تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

استفادت الدولة من هذا الإهمال بسهولةِ الاستيلاء المطلق على الشواطئ والأعماق، فأنشات شركات للصيد وباعت رخصه لسفن المصائد العالمية بدون أي منغصات.

 

وفي البداية ركزت الدولة على "تأسيس" هذا القطاع وتثمينه من خلال الحماية والتشريع والتكوين المهني ومؤازرة الصيادين التقليديين القلائل جدا.

 

لكن بعد "سقوط الدولة" سنة 1978م تساقطت الحماية. ثم تنبهت السلطات الحاكمة والمقربون منها إلى أهمية هذا "الكنز" الطبيعي، فاستجابوا لإغراءات عائداته النقدية السريعة، عبر بيع الرخص و"الشراكات" الوهمية القائمة على السمسرة والعمولات المباشرة في الحسابات الأجنبية…

 

ولم ينته عقد الثمانينيات حتى أفلست واختفت كافة الاستثمارات العمومية، بل والخصوصية الجادة. واختفت البرامج الوطنية في هذا القطاع، مفسحة المجال لأسماك القرش البرية (البشرية) التي نمت وأثـْـرت بمعاونة الطبقات العليا من السلطة وحلفائها السياسيين المتمرسين في احتناك قادة تقلباتها وانقلاباتها…

 

أصبح قطاع الصيد في النهاية "منهبة" للأجانب، يجرفون خيراته؛ إما سرقة محضة وإما بخضوع ظاهري وتعويضات "رسمية" هزيلة للسلطة، تغطي أنشطة غير مقيدة وغير شرعية في الغالب!

 

وقد أظهرت التجارب والنتائج، أن "الفاعلين" في السلطة المعنيين بـ"حماية" هذا القطاع يشجعون عمليات النهب والقرصنة، لأن عائدات الغرامات وبابها الواسع عليهم تفوق بكثير عائدات الجباية القانونية!! كما أن القطاع بلغ في الفساد حد الأذقان، ولم يعد لـ"الأسماك الصغيرة" فيه خيار غير مسايرة وتملق الأسماك الكبيرة الفتاكه!

**

النتائج كانت مدمرة. فمع تزايد وعي السكان بالأهمية الغذائية والاقتصادية للحوم البيضاء، وازدياد حاجتهم إليها بسبب هلاك الثروة الحيوانية، ارتفعت أسعار السمك حتى إعجاز معظم الناس (وأصبح لذلك عائد سياسي على غرار دكاكين أمل!) وشح المعروض منه، واختفت منه أصناف بعينها من الأسواق المحلية.

 

أما مصائد السمك التقليدية ذات الوفرة التاريخية فلم يكن حالها أقل بؤسا. فقد اتخذتها السلطات "مصيدة" لتبرير تدخلاتها الخرقاء في القطاع، ولجمع التمويلات الأجنبية؛ دون أن تستطيع تغيير حالة الصيادين التقليديين: من مجموعات صغيرة تصطاد السمك لقمةً للعيش اليومي فقط، إلى مجمعات صناعية أو شبه صناعية للإنتاج والتصدير، أو على الأقل لكفاية السوق الداخلي المتنامي!

 

وتُظهر إحصائيات الاتحاد الأوروبي، الذي ظل أكبر شريك "شرعي" في الظاهر، أنه قدم للسلطات الموريتانية على مدى الـ25 سنة الماضية أكثر من مليار أورو (زهاء 385 مليار أوقية) موجهة في معظمها لترقية قطاع الصيد المحلي، لكن بدلا من أن يظهر ذلك عليه يبدو اليوم في أسوأ حال، سواء من حيث المعدات والوسائل أو من حيث الإنتاج الذي ترك الناهبون، المدججون بأسلحة صيد الدمار الشامل، مجالَه قاعا صفصفا.

 

وبالإضافة إلى ذلك حاول اليابانيون، والكوريون الجنوبيون أحيانا، تقديم مساعدات تستهدف قطاع الصيد التقليدي… لكن لم تكن أحسن حظا!

 

أما الصينيون والروس والأوروبيون الشرقيون عموما… فهم متخصصون في النهب والضرب دون رحمة، ولكنهم أكثر تعاونا خارج القانون، ولذلك يجدون لدينا من يفضلهم!

 

الأحدث