جدول المحتويات
قضية المصلحة الجيوستراتيجية:
حقيقة أن القوات المسلحة السورية مجهزة بالأسلحة الروسية هو بلا شك مهم جدا بالنسبة للصناعة العسكرية الروسية. وقاعدتها البحرية في طرطوس (في سوريا) هي المنفذ الوحيد إلى البحر الأبيض المتوسط للقوات البحرية الروسية، وهي أهم من القضية الأولى. وتشكل قضية نقل النفط عبر خطوط الأنابيب أيضا واحدة من أسباب استماتة روسيا في سوريا على أنها على مفترق طرق استراتيجي يمكن من خلاله مرور أنابيب النفط والغاز القادمة من دول الخليج.
وهو احتمال يطرح إمكانية النظر في تهميش مبرمج للغاز الروسي لصالح الغاز القطري ليتم تصديره باتجاه الاتحاد الأوروبي، الكيان الأول المستهلك للطاقة في العالم. ومن هنا يأتي تعنت المملكة العربية السعودية وقطر اللتين تسعيان ومهما كلف الثمن إلى تغيير نظام بشار الأسد وفرض نظام آخر تحت نفوذهما، بعيدا عن المحور الروسي- الإيراني والذي لن يجد أية صعوبة في تحويل أراضيه إلى منطقة أو طريق دولي للنقل البري للمحروقات مرورا عبر كل البلاد، و لن يكون له عليها إلا سيادة ضئيلة، وبالتالي لا يمكنه القيام في محيط هده الطريق بأي نشاط تنمية اقتصادية.
لذلك، فإنهما لما وجدتا في هذه الأزمة '' الحجر الذي يصيب عصفورين"، حشدت المملكة العربية السعودية ودولة قطر ليس فقط موارد مالية كبيرة، ولكن أيضا جميع ما لديهما من وسائل الإعلام من أجل إسقاط السلطة في دمشق وأيضا تدمير حزب الله الذي يعد حليف النظام السوري وقوته الضاربة، وهنا تتقاطع مصالح الخليجيين مع مصلحة إسرائيل.
ومن أجل مساعدتهما أيضا، على تحقيق غرضهما، أبرمتا عقود أسلحة ضخمة وأشغالا عامة مع حلفائهما الغربيين الأكثر تصلبا بشأن الملف السوري، مثل فرنسا التي أظهرت بشكل خاص تفانيها في خدمة الدبلوماسية السعودية: سواء تعلق الأمر بالدعوة في ما مضى "لمعاقبة" بشار الأسد عن طريق ضربات أو رحيله السابق لأوانه حاليا لتسوية النزاع.
و من باب الصدق في القول، بالنسبة لمن يعرف فرنسا جيدا، فإن ذلك ليس بمستغرب على الإطلاق، وخاصة منذ رئاسة ساركوزي والآن في عهد فرانسوا هولاند الذيْن قرّرا أن يضعا دبلوماسية البلاد في خدمة الشركات الفرنسية الكبيرة لغزو الأسواق في منطقة الشرق الأوسط، أكبر بؤرة للبترودولار.
ومن المعلوم مع ذلك أن التأثير الفعلي لهذه الصفقات على خلق فرص العمل في فرنسا محدود للغاية، حسب الخبراء، لأن الأرباح التي تتأتى منها يتم استثمارها، في كثير من الأحيان، في أماكن أخرى لتجنب دفع الضرائب في فرنسا، التي تعتبر مرتفعة جدا، أو تكون ببساطة مدسوسة بعيدا في الملاذات الضريبية لتجنب دفعها مطلقا؛ كما كشفت عنه فضيحة لكسمبورغ ليكس ووثائق بنما.
