هذه البلدان، نتيجة لعدة عوامل يأتي في مقدمتها عامل الخبرة والتنظيم المتقدم على باقي مكونات الثورة، التي ظلت تعاني التبعثر والإخفاق، مع تشتيت الجهود الداخلية التي حالت دون ترتيب الأمور العامة، على شكل يرضي كافة مكونات الطيف السياسي في بوتقة تتلاءم ومتطلبات العصر من خلال الحوار والتفاهم.

 

ينضاف إلى هذه الخروقات الآنفة، تهميش القوى الشبابية التي قادت الثورة، حيث استبعاد الحراك الشبابي الذي كان المحرك لتجربة الثورة الوليدة، من مشهد سياسي معقد التركيبة ومتنوع التأثيرات المتبادلة، التي مافتئت تطفو على السطح، بفعل تلاحق وضعية الغليان الشعبي كظهور حركة تمرد في مصر، كردة فعل على فشل الثورة الأولي في تحقيق أهدافها وما آلت إليه الأمور من تأثيرات على الشارع العربي، أدت في بعض الأحيان إلى تدخل الجيش تحت قناع الإرادة الشعبية لتغيير مسار الثورات الحديثة العهد وبالتالي الخروج على المألوف بانقلاب عسكري، أصبح الشغل الشاغل والمهيمن على مجريات الأحداث، قصد الوصول إلى مخرج للأزمة المصرية الحالية.

 

فمنذ 30 يوليو 2014، تعيش مصر تطورات دراماتيكية متسارعة، انقسم فيها الشارع المصري بين مؤيد للشرعية الدستورية ومؤيد لتدخل الجيش، لصالح إنهاء حكم الإخوان المسلمين والتي تتعقد أكثر فأكثر، تزامنا مع مواقف القوى الإقليمية والدولية، المؤثرة في مصير دول الربيع العربي، لما لها من وقع بفعل الدور التركي والإيراني بالإضافة إلى الموقف الغربي – الأوروبي والأمريكي – مما ولد تداعيات ما بعد الثورات العربية، حتى مع طابع الشرعية الدستورية التي يلوح بها النظام المصري بعد الانتخابات الرئاسية وصعود عبد الفتاح السيسي كرئيس منتخب.

 

كما تمر ليبيا اليوم بمرحلة انتقالية صعبة، نتيجة لتباين المواقف لمختلف الفرقاء السياسيين، على الرغم من تحقيق تقدم كبير نحو جمع الأطراف الليبية حول طاولة الحوار، قصد التوصل إلى حل سياسي يضمن استتباب الأمن بالطرق السلمية، بدل لغة السلاح التي بدأت تتآكل بلا جدوى. لقد بدأ المجتمع الدولي في التعاطي مع الأزمة الليبية بشكل إيجابي، يفضي إلى تقديم الآليات الكفيلة بالإحاطة بمختلف الأطراف المتنازعة، قصد التوصل إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، مما يضمن إعادة الأمن والاستقرار، تمهيدا لمواصلة العملية السياسية بين مختلف الجماعات المتنافرة حول السلطة في ليبيا. كما أن الكيان الليبي مهدد بكارثة محدقة، تتمثل في خطر الإرهاب، الذي يؤثر سلبا على دول الجوار، خاصة الدول المغاربية، التي تربطها قواسم مشتركة بحكم التاريخ والجغرافيا والترابط الاجتماعي، مما يتطلب تضافر جهود كافة الأطراف مع المبعوث الدولي، لمعالجة جروح الحرب الأهلية الدائرة، لكبح انتشار العنف وتصدير الجريمة عبر الحدود، كون ما يحدث في ليبيا له انعكاسات على المنطقة العربية والإفريقية وحتى المحيط الإقليمي الأوروبي.

 

ينضاف إلى الوضعية الأنفة، تعقد الإشكالية اليمنية، حين قامت المملكة العربية السعودية في الوقت المناسب، بمبادرتها التاريخية التي تمثلت في عاصفة الحزم، فاستطاعت أن تحشد تحالفا عسكريا قويا، استجابة لفرض الشرعية في اليمن. مكنت المبادرة السعودية الأمة العربية من استعادة مجدها الحضاري لعصورها الذهبية، لذالك لاقت هذه المبادرة الترحيب والتعاطف من قبل المجتمع الدولي، نتيجة الوضع المأساوي الذي آلت إليه اليمن من هزات عنيفة، على يد فئة طائفية تهدف إلى تمزيق البلاد وزعزعة أمنها واستقرارها، مع نسف العملية السياسية التي قادت إلى مصالحة وطنية بإرادة الشعب اليمني.

 

إن تسارع الأحداث والسباق مع الزمن الذي أنتهجه الحوثيون والرئيس المخلوع صالح، لفرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية، نتج عنه تعطل الحوار السياسي وبالتالي إجهاض العملية السياسية القاضية بإرساء نظام ديمقراطي توافقي، يجمع كافة الأطراف المتنازعة في اليمن على مسار موحد لصيانة المكتسبات الوطنية.

