تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

*
رأيت أن السيد الرئيس قد استدعى على عجل مستشاره السيد حميده. فلما حضر انفرد به وطلب منه أن يتوجه فورا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقال له:


– "أريد أن تقابل السيد مارك زوكي… هو اسم؟ صاحب الفيس بوك"؟ 
قال المستشار: مارك، مارك زوكربيرغ.
قال الرئيس: المهم نريد أن نشتري منه الفيس بوك كاملا: الموقع والشركة.
صاح المستشار: واو وو! يا لها من فكرة عبقرية؛ سيكون ذلك إنجازا رائعا… أن نمتلك إدارة اضخم موقع للتواصل الاجتماعي. لو امتلكنا هذا الموقع الكوني سنسحق الخصوم ، سنؤجر ونستثمر ونحذف، ونراقب كيف نشاء؛ من هنا، من نواكشوط…
ثم استدرك: ولكن سيدي الرئيس كيف ذلك؟ هذا الموقع تناهز قيمته مائة مليار، أو أكثر…


قاطعه الرئيس: ليست هناك مشكلة. لدينا فائض 19 مليار في البنك المركزي نعطيها له والباقي سندفعه له "نمروات" في التخطيط الجديد قرب مطار أم التونسي؛ إنها منطقة مهمة… وإذا لم ترضه سأطلب من وزير المالية أن يختار له مناطق مناسبة على شارع المختار ولد داداه، أو حتى بعض المناطق على شارع جمال عبد الناصر مثل ما كانوا يسمونه "المربعات الخضراء" بين مجلس الشيوخ والمجموعة الحضرية. هذه مساحات كان المفسدون يريدون جعلها حدائق. وأنت تعلم أن الإسمنت أقوى وأنفع من الزهور والورود وذلك النوع الذي لا مردود له!


قال المستشار: بالتأكيد سيدي الرئيس… نظرة استراتيجية و…
قاطعه الرئيس: اسمع: لدي فكرة طازجة: انواذيبو! انواذيبو حيث المنطقة الحرة والاستثمار. فاوِضْه على أرض مطار نواذيبو القديم كلها، لأننا ندرس بناء مطار جديد خارج المدينة… أعرض عليه ذلك.
(أنا هنا بصراحة لم أدر لما ذا لم ينبه المستشار رئيسه على أن المليارات من الدولار وليست من الأوقية، لعله سها أو لعله لا يريد تعكير مزاج سيده وإفساد الصفقة!).


المهم أن المستشار ركب في أول رحلة لـ"أير فرانص" قاصدا الولايات المتحدة. وهناك التقى بالسيد مارك زوكربيرغ في مقهى على شارع بنسلفانيا قرب البيت الأبيض.


بدأه مارك مرحبا: هاي مستر حميده: ما ذا جاء بك هذه المرة (كأنه سبق لهما لقاء)؟ نحن لا نبيع برمجيات المراقبة والتصنت، لكن يمكنني أن أدلك على فاعل يمتهن هذه البرمجيات له علاقة بشركة Symantec صاحبة برمجيات نورتون المشهورة.


قال له المستشار: مهلا، على رسلك! ما لهذا جئت، ولعلك تتجسس على بعض المدونين في موريتانيا من الذين يتقولون علي الأقاويل؟


أنا عبَرت الأطلسي حاملا لك صفقة العمر! باختصار جئت لأشتري منك موقع "فيس بوك" بما فيه! ما رأيك؟


قال مارك، دون أن يبدو عليه الاستغراب أو الدهشة: شكرا، هذا جيد. هنا كل شيء يباع فعلا. ما هو العرض وما هي الشروط؟


قال المستشار، وقد رشف من كأسه المترعة: تعْلم أن عاصمتنا نواكشوط، قد بيعت معظم الأراضي والمباني المهمة تجاريا فيها. ولكن العاصمة الاقتصادية مقبلة على نهضة استثمار تقوده "المنطقة الحرة"، وننوي نقل المطار بعيدا عن المدينة ليتسنى بيع أرضه، وها هي بين يديك مقابل شركة "فيس بوك". ما قولك؟

 

اعتدل مارك، ليبتعد عن مسار دخان سجائر المستشار (والعهدة على الشيطان؛ فلست أدري هل يدخن أصلا) وقال له: وما حجم أرض المطار وما هي المنشآت الموجودة فيه؟ 


أجاب المستشار: مدرج كبير ومبنى ركاب وبرج ومنشآت ملاحة جوية… ولكن المهم هو الأرض نفسها وموقعها الممتاز يمكنكم بيعها بيوتا أو دكاكين وتأجيرها للمنطقة الحرة، وأنا شخصيا سأساعدكم في ذلك، أعدك! وسأودعك سرا مؤقتا: وهو أن الرئيس يتولى شخصيا الإشراف على هذه الصفقة ويقدر تفاهمكم وسيصدر أوامر صارمة بتسهيل أموركم في البلد.لا تقلق، لدينا خبرة في المجال!.