وهو ما جعل كل المراقبين المطلعين لا يزالون يتساءلون لماذا تصر الحكومة الفرنسية على المضي قدما في هذه الأزمة على خط من الواضح أنه لا يخدم مصلحتها في المدى المتوسط والطويل و لا يحترم بشكل جلي القانون الدولي. فربما تكون مشتريات الأسلحة من قبل المملكة العربية السعودية واستثمارات قطر ستفسر الأمر: فحجم مشتريات تلك الأسلحة قد تضاعف بالفعل في السنة الماضية إلى 50% في فرنسا وحدها ، والاستثمارات القطرية المباشرة في فرنسا "قد ارتفعت إلى ما يقارب إثنى عشر مليار من الأورو على شكل شراء أسهم في مؤسسات فرنسية كبيرة (Total,AEDS,Vivendi, Véolia,Vinci,etc ("[i] بغض النظر عن استثمارات أخرى مهيبة، مثل شراء النادي الرياضي باري سين جرمين و إنشاء القناة الرياضية Bein sport.
وبالإضافة إلى ذلك فإن كل هذه المؤسسات كانت قد استفادت من عقود ضخمة تتضمن أشغالا عامة مهيئة لتنفيذ البنى التحتية تحضيرا لكأس العالم لكرة القدم المنظور في الدوحة لعام 2022 و أسلحة موجهة لفصائل المقاتلين في سوريا.
وليس أقل من أن في هاذين الملفين كان خط السياسة المتبع من قبل فرنسا لا يعدو كونه "فشلا ذريعا لوسائل الإعلام السياسية من شأنه إضعاف الموقف الدبلوماسي الفرنسي بشكل دائم[ii]" وفقا لبرنارد اسكارسيني الرئيس سابق لجهاز الاستخبارات الفرنسية،
ومن المؤكد أيضا أنه ليس هذا الموقف هو ما تنتظره شعوب المنطقة من الدبلوماسية الفرنسية. فهذه ليست طريقة الجنرال ديكول ولا ميتيراه ولا حتى على شيراك حين كانت هناك ''السياسة العربية لفرنسا''، القائمة على التوازن والاعتدال في الشرق الأوسط والقادرة على التحدث كصديق مع جميع المتحاربين.
وبصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن، فإنه كان على فرنسا أن لا تعطي شعورا بأنها تجهل أنه من أجل الحفاظ على النظام العالمي، واستقراره فإنه يتعين أن لا تداس مطلقا آليات القانون الدولي ولكنه كان ينبغي كذلك أن تحترم أكثر من قبل أولئك الذين يملونها بغية احتواء بؤر التوتر ضمن حدود معينة وتنظيم المنافسة الطبيعية بين الأمم.
قضية مبدأ
إن صلابة الموقف الروسي بشأن الملف السوري ناتج عن السابقة الليبية المتعلقة بقرار مارس 2011 المشار إليه أعلاه. فكانت فرنسا وبريطانيا، بدعم من الولايات المتحدة عندما أعطتا موافقتهما لاستخدام قوات حلف الشمال الأطلسي قد انتهكتا هذا القرار عن طريق تفتيته ونسف محتواه.
فالروس، ثم الصينيون، كانوا قد فاوضوا بشكل جيد بنود هذا القرار، ولم يكونوا يتوقعون أن يتحولوا إلى ممثلين في مسرحية هزلية. وبعد ذلك تعلموا الدرس.
ففي ضوء هذه السابقة كانت روسيا قد استعلمت في مجلس الأمن في نهاية هذا العام نفسه، أثناء مناقشات الملف السوري حق النقض (الفيتو) ثلاث مرات، ورفضت قبول أي قرار. وكما هو موضح أعلاه، فإن موقف الولايات المتحدة كان قابلا جدا للتأويل بشأن هذا الملف، فهي لم تكن مشاركة في هذه المناقشات إلا بصفة شكلية.
