جدول المحتويات
حسب أحوال الزمان والمكان وطَــوْل المحسنين من المؤمنين، الذين اختصهم الله بعمارتها دون المشركين.
وما كان هَدمُ بنايات البيت الحرام والمسجد النبوي، وغيرهما من مساجد العهد النبوي وما يليه، وإعادة بنائها بعمارة أحسن وأفخم وأجمل؛ واستحسان الصحابة والتابعين وسائر علماء السلف لذلك، إلا شاهدا على أهمية حسن عمارة المساجد التي أثنى عليها الله تعالى في كتابه، دون ذكر بنائها ابتداء، إلا ما جاء من تشريف وتعظيم تأسيسها على التقوى المقرون بحب الطهارة. وأني لمن هم فيها يحبون أن يتطهروا، بتحقيق ذلك إن كانت بلا مرافق ولا ماء طهور؟ وكيف نؤمر بأخذ الزينة عندها ثم "نقبحها" هي بالإهمال وحتى "التلويث"؟
بل جاء التصريح بتطهير وتنزيه بيت الله ـ من الأرجاس المعنوية كالأصنام، والحسية كسائر الأنجاس والمستقذرات ـ في العهد إلى أبي الأنبياء (إبراهيم) وابنه (إسماعيل) ـ عليهم السلام ـ ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ كما في البقرة، ثم جاء الأمر كذلك لإبراهيم، في سورة الحج (26) معطوفا على عدم الشرك بالله!
ثم إن المولى عز وجل شدد الوعيد على أكثر الناس ظلما وهم الذين يمنعون مساجده من العمارة (بجميع معانيها) ويسعون في خرابها.
وأي بيت ـ بربكم أجدر ـ بالخدمة والعناية والتكريم من بيوت الله؟ وأي عبادة أحق بالتعظيم من الصلاة؛ وما بنيت المساجد لغيرها؟
ثم إلى أي شيء غير "الخراب" يمكن أن ننسب تساقط السطوح، وتفسخ الجدران وتآكل، الأبواب، وانخلاع النوافذ، وانعدام الإنارة والتهوية، و"احتلال" العناكب والحشرات للزوايا والسقوف والمناكب، وانتشار القذارة والأتربة، واهتراء الأرضيات والأفرشة…؟!
عجيبة هذه الثقافة البدائية والإحسان الأعرج، بتشييد المساجد لله، دون الوفاء بمتطلباتها ومصالحها، ثم التخلي عنها ورميها للضياع والخراب، حتى ليؤدي المؤمن الصلاة في بعضها، حابسا نفسه!! وغالب الحال أنه لا يتمكن من أدائها فيها أصلا بسبب استحالة تحقيق شرطها الأساسي هناك وهو الطهارة.
فيا أيها المحسنون الذين تبنون المساجد ابتغاء وجه الله، ويا من "تتوسطون" لحمل المحسنين على ذلك انصحوا لله وانصحوهم هم وبينوا لهم، واعلموا جميعا أن أجر رعاية مسجد وترتيب عامل أو عمال للقيام على خدمته وتسيير مرافق طهارة رواده ووضوئهم وضمان نظافته… ليس اقل أجرا ولا أدنى ثوابا عند الله من بناء مسجد أربعة جدران ابتداء؛ ولاسيما مع كثرة المساجد ـ ولله الحمد ـ وندرة تجهيزها وعموم خلوها من أماكن الطهارة والوضوء.وهي نواقص ـ حسب علمي ـ خاصة بمساجد بلادنا مع الأسف!فكيف نرضى بهذه الخصوصية الدونية ونحن نتبجح بأننا أهل الدين والعلم؟!
ومن المؤسف، بل المفجع، أنك كلما أبديت هذه الملاحظات لأحدهم، مستغربا حالة النقص والإهمال والضياع لهذه المساجد، يقول لك ببساطة: الوسطاء لا يهمهم إلا تشييد بناية "يربحون" من طوبها وصفقات بنائها وينتهي الأمر. أما الباقي فمسؤولية وخدمات لا يظنون أن فيها كسبا ماديا عاجلا، وأما الكسب الآجل الأهم فليس لهم من الهم!
قلت ـ ولا شأن لي ـ : الأمر أصبح فرض عين. ومع ذلك لم أجد خطيب جمعة ولا إمام مسجد ولا ملقي تذكرة ولا محاضرا فيه… يؤرقه هذا الأمر ويتحدث عنه!!
معظم الدول الإسلامية حلت هذه المشكلة بعدم الترخيص أو القبول ببناء أي مسجد ما لم يزود بمرافق صحية ومواضئ ومياه جارية وكهرباء سارية. والجامع (الذي تقام فيه الجمعة) يكون فوق ذلك ملحقا به سكن للإمام وسكن للمؤذن. أما رعاية المسجد وخدمة نظافته ورعايته وتسيير مرافقه فتتولاها وزارة الأوقاف أو الشؤون الإسلامية مباشرة بموظف أو أكثر مكتتبين على نفقة الدولة عمالا رسميين. فهل هي "خسارة" للدولة أن تخصص لبيوت الله بعضا من جيوش عمالها الذين يتقاضون رواتبهم في بطالة مقنعة؟؟!! ولاحظوا أن الدولة قد أعفت نفسها أصلا من واجب بناء المساجد ابتداء، إلا ما يكون للدعاية والعياذ بالله. فهل تبخل برعايتها أيضا إذا استوفت الشروط، أم سترهن ذلك "بتأميمها" المستحيل أصلا؟!