تخطى الى المحتوى

الحوار السياسي المنشود: أهميته، طبيعته، سقفه، وما ينتظر منه المواطن الموريتاني ال

جدول المحتويات

 

ثم لا تكتفي بإعلان مقاطعتها ''المبدئية'' لأي حوار، مهما كان نوعه، ومهما أعطيت من ضمانات، وطمأنة، لا تكتفي بهذا وحسب، بل تتجاوز كل الحدود، في وقاحة سياسية منقطعة النظير، حين تدعي ''أن الشعب الموريتاني يرفض الحوار مع النظام الحالي''، وهي تمنح بذلك لنفسها حق الحديث باسم الشعب الموريتاني ككل…

 

ولا بأس من التذكير هنا أن أزمة المعارضة الموريتانية الكبرى هي أزمة مصداقية، وفعالية، وجدوائية، أزمة أسلوب ومناهج فاشلة، وخطط ومواقف محبطة، وقرارات عمياء، أزمة مسلكيات يومية وتعامل مع الأنظمة والشعب، غير موفق ولا سديد… فهي إذا أزمة ذات، وأزمة كيان وصيرورة… هي أزمة المعارضة مع نفسها، لا مع النظام الحالي، ولا مع الذي قبله.. ولا الذي يأتي بعده…

 

يتجلي ذلك في مشوار حافل من العمى السياسي، هو عبارة عن تخبط وتلكؤ، وعجز عن التكييف الصحيح للأوضاع، وقصور قاتل في القراءة المتبصرة للمشهد السياسي، وفشل واضح في التعامل بفعالية مع المستجدات السياسية في البلد… فما بالك علي المستوي الإقليمي والدولي… ناهيك عن استشراف المستقبل والتخطيط السياسي المحكم له…

فمنذ التبشير بــ ''حركة التصحيح''، ثم النكوص بعد ذلك بقليل، والنفي التام للموقف، مرورا بالمعارضة ''الناصحة'' حينا و'' الناطحة'' أحيانا، وصولا إلي حرف ''الباء'' التي تطير…!!!، بعد الفشل الذريع في انتخابات 2009، ومرورا بمرض الرئيس و''اليمين'' علي مستقبله ووضعيته الصحية، وانتهاء بالتشكيك والرفض ''المبيت'' لنتائج انتخابات 2014، ومرورا كذلك بكذبة ''الحرب بالوكالة''، خلال الأزمة ''المالية'' والحرب التي عقبتها… ومرورا كذلك بإثارة جميع أنواع ''الشبه'' و''التضليل'' والمحاولات بأسلوب ''الكادحين'' البائس، والذي عفا عليه الزمن، بغرض تبخيس المشروع الوطني العملاق لبطاقات الهوية البيومترية الراقية، ومحاولة تأليب مكون وطني ''معين'' على هذا المشروع التاريخي، عبر إيهامه أنه مستهدف بالإقصاء… ومرورا بالمراهنة علي ''الرحيل''… ومحاولة زرع البلبلة والقلاقل، بالنزول المتكرر وغير الموفق ''للشارع''، ومرورا كذلك، بالترويج للحديث عن ''صفقة مشبوهة'' بين النظام و''خصوصيين'' والزعم أن المطار الدولي ''أم التونسي'' لن يري النور، و''التهكم'' على تصدير موريتانيا للكهرباء إلى دولة السنغال المجاورة، وأخيرا، ''المراهنة'' على ''معارضة'' رجل أعمال هاجر إلى المغرب، بعد استياءه من محاربة الفساد، وقد كان أحد سدنة النظام البائد؛ وصولا، في النهاية، إلى درك ''التشرذم'' بعد كل محاولات التنسيق للعمل السياسي المشترك بين أعضاء ما يسمي، بـ ''منتدى المعارضة الديمقراطية''…

 

إنه، وبجلاء، ووضوح ما بعده وضوح، مشوار تهافت مستمر، وعطاء سياسي هزيل… مشوار من السقوط المستمر إلى أسفل درك من الممارسة السياسية، لم يبق لممارسيه، إلا الهروب إلى الأمام، والمراهنة على شعبية وهمية، أثبتت كل محاولات الحشد والنزول إلى الشارع أنها أوهام، وخيالات وضياع، ثم لم يبق للمتشبثين بهذا النهج كذلك، إلا الحقد والكراهية والضغينة، عبر ''الشخصنة'' السخيفة، الناتجة عن عقلية مأفونة؛ ''شخصنة'' الصراع السياسي مع نظام بأكمله، وتحويله إلى صراع بغيض مع شخص الرئيس نفسه… إنه السقوط السياسي في المواقف، والتصورات، والسلوك…

 

فأين هي مصلحة الشعب الموريتاني في هذا كله؟ والله إنها لمعدومة، ومضيعة، وغير منشودة أصلا، من طرف معارضة لا تتقن إلا التكالب علي السلطة… والحلم بالوصول إلي كرسي الرئاسة…

 

لكن علي المعارضة أن تتذكر، كما علي النظام أيضا أن يستحضر دائما، أن الشعب الموريتاني وحده هو الذي يمنح ثقته لشخص ينتخبه، عبر صناديق الاقتراع، أي بتصويت اختياري، حر وعادل، شفاف ونزيه، وهذه الصناديق هي وحدها الحكم والفيصل.

 

هذا، باختصار كبير عن أهمية الحوار وضرورته، مع التذكير أن كل المراحل السياسية التي مرت بها بلادنا منذ 2005، شهدت حوارات ونقاشات ساخنة، ومفاوضات شاقة، كتلك التي أجريت في ''داكار"، والتي أعقبتها انتخابات، أشرفت عليها لجنة مستقلة، بل وأسفرت التفاهمات يومها، عن إسناد جميع الحقائب الوزارية الحساسة إلى المعارضة ''المتشددة'' اليوم، والتي خسرت تلك الانتخابات، ومثيلتها بعدها أيضا، مع شهادة الجميع بالمستوى المقبول من الشفافية خلال الاقتراعين لـ(2009 و2014)…

 

أما عن طبيعة الحوار، فيجب بالتأكيد أن يكون على مستوي عال من الجدية، وحسن النية، والاستعداد المبدئي للتفاهم، والأخذ والعطاء، والتنازل من جانب كل طرف. فهذا بالتأكيد موضوع يهم أول ما يهم المواطن الموريتاني العادي، الذي يتوق إلى أن يرى حوارا سياسيا مسؤولا، جادا، صريحا، وحازما، يطبعه مستوى عال من روح الانفتاح والتسامح، ويتسم بروح عالية من الوطنية اليقظة، التي تضع المصالح العليا للوطن فوق الاعتبارات السياسية، وفوق الحسابات الحزبية الضيقة. فالنزول إلى ميدان الحوار بأفكار مسبقة عن رأس النظام، والإصرار على ربط كل شيء بشخص الرئيس الحالي، هو خطأ فادح، مجاف للصواب، فالرئيس وإن كان دوره أساسيا في أي نظام رئاسي، إلا أنه ليس كل شيء. فالدولة، والحكومة، ومؤسسات الدولة، والدستور، والقوانين، والهيئات الشرعية، والقضاء، والمجلس الدستوري، والمجلس الإسلامي الأعلى، والأحزاب السياسية، والنقابات، وهيئات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية؛ كل هذه المنظومة، ومهما كان انتقادنا لمستوى فاعليتها، وحسن أدائها، واستقلاليتها، إلا أنها موجودة، ولا يمكن نكران الدور الذي يمكن أن تلعب…

 

بل تجدر الإشارة إلى أن المستوى العالي من التعددية، الذي ننعم به الآن، وكثرة الخيارات المتاحة في شتي المجالات، مع حرية إعلامية يشهد بها القاصي والداني، وانعدام وجود سجناء رأي وراء القضبان، وعدم مضايقة الأحزاب المعارضة في أنشطتها، وحرية التجمع والتعبير، كل هذه العوامل مهمة، وهي بالفعل عوامل مساعدة على خلق أجواء مناسبة لحوار سياسي جاد وحازم، متى صدقت الإرادة، وحسنت النيات…

 

فمتى حصلت النية الصادقة، وكان الاستعداد فعليا لدي جميع الأطراف، للمضي قدما في حوار سياسي، يساعد في استعادة مستوى مقبول من الثقة والاحترام المتبادل بين النظام الحالي و جميع أطياف المعارضة، وعلى وجه الخصوص ما يسمي بـ ''المنتدى الوطني للديمقراطية'' ؛ كان بالإمكان التوصل إلى نتائج وقرارات تخدم تعزيز السلم، والاستقرار السياسي في بلادنا، عبر التزام الجميع بالتناوب السلمي على السلطة، عن طريق انتخابات شفافة، حرة، ونزيهة، يعترف الجميع بنتائجها، وتحظى باحترام الخاسرين فيها، قبل الفائزين؛ لأنها كلمة الشعب الموريتاني التي يعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع.

 

أما عن سقف الحوار المنشود، والذي بدأت مقدماته، وإرهاصاته الأولي، من خلال لقاءات تجري من حين لآخر بين النظام والمعارضة، فإن إعلان الرئيس عن الاستعداد من طرف حكومته وحزب أغلبيته، والأحزاب الداعمة، لنقاش أي مقترح يتم تقديمه، هي بادرة تشكل، بدون أدنى شك، فرصة سانحة لكي تشحذ كل الأطراف مقترحاتها، لعرضها، وتبريرها، والدفاع عنها، بأسلوب مقنع، جاد، واقعي، ومنصف. كما أن إعلانه عن عزمه اقتراح الاستغناء عن غرفة مجلس الشيوخ، واستبدالها بمجالس جهوية للتنمية، وعرض كل ذلك على الشعب الموريتاني، عبر تنظيم استفتاء دستوري قبل نهاية السنة الجارية، هو قرار غاية في الشرعية واحترام النصوص. أما أن نزايد على هذا التصريح، ونشرع في تفسيره على أنه إصرار على التمهيد لمأمورية ثالثة، فذلك لعمري غاية التعسف والشطط، والإصرار على تحميل خطاب النعمة – التاريخي رغم أنف الشانئين- ما لا يتحمل من الدلالات والإيحاءات. فما على أحزاب المنتدى إلا أن تكون أكثر تبصرا، وحنكة سياسية، وتشارك مشاركة جادة في الحوار، بطرح ما تراه مناسبا من الاقتراحات، وطلب كل ما تراه مناسبا من الضمانات الواقعية، لكي تتمكن موريتانيا من المرور، بسلاسة، وسلمية تامة، إلى انتخابات شفافة ونزيهة بعد انتهاء المأمورية الحالية لرئيس الجمهورية – والتي أعلن، وبصراحة تقطع الشك باليقين، أنه ليس على نية تجديدها مباشرة بثالثة، وفقا لما ينص عليه الدستور ؛ وقتها، لن يكون لأي طرف الحق في التشكيك بنتائج الانتخابات، وسيكون الرابح الأول هو الشعب الموريتاني، الذي سيضيف حينها نجاحا سياسيا ودستوريا، إلى ما تم إنجازه من نجاحات مختلفة، في شتي الميادين، في البنية التحتية للبلد، ومحاربة الفساد، على وجه الخصوص.

 

 

ويقودنا كل هذا إلى القول إن سقف الحوار، وإن كان غير محدد، إلا أنه لا يخفى أهمية التأكيد على أن مواضيع من قبيل ترتيبات الاستفتاء الدستوري المزمع تنظيمه، والتنقيح الضروري للائحة الوطنية للناخبين، وإعادة تشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للإشراف على الانتخابات، والاستعداد الكامل، ماديا وبشريا ولوجستيا، للاستحقاقات القادمة، خصوصا الانتخابات الرئاسية، والدعم المؤسسي للأحزاب السياسية؛ كل هذه القضايا، لا يمكن إلا أن تكون من صميم المواضيع التي يلزم التطرق إليها خلال الحوار السياسي المنشود، وهي مواضيع تحظى باهتمام المواطن الموريتاني العادي وتمس في الصميم واقع ومستقبل الحياة السياسية لبلده. ومع كل ذلك، يبقي الانجاز الأكبر الذي يمكن أن تقدمه المعارضة، والموالاة، على حد السواء، هو توطيد وتعزيز الاستقرار، والسلم، والأمن.

 

على الحوار إذا أن يتم، وفي أسرع وقت ممكن، حتى يتمكن المواطن الموريتاني العادي من الحفاظ على خط ونهج المكتسبات والانجازات العملاقة، التي أولها الأمن وتخصين بلادنا من مخاطر الإرهاب، ببناء جيش قوي ذي جاهزية عالية، والنمو، والتشييد، والعمران، ومحاربة الفساد، وترشيد موارد الدولة، والعناية بالفقراء والمساكين، واستعادة هيبة الدولة، وتبوئها مكانتها الدبلوماسية الدولية، والإفريقية، والعربية… وهي مكتسبات يتعين، بالتأكيد، على الرئيس المقبل لموريتانيا، مهما كان انتماؤه السياسي، أن يحافظ عليها ويصونها. وهي بالتأكيد ما يأمل المواطن الموريتاني تعزيزه من خلال هذا الحوار، وما سيسفر عنه.

 

الأحدث