بدا الرئيس التنفيذي لفيس بوك وقد آنس الفكرة، وكأنه يفكر بجد في الموضوع، ثم قال: أخشى أن هذا الثمن لا يفي بالغرض، فاليوم ارتفعت أسهم "فيس بوك" في البورصة بمائة نقطة تقريبا.


قال المستشار، وهو يحاول إخفاء طربه: اسمع العرض الأفضل: ستدفع لك خزينة الدولة الموريتانية عشرة مليارات أوقية نقدا مع كامل أرض مطار نواذيبو. ما قولك؟


بدا مارك وكأنه على وشك الموافقة، فبادره المستشار قائلا: حسنا كما تعلم فإن "البسنيس هو البسنيس" وأظنكم هنا في الولايات المتحدة تقدرون جهود الوسطاء المخلصين… نحن لدينا أصدقاء ومشترون في الصين وإيطاليا وأماكن أخرى ربما قرأت عنها في بعض التدوينات… ولكنني شخصيا تدخلت لأوثركم بهذه الصفقة الحكومية.


قال مارك: بالطبع، طبعا: ذلك مفهوم، لا توجد مشكلة… لكن لدي فكرة أخرى قد تكون أفضل.
قال المستشار بحماس شديد: هات ما عندك، سيد مارك.


قال له مارك زوكربيرغ: انظر. أنتم أهل شنقيط معروفون بالعلم والفصاحة وكان الفتى فيكم يُعير باللحن ويُرد بالعياية. وأنا سأبيعكم شركة "فيس بوك" وموقعها بحذافيره مقابل ثمن من نوع آخر يناسبكم أكثر: إنه ليس نقودا ولا أراضي ولا دكاكين: إنه عبارة عن شرطين اثنين فقط لا أكثر، وفي المقابل لن تدفعوا دولارا وحدا، ولا حتى أوقية، ويصبح "الفيس بوك" خالصا لكم!!


سأل المستشار في تشوق باد: شرطان، دون دفع مال؟ واصل، أرجوك.


الأول: أن يُقرِئني رئيسكم شخصيا "كتبة" من لامية الأفعال؛ من قول الحسن بن زين الشنقيطي في احمراره:


*واجْنَأْ على الفَتْح إن كَسْرٌ يُصَاحِبُهُ ** في عَيْنِ مَاضٍ ولا تَطلُب بِه بَدَلا*
إلى قول ابن مالك في ضمير الثلاثي الأجوف:
*وانْقُل لِفَاءِ الثُّلاثِي شَكْلَ عَيْنٍ إذا اعْــ** ــتَلَّتْ وكَانَ بِتَا الإضْمَارِ مُتَّصِلا*
* أوْ نُونِه وإذا فَتْحًا يَكُونُ فَمِنْـــ ** ــهُ اعْتَضْ بِجَانِبِ تِلْكَ العَينِ مُنْتَقِلا *


إنها عشرة أبيات فقط؛ "كتبة" طالب متوسط. أريد فخامته شخصيا أن يشرحها لي حتى استوعبها. ولا تقلق، فلم أكن يوما أقل الطلاب ذكاء!


ثم أضاف: هذا هو الجزء الأول من ثمن الصفقة. أما الشرط الثاني فهو أن أحضر مهرجانا شعبيا رئاسيا، استمع فيه مباشرة، أو بواسطة دائرة فيديو مغلقة، إلى خطاب للسيد الرئيس لا تقل مدته عن 50 دقيقة لا ينطق فيه حرف الدال (د) من الأبجدية العربية البتة!


هذا هو الثمن. عزيزي حميده. المقابلة انتهت، ولا تنس أن تدفع حساب المقهى من فضلك!


خرج مارك زوكربيرغ وترك المستشار حائرا وقد أُسقط في يده… ثم قال في نفسه: يبدو الثمن صعبا ولكنه ليس مستحيلا!


توجه المستشار مباشرة إلى المطار قافلا إلى نواكشوط. ولم يضيع وقتا. وقد وجد الرئيس في شوق وانتظار.


