جدول المحتويات
وأول ما يجب تسجيله بخط عريض كلما كان الحديث عن الإعلام هو تقديم التهنئة – مُسْتَحَقِ التهنئة – لسائر العائلة الإعلامية على تمكينها بلدنا لسنوات متتابعة من تصدر الدول العربية في مجال حرية ومهنية الإعلام وهو مكسب يَتِيمٌ- عجزنا عن تحقيق مثيل له في كل المجالات الأخرى – وتتعينُ المحافظة عليه وتأمين وتحصين استدامته وشَدُ عَضُدِهِ بمكسب آخر أحسبه إذا ما تسلحنا بالإرادة هَيِنًا، قريبا قابلا للإنجاز ألا وهو "نظافة الاقتراع الانتخابي" و"انْسِيًابِيًةُ" التناوب السلمي على السلطة.!!
ثم إن ثاني ما يجدر التنبيه إليه هو أن مشكلة الإعلام الوطني المستقل تتحمل مسؤوليتها بشكل كبير الأنظمةُ السياسية السابقة التي ما إن فطنت إلى أن معظم مهنيي الإعلام المستقل سَاعَتَئِذٍ عَاضُونَ على المهنية والحياد بالنواجذ و"البُطُونِ الخَاوِيًةِ" حتى لجأت إلى إغراق المشهد الإعلامي بِسَيْلٍ عَرَمْرَمٍ من تراخيص الصحف والمواقع الإلكترونية مما أدى إلى تمييع المهنة وذَهَابِ قدر معلوم من رِيحِهَا وهَيْبَتِهَا واخْتِلَاطِ حابلها بنابلها…!!
وفي تقديري أن الآمال المعقودة على المنتديات العامة للصحافة من طرف "المنتجين" و"المستهلكين" الإعلاميين عِرَاضٌ ثِقَالٌ لا ترضى بأقل من إجراء تشخيص دقيق للاختلالات وتقديم اقتراح طموح للإصلاحات؛ يجب وجوبا أن يشذ شذوذا عن المألوف من المنتديات العامة ببلادنا التي ينشغل غالبا معظم المشاركين فيها باللقاءات الجانبية الكرنفالية وتنتهي أعمالها في كثير الأحيان بتوصيات إما حَالِمَةٌ غير قابلة للتنفيذ المنظور أو "باردة"، "منزوعة الطموح" كما لو كان "الفَزَعُ الكَبِيرُ من أجل موت فأر حقير"!!
وكلي أمل "كمستهلك إعلامي" للمواد الإعلامية المصنعة محليا مرئية ومسموعة ومقروءة أن لا يَخْلُوً البيان الختامي للمنتديات العامة للصحافة من التوصيات الثلاثة التالية:
أولا: زيادة تمويل الصندوق الوطني لدعم الصحافة: وهنا أقترح أن تخصص نسبة (0.25%) من الميزانية السنوية العامة لتمويل صندوق دعم الصحافة وهو ما يساوي مثلا مليار أوقية من الميزانية السنوية لسنة 2016 الحالية البالغة 400 مليار أوقية. ويحسن أن يستمر ذلك الدعم العمومي إلى غاية تنظيم وتنشيط قطاع الإعلان الإعلامي التجاري بحيث يُؤَمِنُ تعبئة نفس الموارد المالية أو أكثر لتمويل المقاولات الإعلامية علي غرار ما هو حاصل بالعديد من دول العالم.
ويجدر أن توجه نسبة مهمة من التمويل المقترح لصندوق دعم الصحافة لإعادة دمج بعض "المهاجرين غير الشرعيين" إلى المهنة الصحفية الذين يعترفون بأنهم هاجروا إليها اضطرارا لا اختيارا فكانت هجرتهم خَصْمًا وانْتِقَاصًا من هيبة وكبرياء المهنة. وتتم إعادة دمج أولائك "المهاجرين غير الشرعيين" بناء على طلبهم من خلال إعادة توجيههم وتمويل مقاولات خصوصية تناسب تكويناتهم الأصلية ومهاراتهم التقنية ومُتَاحَاتِ قانون العرض والطلب.
ثانيا: تعزيز الصلاحيات الضبطية والمكانة المعنوية للسلطة العليا للسمعيات البصرية: ويتعلق الأمر بمراجعة القانون المنشئ للسلطة العليا للسمعيات البصرية بحيث يعزز صرامة "القبضة الضبطية" المخولة للسلطة العليا حتى تتمكن من حماية المستهلك الإعلامي الوطني من المواد الإعلامية الضارة و"المُسَرْطِنَةِ سياسيا واجتماعيا" ونضمن أن يكون إعلامنا الوطني رَافِعَةَ تنمية وبِنَاءٍ لا مِعْوَلَ هدم وفَنَاءٍ!!
كما ينبغي أن تشمل مراجعة القانون المنشئ للسلطة العليا للسمعيات البصرية إدخال التعديلات الكفيلة بضمان ترفيع المكانة البروتوكولية للسلطة العليا للصحافة بحيث تأتي في الترتيب البروتوكولي مباشرة كممثلة للسلطة الرابعة بعد المحكمة العليا الممثلة للسلطة الثالثة؛ ضف إلى ذلك زيادة المكافآت المالية المعينة على الاستقلالية والأَدَائِيًةِ المخصصة لرئيس وأعضاء السلطة العليا وكذا اشتراط مِعْيَارِيًةٍ علمية ومهنية وأخلاقية عالية المستوي لأهلية الظفر بعضوية تلك السلطة.
ثالثا: ترفيع المعايير العلمية والأخلاقية لممارسة المهنة الإعلامية: ومبلغ طموحي في هذا المجال أن يتم اتخاذ قرار بوقف الترخيص بإنشاء المقاولات الإعلامية لمدة سنة على الأقل وذلك إلى غاية اتخاذ الترتيبات اللازمة لمراجعة القانون المنظم للصحافة. تلك المراجعة التي أرجو أن لا تغفل اشتراط الحصول على الترخيص لمقاولة إعلامية جديدة بحيازة صاحب منصب رئيس التحرير (أو ما يعادله) على درجة علمية جامعية "مُنَقًحَةٍ" وبراءة مؤكدة مُبَرًزَةٍ من السوابق العدلية والأخلاقية والتسييرية و"المُرُوئِيًةِ".