وربما كان ذلك لتتظاهر بإرضاء المملكة العربية السعودية؛ وحتى أنها في نهاية المطاف قد أقنعت فرنسا في المناقشات بالرجوع عن تقديم مشروع قرار رابع ، أُعدّ بناء على طلب من السعوديين، لما رأت أن روسيا لن تتزحزح قيد شبر، وانه لا فائدة من مطالبتها بالامتناع عن التصويت، وأنه لا جدوى من التمادي في الإصرار أمام صلابة موقفها المتمثل في التمسك "باحترام سيادة سوريا والحفاظ على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".
وهكذا نجحت موسكو في جلب الولايات المتحدة إلى أرضية القانون الدولي. وكانت تلك، مرة أخرى، علامة هامة لانبعاثها الدبلوماسي.
في الواقع، وبالنسبة لموسكو، فمن المستحيل مسألة فتح أي احتمال لتغيير النظام عن طريق التدخل الخارجي في الصراع السوري ويمكن عندئذ الاعتقاد أن مفهوم أو مبدأ "التدخل الإنساني"، المقدم وقتها من الدبلوماسية الفرنسية لم يكن بالنسبة لروسيا مقنعا كفاية، لأنه يقوم على السخط الانتقائي و'' الأخلاق '' المتذبذبة للحكومات الغربية. فهذا المبدأ يتعارض مع الموقف الروسي الذي كان بالأحرى يقوم على أخلاقيات المسؤولية: التدخل الخارجي عبارة عن إطاحة عنيفة للنظام السوري وسيكون من شأنه أن يكمل ويضخم الفوضى المكتنفة، خاصة و أن الواقع السوري يتم بتره من قبل بعض وسائل الإعلام العربية والغربية التي كانت تلعب دور مساعد لأنصار التدخل المسلح، بما في ذلك معالجة المعلومات، والتعامل مع عواطف أهل السنة وباستمرار التركيز على مصادر المعارضة.
مقابل ماذا تم حشدهم من أجل لعب هذا الدور[iii] ؟
إطار آخر للتحليل
ولكن هناك ما هو أكثر جوهرية بالنسبة لموسكو: فالحرب الشيشانية تعتبر صراعا مستوردا من الخارج عن طريق "إرسال مقاتلين وهابيين". ولقد قالها الرئيس بوتين بالفعل في ذلك الوقت، علنا وأمام حشد من الدبلوماسيين الأجانب في الكرملين. و السلطات السورية لم تتوقف عن تكرار ذلك لمن يريد أن يسمعه: فكل المراقبين بمن فيهم المخابرات الغربية قد استطاعوا ملاحظة أن المتمردين كانوا في غالبيتهم العظمى من الأجانب و أن سوريا في حرب مع الخارج، وأن المجلس الوطني السوري والحركات السورية الأخرى المعارضة لا تستطيع لحد الساعة أن يتم الاعتراف بها من قبل المحاربين في الميدان و أنه قد تم رفضها من قبل هؤلاء في عام 2013. وكانت تصرح أنها مستعدة للمفاوضة مع المتمردين شريطة أن يكونوا سوريين .
وهذا هو ما جعل الروس يعتقدون أن الخروج من أزمة سوريا يمكن حله على نحو قضية ملف الشيشان لأن الأمر بالنسبة لموسكو هي نفس الحرب ضد الجهاد العالمي الذي تموله المملكة العربية السعودية سواء قبلت ذلك أم لم تقبل، بغية المحاربة هنا وهناك لأعداء تصنعهم هي نفسها حسب مواقفها من الأحداث و الوقائع الظرفية. فبهذا السبب كانت الشيشان تشكل أيضا إطارا لتحليل لكريملين للأزمة السورية.
فهناك باحثون ومصالح استخبارات غربية يؤكدون في الواقع أن التدخل السعودي في بؤر التوتر الخارجي يشكل أيضا فرصة لإرسال مجموعات من الشباب المتطرف السعودي ("مجاهدين وهابيين"؟) – باسم الجهاد – عن طريق مصالح المخابرات ، معتمدة في ذلك على حملات دينية مضلعة بوسائل الإعلام ، وذلك من أجل التخلص من التهديد السياسي الذي تشكله هذه المجموعات المتطرفة على المملكة.
