جدول المحتويات
وعلى الرغم من أن هذا الأمر كانت له نتائج كارثية خلال الثمانينيّات والتسعينيات من القرن الماضي، أيام حرب النظام العسكري على البعثيين والناصريين والزنوج، وخلال بعض محطات الصراع مع الإسلاميين، إلا أن هذه النتائج خلال الفترة الأخيرة من "الديمقراطية وانتعاش الحريات" كانت كذلك مخجلة على الأقل. فيكفي المرء أن يتذكر أحداثاً قريبة مثل: رصاصة اطويلة، وحرق الكتب، وحادثة إحراق المصحف… ليرى بأثر رجعي كيف أن كثيراً من النخب المعارضة سقطت أو سكتت عن تخطيط الحاكم وأعوانه، حين لم تستوعب تفاصيل تأثير الأحداث إلا بعد وقوعها بعدة أسابيع، وأحيانا بعدة أشهر، لتأتي مواقفها المبدئية الصحيحة "متأخرة عن وقت الحاجة".
اليوم، وفي إطار أحداث "كزرة ولد بوعمّاتو"؛ فمع أننا في بلد يعيش الكثير من المشاكل العقارية المشابهة، التي لم يسبق للسلطات أن استغلتها وأطّرتها بهذا الشكل. والجميع يذكر "إعادة إعمار الطينطان" وعشرات الأسر التي تمتلك وثائق "ملكية خصوصية" لأراض لم تستطع السلطات تنفيذ أوامر إخلائها من ساكنيها حتى الآن، لحوالي عقد من الزمن. ومحاولات تنفيذ ذلك من قبل الإدارة المحلية يتم منعها والاعتداء على أصحابها و"هيبتهم" بقوة القبائل وحماية وجهاء النظام. والأمثلة المشابهة لذلك عديدة في انواكشوط وفي الضفة وفي غيرها.. إلا أن ما يحدث الآن – للأسف – هو أنه، وتحت تأثير نفس التهييج الإعلامي المزمن، يستسلم الكثير من النخب الوطنية الموريتانية للخطة الأمنية للنظام، ويتجاهل حال الطرف الأضعف في مشهد سياسي تم توجيهه بشكل مشابه:
– عشرات السجناء والجرحى من الأهالي، الذين لا يسأل عنهم ولا يتحدث عنهم أحد. كانوا ضحايا استعمال القوة المفرط من قبل السلطات، والتجريم الجماعي لساكنة هذا "الحي"، بحجة وجود "تخربيّين" بينهم.
– اعتقالات خارج القانون، وبعيداً عن رقابة القضاء، من الواضح أنها ذات طبيعة سياسية بسبب تركيزها على استهداف مكوّن واحد داخل حركة معارضة. يتم فيها اختطاف السياسيين وإخفاؤهم قسرياً في أماكن مجهولة، لفترات تجاوزت الآجال القانونية. بدون أن يندد بذلك أي أحد، حتى من الأطر المحترمة – ذات السابقة المبدئية النضالية – داخل لجنة مناهضة التعذيب، والتي أنشئت للتصدي لمثل هذه الممارسات.
– تشريد 429 أسرة، باعتراف الجهات الرسمية، حوالي 1500 مواطن (لو افترضنا أن كل أسرة تتألف من 3 – 4 أشخاص)، أُجبرت على هدم مسجدها وتهجير طلاب محظرته إلى المجهول، وتحطيم المنازل على رؤوس أصحابها، ليتم إبعادهم عن أماكن عملهم وسكنهم الذي استقروا به لأكثر من عشرين سنة – وفي وجه موسم الأمطار – إلى أرض جرداء، غير مهيئة قانونياً ولا إسكانياً. ليصبحوا لاجئين في بلد يتبجح القائمون عليه بفائض مالي بالمليارات.
ليس المطلوب طبعا من النخب السياسية المعارِضة في هذه البلاد أن لا تنبذ العنف بكل أشكاله، سواء من قبل أصحاب المطالب أو تجاههم، وإنما أن تبني خلال الأحداث الوطنية المهمة صورة مستقلة متكاملة، بعيداً عن الانفعال بالرواية الرسمية وقوة الصدمة الأولى. لتقوم بردة فعل تنسجم مع منطلقات قيم الحق والعدل والقانون، وخاصة في مثل هذه الأوقات الحرجة، التي قد تكون ردة الفعل فيها مستقبلاً حاسمة لسلامة كيان البلد وانسجام لحمته الاجتماعية.