تخطى الى المحتوى

في رحاب التراويح: "بين الحاكم والمحكوم"

جدول المحتويات

 

إنه هدى للناس إن هم أرادوا وقبلوا، للحكام والمحكومين والعلماء والمتعلمين والموسرين والمعدمين وهو هدى بَيّـِـنٌ لا تعقيد فيه ولا غموض، وفرقان كاشف لا لبس معه ولا ضلال .

 

مثلت هاتان الآيتان الكريمتان ميزان قسط في العلاقة بين الحكام والمحكومين تبين الواجبات والحقوق بدون محابات ولا حيْف وقد ذكرهما الله بعد عرض موجز لحال أهل الكتاب وتعطيلهم لأحكام الله وتحريفهم لكتبه فاشتروا بذلك الضلالة وضلوا السبيل وهم حريصون على لحاق أمة الاسلام بهم في سلوكم المنحرف، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ}.

 

إن العلاقة في الاسلام بين الحاكم ومحكومه علاقة عقد وميثاق تستوجب الوفاء والالتزام وحسن الرعاية والعناية دون استعلاء من حاكم ولا تمرد من محكوم،

 

والنظرة الصائبة إلى الحاكم في الإسلام أنه أجير الأمة وراع لمصالحها وهو بذلك أثقلها حملا في الدنيا وأعظمها حسابا في الآخرة وبذلك تحبه الأمة وتتولاه وعليه تعينه وتطيعه.

 

فهو راع يوليه صاحب الحق على القيام بأموره بمحض إرادته واختياره، لا سبيل إلى قهره وإجباره.

 

وينظر في الإسلام إلى المحكوم باعتباره سندا وعونا على الحق وظهيرا ونصيرا لأداء الأمانة وإقامة حكم العدل، وقد أوصى الله الجميع في هذه الآيات وبين حقوقه وواجباته فعلى على الحكام والمحكومين أن يطيعوا أوامر الله ويحفظوا وصاياه ويتعظوا بمواعظه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}.

 

والأمانات لفظ مستغرق للشأن العام كله فمن الأمانة كما بين النبي صلى الله عليه وسلم "أن يوسد الأمر إلى أهله".

 

فيجب على الحكام تولية أهل القوة والأمانة والحفظ والعلم في كل مجال ومن الأمانة مشورة الناس في أمرهم وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} وكل سيرته صلى الله عليه وسلم امتثال لذلك وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه "ما رأيت أحدا أكثر استشارة لاصحابه من محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه".

 

ومن الأمانة إيصال الحقوق المادية والمعنوية لذويها دون بخس أو تطفيف ولا منَّةٍ ولا ذلة، دون أن يحابي مواليا أو يجافي معارضا أو يجاري هوى.

 

والأمانة في مجملها رعاية المصلحة والقيام بها على أكمل وجه.

 

{وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}.

 

الحكم بالعدل داخل في أداء الأمانة لكن العطف هنا للإبراز والاهتمام وإظهار العناية والرعاية والحاكم في الأمة حارس لهذه القيمة وقَيِّمٌ عليها.

 

والعدل اسم من أسماء الله تعالى وأولى العدل العدل في تطبيق العدل وأن يظل ميزان القسط منتصبا في الحكم لا يتأرجح مع القرب أو البعد أو الحب أو البغض.

 

والمقام يقتضي استجلاب التطبيق من الأسوة الحسنة محمد صلى الله عليه وسلم:

 

نماذج من العدل النبوي

العدل في تطبيق الأحكام والقوانين ومن أمثلة ذلك:

·   قصة المخزومية التي سرقت فأرادت قريش أن تحافظ على شرفها أو سمعتها وأرادت أن تثني النبي صلى الله عليه وسلم عن قطع يدها واستشفعت بالحِّب رضوان الله عليه وعلى أبيه وله ولأبيه منزلة محمودة وشفاعة معهودة عند النبي صلى الله عليه وسلم رشحته قريش بها (وهل يجترئ عليه إلا أسامة) لكن النبي صلى الله عليه وسلم استنكر شفاعته قائلا "يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها".

·   ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقرر معالم الإسلام ويهدم مظالم الجاهلية كان التطبيق يبدأ بالأهل الكرام عليهم رضوان فيهدر مال العباس ودم بن عبد مناف فقال: (وكل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دم ابن ربيعة بن الحارث وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) رواه مسلم من حديث جابر في صفة حجة الوداع.

·   ويخلد القرآن في هذه السورة وفي هذا الجزء قصة الانتصاف من الأنصار الموالين والمؤوين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين وصفهم بأنهم (شعار والناس دثار).

 

والانتصار لليهود الكائدين الماكرين

سرق أنصاري بالمدينة وأصبح الناس يتحدثون بسرقته فأخذ الدقيق المسروق ورماه ببيت يهودي وأًصبح أثر الدقيق باديا دالا على سرقة اليهودي فجاء الأنصار يريدون من رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرئة ابنهم وتجريم اليهودي ومال النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر إلى قولهم للقرائن الدالة عليه، لكن نزل القرآن يعصم النبي صلى الله عليه وسلم من تبرئة السارق ورمي البريء وقرر في ذلك من أخلاق الاسلام وكمال الدين ما لا سبيل للبشر إليه بدون الوحي المنزل فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}.