 

لا شك أن الحفاظ على الشرعية الدستورية والدفاع عن الشعب اليمني، كانت من العوامل التي دفعت إلى التدخل في اليمن، لكن التهديد الذي يشكله الحوثيون للأمن القومي للمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص والمنطقة العربية بشكل عام، كان ذو أهمية قصوى، نتيجة النفوذ غير المسبوق لإيران في العراق وتمددها للسيطرة على شبه الجزيرة العربية، خاصة أن سقوط صنعاء في يد الحوثيون، يجعل أقلية طائفية مسلحة شيعية تتحكم في محيط سني ضخم، تتجاوز نسبته 70% من سكان اليمن، مما يدل أن الحليف الإيراني يصب الزيت على النار وسط حالة من الغليان والغضب الجماهيري، قد يحول المنطقة إلى كانتونات متناحرة.

 

اليمن ينزلق بسرعة كبيرة نحو الفوضى الدينية القاتلة، ذلك أن بيئة اليمن أشد خطرا من بيئة العراق، زيادة على انتشار البطالة والقهر وسوء الأوضاع المعيشية، مما يسهل اختراقها بالتنظيمات المتطرفة، الشيء الذي ينذر بكارثة، تتطلب من المجتمع الدولي ممثلا في الغرب والدول العربية، تشكيل تحالف لمواجهة الفوضى الخطيرة المحتملة، كي لا تتحول اليمن إلى دولة فاشلة يعمها العنف في الشرق الأوسط الساخن والدموي، كحتمية لتجليات صراعات الربيع العربي، المكرسة بالفوضى وعدم الاستقرار، زيادة على اندثار البلدان العربية بواسطة الحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية.

 

في بلاد الرافدين، تتمثل الأزمة العراقية في تشظي القوى السياسية مع هاجس الخوف والشك بين القيادات السياسية وتصارعها على النفوذ والثروة، بالإضافة إلى تكالب دول الجوار لإفشال العملية السياسية بمختلف الطرق والوسائل. فمنذ الغزو الغربي للعراق، يواجه هذا البلد مخاض عسير لولادة دولته العصرية، دولة المواطنة والقانون والديمقراطية، دولة تناسب طموحات وتطلعات الشعب العراقي، انطلاقا من خصوصية شعبه الحضارية، المتمثلة في تعددية قومية ودينية ومذهبية ضاربة في أعماق التاريخ. لذالك كان حريا بالنخب العراقية البحث في البدائل المتاحة لتأسيس دولة المواطنة والديمقراطية، كي يعامل الجميع بالتساوي، لاستتباب أمن المواطن وإعادة الثقة بين مكونات الشعب الواحد.

 

الأزمة العراقية وضعت الدولة ومستقبلها أمام علامة استفهام، تفضي إلى احتمالات التفكك أو التوحيد، في حال ما إذا توفرت إرادة سياسية موحدة مع تناسبها مع ظرف موضوعي ذاتي آني. ذلك أن التفتت محتمل بتحول الدولة إلى كانتونات أو فيدراليات مناطقية كما حصل مع إقليم كردستان العراق. فاستمرار الحالة العراقية لم تعد ممكنة، نتيجة تفاقم الأزمة مع انتشار الخراب واتساع دائرة العنف وخروجه عن سيطرة الحكومة القائمة.

 

العراق اليوم يحتاج إلى فترة تنوير وتفكير معمق، لمراجعة الذات الشعبية، من خلال طبقة المثقفين والأكاديميين والمفكرين، لاستنهاض همم الواقع العراقي، سبيلا لإيجاد مخرج ديمقراطي الأسلوب واجتماعي المضمون، لخلق سيناريو التوحيد المطلوب والمفقود في العملية السياسية وما رافقها من تعثرات ظلت سيدة الموقف بين جماعات المصالح الاقتصادية والسياسية المتنافرة.

 

هذا الاستنتاج لا يرمي بنا في أحضان اليأس أو النظرة التشاؤمية للواقع العربي، بقدر ما يحيي الأمل الذي لا يقضي عليه الألم، ذلك أن الأمة العربية تعيش لحظة كارثية مع مصير فاجع، بعد أن تحطمت الشعارات والأحلام والمشاريع والأوهام الكبيرة مثل الجامعة الإسلامية والوحدة القومية والاشتراكية الأممية وتم تجاوز فترات الاستقلال والحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية. كلها تطلعات تحطمت على صخرة التاريخ وبقي الجميع فوق سفينة تتقاذفها الأمواج في كل الاتجاهات دون بارقة أمل للنجاة. ليبقي بصيص الأمل في القمة العربية الموعودة في نواكشوط، فرصة سانحة وأرضية مواتية للم الشمل مع رأب الصدع. في وقت يتجه الرأي العام الوطني والدولي صوب مطار أم التونسي، كي نقلع معا حول الإجماع المنشود والمرتقب من القادة العرب، المطالبين باتخاذ قرارات شجاعة، تعالج ما تواجهه الأمة العربية من أزمات مستعصية، قرارات على مستوى آمال الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج وفي طليعتها قيام مصالحة عربية حقيقية، تستنهض العمل العربي المشترك.

 

الأحدث