وأخذ يقص عليه أخبار الصفقة، وكيف استطاع بحنكة أن يجتمع بواحد من أشهر وأهم رجال الولايات المتحدة خلال ثوان من وصوله، وكيف شرح له السياسة الحكيمة التي يرسمها رئيس الجمهورية…
قاطعه الرئيس قائلا في حزم: "خل عني لمراد واقولي ششتركت امع اصويد"؟!


فلما قص عليه الشروط والثمن المطلوب لتملك "الفيس بوك"، امتقع لون الرئيس واستاء من هذا العرض الغريب… وقال للمستشار: كيف نتدبر الأمر؟ ولا تضيع منا هذه الصفقة؟


فقال المستشار: الأمر ممكن، أرى أن مسألة الخطاب سهلة جدا، سنستدعي المستشار الكنتي ليساعدكم في مسالة تجاوز حرف الدال…


فقاطعه الرئيس: "لا لا، ذاك ما يعرف ماه صطرات من الكتاب الأخضر إعَيب بيها ولد اددو. أُلا نبغيه كاع يعلم بهذا. لو كان ما وصاني اعليه ذاك المرحوم (لعله القذافي؟) ما يطرح كراعه في الرئاسة". 
ثم أردف متذكرا: "كافيني الشاعر ولد الطالب، موجود امستفرغ! اندور انعيطلو". 


ثم استدرك الرئيس: ولكن ما العمل بشأن الشرط الآخر: "تعليم ذا النصراني لامية الأفعال"؟! وضحك الرئيس حتى بدت نواجذه وقال موضحا: "آن ما نعرفها أو النصراني ما قط اسمع حرف من العربية، ذاك ظاهرلي عن صعيب"؟!


قال المستشار وقد ارتاح لما بدا له إشراقا في وجه الرئيس: المسألة سهلة. ما رأيكم في أن نكلف رئيس الحزب، بتدريس هذ "الكتبة " من اللامية؟


قال الرئيس وقد عاوده التهجم: "لا لا، خليني من ولد محم واحْزيْبه، داحسيني. ابحث لي عن شخص آخر يمكنه أن يدرسني هذه "المشكلة" حتى أستوعبها تماما".


فقال المستشار بعد تفكير وتردد: ولد اددوا يستطيع ذلك!
قال الرئيس، وكأنه لم يسمعه: من، ما ذا قلت؟
أجاب المستشار: لا شيء. لدينا كثير من "أبناء الزوايا" يستطيعون ذلك.
فقال الرئيس: أوَلستَ منهم؟ هل تستطيع؟


فأجاب: بلي، ولكني لم أدرس اللامية، إن ثقافتي "تقنية" كما تعلم. وكل ما أعرفه أن الأمر يتعلق بمباحث لغوية في غاية التعقيد والغرابة… وما يحيرني فعلا كيف اختار مارك زوكربيرغ هذا الثمن الغريب وأصر عليه إصرارا؟!


نهض الرئيس والحيرة بادية عليه وقال: "أطيرو انْصيريني افيسد اتوف… ماه ش، ظاهر من الحال ألا عنو جاسوس للمعارضة". ونطق الضاد فصيحا واضحا من مخرجه الصحيح. فخرَّ المستشار حميده ساجدا!!
فقال الرئيس: ما ذا تصلي الآن؟
رفع المستشار رأسه من سجدة الشكر مستبشرا ضاحكا وقال: شكرا سيدي الرئيس لقد حصلنا على نصف ثمن "الفيس بوك"، ولم يبق إلا النصف!


ثم أوضح، وقد شعر ببعض الحرج: أعتقد أن النصراني يعول على أنكم لا تستطيعون أحيانا نطق الضاد إلا دالاً…"إنه مقصور عمر"! ولكن بحمد الله ها أنتم نطقتم الضاد كما ينطقه فصحاء العرب الأقحاح ولا غرو. 


وأردف: لم يبق إلا مسألة اللامية… وسنبحث عن خبير بها؛ لدينا علماء كثر في الأغلبية يعرفون تلك التعقيدات اللغوية.


ثم استخلص قائلا: السيد الرئيس أعتقد أننا على وشك السيطرة على أقوى موقع على الانترنت في العالم. سنمتلك شركة "الفيس بوك" ونستثمر أموالها ونراقب من خلالها، و"نحظر" كل المصطادين في المياه العكرة، وخاصة في بلدنا.
*
هنا استيقظت فزعا، وبادرت جهازي لأتحسس صفحتي، وقد أيقنت أنها حذفت!

 

الأحدث