 

ووصف السارق فقال: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}.

 

وخاطب الأنصار حين دافعوا عن ابنهم بالباطل فقال: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا}.

 

وبين طريقة النجاة من الخطأ وتدارك الإثم وسبيل الخلاص فقال: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}.

 

فلا نجاة إلا بالتوبة والرجوع وأما رمي البريء فهو استمرار في الخطأ وإصرار على الذنب {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.

 

ثم امتن على رسوله وحبيبه ومصطفاه ومجتباه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}.

 

وفي هذا الجزء من هذه السورة نقرأ قول الله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.

 

وهذا في العدل مع النفس والقريب.

 

وفي السورة الموالية نقرأ قوله تعالى: {يأيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ } وهذا في العدل مع البعيد.

 

موعظة الله للحكام

"إن الله نعما يعظكم به "

وفي ذلك تذكير بقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

 

وما أجدر موعظة الله بالتذكير فنعمت الموعظة والعجب من نفر من الوعاظ يبالغون في وعظ الأمة وتخويفها من الفتنة ولا يعظون الحكام بموعظة الله ولا يذكرونه بحكم الحكيم ورقابة الرقيب جل جلاله.

 

ثم هدد الله الحكام باطلاعه ورقابته إذا هم خانوا الأمانة وحكموا بالظلم "إن الله كان سميعا بصير".

 

واجب المحكومين

بعد هذا الخطاب والبيان لواجبات الحكام خاطب الله المحكومين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}.

 

فيجب على الأمة أن تطيع الإمام العدل فتعين الأمين على أداء الامانة والعدل على إقامة العدل فيصلح بذلك حالها ويستقر أمرها.

 

وهنا جاءت طاعة الإمام تبعا لطاعة الله ورسوله فتبين أن طاعته طاعة منفذ للأمر لا منشئ له فإذا خالف المنفذ (الحاكم) طاعة الآمر (الله ورسوله) كان أمره يستحق المخالفة جزاء وفاقا لخروجه عن دائرة اختصاصه.

 

وكان الصحابة يفقهون ذلك جيدا ويبينون أن طاعة الحكام حق لهم يستحقونه بأداء واجبهم في أداء الأمانة وحكم العدل وقد قال ابن جرير الطبري حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد قال، قال علي رضي الله عنه كلماتٍ أصاب فيهن: "حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنـزل الله، وأن يؤدِّيَ الأمانة، وإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا".

 

فليست الطاعة في فقه علي رضي الله عنه تبعية ينتزعها مُتَغلِب ٌ من مُـتَغَلبٍ عليه وهو برر قتاله لمعاوية رضي الله عنه (بأنهم قوم يريدون أن يسنوا بالمسلمين سنة الأكاسرة).

 

 وإنما هي عون على طاعة الله ورسوله ومشاركة إيجابية في أداء الأمانة وإقامة العدل يراعى فيها مصالح الأمة وإقامة دينها لا حظ فيها لهوى الحاكم ونزعاته فاستحقت بذلك أن يضحي المحكوم في سبيلها فيطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره (وأثرة عليه أحيانا).

 

والواقع أنها ليست بتضحية وإنما هي إيثار لمصلحته الكبرى التي هو فيها جزء من الأمة على مصلحته الصغرى التي هو فيها فرد عن الأمة فليفهم ذلك من ظنها هدرا لمصلحة الافراد مقابل مصلحة الحكام فليس الحاكم في رعاية مصالحه الخاصة إلا فردا من أفراد الأمة.

 

الفصل بين الحكام والمحكومين

من شأن كل متعاقدين الخصام والنزاع في إثبات أصل الحق وفي التمكن منه وهنا بَينَ الله تعالى للحكام والمحكومين إذا اختلفوا أن يرجعوا إلى الله أي إلى كتابه والرسول أي إلى سنته القولية وسيرته في ممارسة الحكم و تطبيق الكتاب فقال جل وعلا {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.

 

أي عاقبة في الدنيا بتحقيق المقاصد ودرء المفاسد وحسن المآب، وذكرهم أن الاستنكاف عن هذا العود المحمود شأن اليهود والمنافقين  {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}.

 

وأقسم بانتفاء الإيمان حين لا يقع الاستسلام الكامل لذلك التحكيم فقال {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

 

وعند الحاجة إلى فهم الكتاب والسنة يعاد إلى العلماء المتقين العاملين بالشرع المبتغين مرضاة المُشَرّعِ جل جلاله {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا}.

 

ممن لا يراعون أجر السلاطين ولا ذكر الجماهير {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

 

 نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يصلح شأن المسلمين أجمعين وأن يهديهم حكاما ومحكومين.

الأحدث