جدول المحتويات
وقد بلغ الغش المدرسي مستويات كبيرة بتشجيع من الأهالي وتمالئ بل ومشاركة أحيانا من المراقبين حتى قَدًرَ أحد المهتمين بالشأن التعليمي النسبة المئوية للناجحين عن طريق الغش المدرسي بأنها تخطت حاجز وعتبة الرقمين (La barre de deux chiffres/Double Digits) من مجموع الناجحين في الشهادات الوطنية وقد أشار بعض الدارسين للظاهرة إلى أن تلك النسبة هي من باب أقل التقدير وأنها تُخفي تباينات معتبرة حسب شُعَبِ الباكوريا مثلا ومراكز الامتحان..!!
أما بخصوص تسريب مواضيع الامتحانات فهو نوعان واسع ومحدود فإذا كان التسريب واسع الانتشار قد انحسر شيئا ما بفعل محاربته بإلغاء الامتحانات موضوع التسريب غالبا فإن ألسنة جميع الموريتانيين تقريبا رَطِبَةٌ من الحديث عن التسريب المحدود لمواضيع الامتحانات لصالح بعض "أبناء البَطًةِ البَيْضَاءِ" (Les Fils de la Poule Blanche) الذين يدفع آباؤهم "نفقات سخية" و"هدايا سنية" من أجل تجاوزهم حاجز الامتحانات بل وتصدرهم قوائم الناجحين.!!
أما ثالث معاول تدمير مصداقية الشهادات الوطنية فهو "المحسوبية المزعجة" في التصحيح والتقييم حيث يكثر الحديث عن منح بعض المصححين درجات مرتفعة لبعض "المُمْتَحَنِينَ المحظوظين" بعد بذل جهد معتبر في التعرف على خطهم أو "رقمهم الوهمي" كما يتداول على نطاق واسع نبأُ التباين الكبير بين العلامات والدرجات التي يمنحها أحيانا المصححون الثلاثة للورقة الامتحانية الواحدة مما يدل على أن بعض العلامات كانت بفعل المحاباة والمحسوبية والكليانية…!!
وغير خاف الأثر السلبي لتفشي ظواهر الغش والتسريب والمحسوبية على مصداقية الشهادات الوطنية التي يتندر البعض بأنها أضحت "تشهد على تزوير بعض حاملي أسفارها" أكثر مما تشهد على كفاءتهم واستحقاقهم "كما أن استمراء تلك الظواهر أدى إلى انحطاط سمعة المخرجات المدرسية والمدخلات الجامعية ببلادنا حتى وصل الأمر حدا أضحى معه أساتذة الجامعة لا يستنكفون عن إعطاء علامة صفر (0/20) لبعض الطلاب مشفعين ذلك بتقارير تستغرب دخولهم الجامعة وهم عاجزون عن مبادئ الكتابة والقراءة.!!
ولئن كنت قد ركزت لضرورة منهجية في تفسير ظواهر الغش والتسريب والمحسوبية في التصحيح على التعليم ما قبل الجامعي فإن ذلك لا يعني مطلقا أن التعليم العالي والجامعي العمومي منه و الخصوصي و(المختلط) خال من تلك الظواهر بل هي أوسع تداولا وانتشارا وأكثر أشكالا وأنماطا وأقل حياء ووقارا… ويتطلب الحديث عنها – تشخيصا واقتراحا للحلول – زادا من المعلومات والمقارنات لا يتسع له "الحيز المألوف التعاقدي ضمنيا مع القراء" لهذه الكلمات القصيرة القاصرة.
ولقد سرني كثيرا نبأ اتخاذ وزارة التهذيب الوطني هذا العام جملة من الإجراءات الاحتياطية من أجل محاربة الغش والتسريب وأملي كبير في أن يوفق معالي وزير التهذيب الوطني ومعاونوه في تحقيق هدف "الغش المدرسي صفر" هذه السنة و أن يشفع ذلك بإجراءات أخرى صارمة من أجل تنظيف وتطهير عمليات التصحيح والتقييم من كل مظاهر ورواسب المحسوبية والكليانية والمركنتالية حتى يحتفل الموريتانيون لأول مرة بعام دراسي خال من ثالوث التسريب والغش والمحسوبية.
ونظرا لحجم الغش والتسريب والمحسوبية الملاحظ على المستويين ما قبل الجامعي والجامعي وسعيا إلى استعادة مصداقية وتنافسية الشهادات الوطنية ودرءا للمفاسد العديدة المترتبة على تمييع وابتذال الامتحانات الوطنية فلعله من الأنسب اعتماد أحد اقتراحين أولهما توسيع صلاحيات اللجنة الوطنية للمسابقات – حسنة الرصيد في الاستقامة والمهنية – لتشمل ملف الامتحانات الوطنية.
وثاني الاقتراحين هو استحداث "سلطة إدارية مستقلة" (Autorité Administrative Indépendante ) عبر ترفيع المديرية العامة الحالية للامتحانات إلى مستوى "سلطة وطنية" أو "لجنة مستقلة" تتمتع بصلاحيات قانونية واسعة وتشجيعات مالية معتبرة مكلفة بضمان طهارة ونظافة ومصداقية الامتحانات الوطنية (ختم الابتدائية، ختم الإعدادية، الباكلوريا، الامتحان الأخير لليصانص، الامتحان الأخير للماستر).