تخطى الى المحتوى

برنامج التحسين الوراثي الوطني.. تهديد لأرث طبيعي

جدول المحتويات

 

لا شك أن التحسين الوراثي خطوة هامة على طريق تنمية القطاع، فإيجاد سلالات وطنية متخصصة وعالية الإنتاج سيسمح بظهور أنماط إنتاج تكثيفية ضرورية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحليب، لكن ذلك المسار يجب أن يكون داخل مراكز البحوث ويحترم بروتكولات صارمة، وبعد خلق حوض إنتاج للأعلاف الخضراء، لكنه تم بطريقة ارتجالية وبدون هدف واضح، فالبرنامج يكتفي بتلقيح حيوانات المنمين دون أن يكون قادرا على تتبع مسار العملية مما يفقده القدرة على معرفة طبيعة النواتج وظروف العملية الإنتاجية فيما يشبه عملية نثر لمخزون وراثي وحسب.

 

إن السلالات المحلية متأقلمة مع نظام الانتجاع، وهي بالتالي تملك مخزونا وراثيا قادرا على التكيف مع الظروف البيئية القاسية وضعف مدخلات الإنتاج، كما أن أوزانها تسمح لها بسهولة الحركة وبالتالي تتبع الكلأ أينما وجد، لكن ماذا عن السلالات الجديدة فأوزانها ستكون عائقا وستقضي جوعا بسبب قلة الأعلاف المالئة خصوصا في الولايات الشرقية التي لا توجد فيها نواتج زراعية.

 

لم يفكر مخططو المشروع – إن وجدوا أصلا – في كيفية توفير الأعلاف للسلالات الجديدة، فهي يجب أن تكون موجهة لنظام إنتاج تكثيفي أو شبه تكثيفي، وهذا لن يتم قبل تطوير زراعة الأعلاف، وقد كان الأجدر إجراء انتخاب داخل سلالاتنا المحلية نفسها ما دام نظام الانتجاع هو السائد.

 

إن العبث بالمخزون الوراثي لسلالاتنا المحلية سيزيد من هشاشة نظام الانتجاع في ظل التغيرات المناخية، وقد يسبب كوارث لا تحمد عقباها، فهنالك بلدان تعض أصابعها اليوم ندما، لأنها وببساطة فرطت في مخزونها الوراثي، وهو عطب لا يمكن إصلاحه، ونرجو أن لا نكون مثلها خصوصا أننا نعتمد على هذا القطاع بشكل كبير.

 

من المؤسف أن تخلط وزارة البيطرة بين أرقام إنتاج تتوقعها، وبين الإنتاج الحقيقي للجيل الأول F1 فأربعة عشر لترا يوميا إنتاج متوقع لنظام تكثيفي لكنه مستحيل في ظل نظام إنتاج تقليدي، كما أن الوزارة لا تملك بيانات أو دراسة جادة عن ظروف الإنتاج أو حتى مصير تلك الأبقار، كما أن الحكم على نجاح البرنامج من الجيل الأول يعكس مدى الاستهتار فمن المعروف أن إنتاج الجيل الأول يتناقص كثيرا في الأجيال اللاحقة هذا إن افترضنا صحة أرقام الوزارة.

 

لتصحيح مسار هذا البرنامج لا بد من اتخاذ التدابير التالية:

 اقتصار البرنامج في مرحلته الأولى على البحث؛

– طلب مشورة منظمة الأغذية والزراعة؛

 اختيار أفراد السلالة المحلية بعناية بحيث نستخدم فقط الحيوانات ذات الإنتاج الأعظمي؛

 البدء بخلق حوض لإنتاج الأعلاف الخضراء؛

 اقتصار البرنامج على نمطي الإنتاج التكثيفي وشبه التكثيفي وفي مزارع معروفة؛

– إنشاء برنامج خاص بالانتخاب لنظام الانتجاع يقتصر على سلالتنا المحلية، بحيث نضمن أن التحسين لن يؤثر سلبا على مخزوننا الوراثي.

 

قد نتقبل على مضض هدر مليارات الأوقية في بناء مصنع لإنتاج الألبان، لكننا لن نغفر العبث بالمخزون الوراثي لماشيتنا، لأنه إرث طبيعي لا يقدر بثمن ولا يمكن إصلاح العيوب التي قد تلحق به، فالتنوع الجيني هو صمام أمان لثروتنا الحيوانية، لذلك على صناع القرار إعادة النظر في هذا البرنامج قبل فوات الأوان.  

 

الأحدث