جدول المحتويات
ربما لست في حاجة للتذكير بأن الإسلام جاء ليتمم الله به مكارم الأخلاق التي من أهمها وأقومها درء الفتن وإحلال السلام ونزع الخلاف والشقاق وتكوين بيئة سليمة تزرع في الإنسان حب أخيه الإنسان وبذلك يكون البشر مؤهلا للاستخلاف في الأرض وتعميرها كما أراد الله سبحانه وتعالى.
الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.. هي عبارة أصبحت اليوم تحطم الرقم القياسي في الاستخدام في هذا المنكب الذي قام أصلا ونشأ على الفتنة ، حيث كان القوي فيه يقتل الضعيف أو يستعبده، وكانت القبيلة تغير على القبيلة وتطردها وتأسر منها وتستبيح خيراتها، واقع يذكر بالحالة التي كان عليها الأعراب في الجاهلية خاصة أن الأدوات المستخدمة في إذكاء الفتنة هي ذاتها : الشعر، الجاه، الحسب والنسب…
قد لا يخفى على أحد أن الفتنة في موريتانيا هي السبب الواضح والمباشر في جميع المشاكل الاجتماعية والتي من أكبرها وأعقدها مشكلة الاحراطين التي تطالعك في كل مكان أينما يممت بوجهك او بعقلك أو بقلبك.
ربما نكون محقين إذا قلنا إن الفتنة في موريتانيا خلفت ظواهر هي في خطورتها وأضرارها لا تقل شئنا عن الفتنة في أصلها وأعظم هذه المظاهر استعباد الإنسان بغير وجه حق أو في أحسن الأحوال بالشبهة وأقلها وسمه بالدونية والنقصان، ومابين ذلك حرمانه من حقه في العيش برخاء فهو إن أراد تأمين لقمة عيشه الزهيدة سيكون مجبرا على تمرين عضلاته في وهج الحر مقابل أجر لا يسمن ولا يغني من جوع، وحرمانه من التعليم فهو ليس في ظروف تؤهله لتلقي العلم وإن حاول تناسي تلك الظروف فما يحصل عليه من التعليم لا يتيح له التميز، وحرمانه من حقه في المواطنة فهو وإن كان يحمل بطاقة تعريف وطنية اشتراها بعرق جبينه وسهر أمام بوابة الحالة المدنية لاستخراجها يظل تابعا لغيره ولا يمتلك قراره.
تلك مظاهر لفتنة مستيقظة رحم الله من أرقدها، ربما هذه هي العبارة التي نحن في أمس الحاجة إليها الآن في ظرف ينمو فيه الوعي وتتسع فيه الفجوة، ففي الوقت الذي يتسع فيه البنيان في الشمال تزداد مخيمات وأكواخ اللاجئين في الجنوب، فهنا نبتكر بل نستورد أشكال التطريز وفنون الزخارف وهنالك نبدع في تثبيت الأعرشة وتظليلها بالأقمشة البالية، هنا ننشأ المدارس الخاصة والمدارس العسكرية والمنتزهات وهنالك مدرسة الترحيل 8 ومتوسط الطلاب في القسم الواحد منها 120 طفلا لاجئا أما المدارس العسكرية والمنتزهات فليس لهم منها حظ أو نصيب ، هنا عندنا المطار حيث يقربنا من السماء وهنالك عندكم المقابر حيث تذكركم موتكم فأنتم من الأرض وإلى الأرض راجعون باختصار هنا الحياة وبهجتها وهنالك الموت وسكراته، الفتنة مستيقظة رحم الله من أرقدها.
في ظرف كهذا يكون من الملفت والمقيت أن يكون سيف الفتنة مسلطا على كل من أحس بظلم أو غبن أو خلل في البنية الاجتماعية وسعى في إصلاحه أو تداركه أو على الأقل التعبير عن رفضه وعدم قبوله في حين أن مظاهر الفتنة تسرح وتمرح ولا معاول لهدمها.
إن من يسعى لوأد الفتنة والقضاء على مسبباتها يكون مأجورا حتى ولو وقع في الخطأ وهو مغفور له بإذن الله مع ضرورة التمحيص والتشذيب والتقويم حتى نقلل من تلك الأخطاء أو نتفاداها ، أما من يرى الفتنة ويسكت عليها فهو مخطأ وواقع فيها لامحالة ومقصر في النصح لأهله وأمته وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، أما من يصنع الفتنة ويذكيها بين المسلمين فهو مستحق لعقاب الله.
وكخلاصة فإنه من غير المعقول والمنصف أن نظلم بعضنا لمدة قرون ثم بعد أن يتسرب الوعي تلوح الفتنة في الأفق لتحجب عنا نور العدل والمساواة وقيم الإنسانية التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم.