جدول المحتويات
ثم بعد أمَّة تأتي وتطلب الاطلاع عليها فلا تجد لها أثرا ولا ذكرا ولا عِلما ولا مبالاة… فذلك ما "يقصر العمر" ويدمر الفكر، ويفجر الشعور بالقهر والغيظ إلى أبعد الحدود!
وزارات ودوائر حكومية، وإدارات رسمية، ومؤسسات "علمية" ومدارس ومعاهد عليا وكليات… تبدأ كل يوم من الصفر وتنتهي إليه! لا وجود لمرجع سابق، ولا مجال لربطِ الماضي الدابر بالحاضر العاثر!
المفجع أن جميع هذه المؤسسات تقر في هيكلتها وتفتح في مبانيها إدارات وأقساما تسمى "الوثائق" أو "الأرشيف" أو "المحفوظات"، تكون غالبا متخمة بالعمال والعاملات.
ولكن لو طلبت الاطلاع على وثيقة ما، وحالفك الحظ لتقدير تاريخها ووصفها، فإن أمثلهم طريقة من يقودك إلى قبوٍ دفنت فيه، تحت أنقاض المتاع وطبقات الأتربة والغبار، أكوام من القمامة الورقية لا يُميَّز أولها من آخرها، ولا يجمع بينها سوى ذلك القبر القذر. أكوام لا يمكن أن يستفيد منها سوى الفئران والحشرات، أو من لهم عناية شديدة بجمع ورق القمامة لإطعام دواجنهم أو لفِّ أشيائهم الخفيفة. حتما سترضى من الغنيمة بالسلامة!
دع عنك العقود والقرارات والوثائق الإدارية ونحوها… واعمد إلى البحوث والمؤلفات والرسائل العلمية أو الجامعية التي تقدم كل سنة في المعاهد والمدارس العليا والجامعة العمومية… إنك تعد بحثا علميا أو تريد مرجعا أو معلومات موصوفة لك، أو حتى عناوين ترشدك إلى عدم تكرار نفس الموضوع… ستعثر على الفراغات المذهلة والاختفاءات المريبة والتكرار المرهق والفوضى المقرفة…
والآن إلى الجرائد والمجلات والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية، التي هي سجل الأحداث وشواهد الحياة ورصيد الإنتاج الإعلامي نفسه الذي لا غنى له عنه مع الزمن.
هناك ستعلم أن أحد المرشحين لوظيفة مثلا سجل تجربته الأولى على شريط يحوي تسجيلات نادرة لشخصيات وأحداث تاريخية… لأنه لم يجد شريطا جديدا؛ وما الفرق؟ المهم أن هذا شريط يصلح لإعادة التسجيل! وربما كان في طريقه إلى المزبلة!!
حدث هذا كثيرا حسب علمنا في الإذاعة، وهي الوعاء الوطني الأقدم، ثم ورثته ابنتها التلفزة.
وكأن هذا لا يكفي… فكثير من التسجيلات القيمة التي حظيت بالحفظ يوما في هاتين المؤسستين أتلفها مع الزمن سوء التداول وسوء التخزين، حتى تحللت وتقطعت من تلقاء نفسها، ولا يزال القليل الباقي منها عرضة لنفس المصير بسبب عدم العناية به وتحويله إلى أنماط الحفظ الرقمية الجديدة، حيث لا تتوفر الوسائل التقنية ولا الخبرة ولا الاهتمام بأي شيء من ذلك!
أما نشرات الوكالة وجريدة "الشعب" التي توزع على معظم دوائر الدولة، فإن أردت تتبعها لفترة تاريخية دون انقطاع أو تمزق، فعليك أن تحصل على تسهيلات دبلوماسية من إحدى السفارات الأجنبية في نواكشوط، للفوز بتسلسلها الكامل!!
قد يظن البعض أن الأمر يتعلق بالتكاليف المادية؛ وفعلا فإن تكاليف إنشاء أرشيف فعال، احترافي ومصنف، كبيرة جدا (وإن لم تبلغ معشار ما ينفق على النشاطات السياسية والتغطيات الحكومية ذات الأولوية الحصرية دائما!)، لكن عملية الحفظ والإنقاذ الأولية لا تكلف أكثر من الوعي والإرادة.
وعلى سبيل المثال فإن إنقاذ أرشيف جريدة الشعب اليومية منذ صدور عددها الأول في يوليو 1975 إلى الآن، بتحويلها إلى مادة رقمية بسيطة (ملفات وصور إلكترونية) لا يكلف أكثر من ماسح ضوئي (Scanner) قياس A3يتوفر في الأسواق بأقل من 100 ألف أوقية، وأقراص صلبة أو ضوئية بنفس المبلغ تقريبا أو أقل، وموظف يدرب على استخدامه في بضع ساعات!
ويسمى هذا مرحلة الإنقاذ الحيوية العاجلة. أما المرحلة المثالية فهي تبويب هذا الأرشيف وفرزه موضوعيا، ومعالجة صوره ورسومه، وبرمجته لعمليات البحث والتصنيف… وهذه تكلف وقتا وجهدا أكبر، وهي الأهم ولكنها قابلة للتأخير والتأني والتجزئة.
**
إن الإهمال الفظيع لعمليات الحفظ والتوثيق في سلوك الإدارة، والدولة عموما، ناتج بالدرجة الأولى عن التقصير والفوضىوية، وتجذر السلوك البدوي في الطبيعة الموريتانية. ولكن فيه ـ أيضا ـ للفساد وتلوث الذمة، يدا واضحة؛ حيث تؤدي المحاباة والوساطات في التوظيف إلى اكتتاب أشخاص لا كفاءة لهم ولا قدرة على أداء أي عمل، فيحالون للعمل في الأرشيف، حيث لا عمل البتة!!
كما أن بساطة التكاليف المادية لمهمات الأرشيف (عمل ذهني يعتمد على التصنيف والفرز والحفظ والاسترجاع) تجعله بلا مخصصات مادية، وبالتالي خارج "اهتمامات" المسيرين الإداريين والماليين!!