وهذا هو السبب الذي جعل الموقف الروسي في الأزمة السورية يمكن تصوره قياسا على أزمة الشيشان لان الأمر بالنسبة لموسكو يتعلق بنفس الجهاد العالمي الذي تموله المملكة العربية السعودية، فكانت الشيشان واحدة من الأطر التحليلية لموسكو حول النزاع السوري. ورئيس الدبلوماسية الروسية ذكّر، في نيويورك، بأن توريد أسلحة متطورة، مثل صواريخ أرض جو، هي استراتيجية خطيرة على الدول الغربية والدول العربية نفسها.
فالعسكرة المغالى فيها وتصاعد قوة الجماعات الجهادية تشكل في الواقع خطرا على الجميع على المدى المتوسط والطويل. والقاعدة – نتاج التدخل في أفغانستان – قد ولدت منذ ما يقارب العشرين عاما، وقد ضربت في جميع أنحاء العالم، وهي لا تزال نشطة. وقد ولدت داعش في سوريا مؤخرا، وقد ضربت بالفعل في فرنسا وبلجيكا وتركيا ونيجيريا ومالي ولا شيء يثبت بأنها لن تضرب غدا في مكان آخر. ووكالات الاستخبارات الغربية تتفق بالإجماع على هذه المسألة: فلا أفغانستان ولا العراق، ولا البوسنة، أو الشيشان أثاروا سيلا من المرشحين للجهاد أكثر أهمية. إنهم يتحدثون عن الآلاف من المقاتلين الأجانب في سوريا. وعدد المجاهدين الأوروبيين في هذا البلد مقلق جدا إلى حد أن المصالح المذكورة قد دقت ناقوس الخطر أمام الاتساع الذي لم يسبق له مثيل لهذه المغادرة. ولكن من الذي يفاجئه ذلك حقا في زمن اليوتيوب والفيسبوك؟
ملاذ جديد للجهاد العالمي
والواقع أن هذه الحرب، التي تضرب على أبواب أوروبا، تثير الشغف المضمر لشباب تائه أمام ما يعتبره بمثابة حياة بدون منظور وهو شباب يائس أمام التمييز في التوظيف الذي راح ضحيته جم غفير من ذوي الأصول العربية أو المسلمة. والجماعات الجهادية تدرك جيدا هشاشة نفسية ذلك الشباب والبعد التربوي لمآثرهم التي ينشرونها على الشبكات الاجتماعية بغية المضي بها قدما في طريق الجهاد بمجرد نقرة واحدة.
في الحقيقة، كانت الدول الأوروبية، وخاصة منها فرنسا، تدرك تماما أن أسلمة الثورة السورية تتم بتلقين وتشجيع من قبل حلفائهم السعوديين والقطريين، ولكنهم تركوا الأمر يشق طريقه ليصبح لعنة، كما لو كانوا يتمنون أن تصبح سوريا ملاذا جديدا للجهاد العالمي، بعد أفغانستان. وعندها يمكننا أن نفهم أن الحكومة الفرنسية لم تفعل شيئا، أي شيء على الإطلاق، لردع ما يقارب ألف شاب فرنسي يذهبون إلى سوريا للجهاد ويعودون إلى بلادهم كما لو أن شيئا لم يحدث. وهو ما يدعو إلى التساؤل عن ما إذا كانت فرنسا تشجع هذه المغادرات لدعم حليفها الغني الذي يتابع نفس الهدف علنا.
وعلى أية حال فإن الواقع على الأرض كان على هذا النحو : فمنذ أن قررت الولايات المتحدة إعادة إدماج إيران في لعبة السياسة الإقليمية، فإن مصدر القلق الرئيسي بالنسبة للمملكة العربية السعودية هو التصدي لهذه الأخيرة بكل الوسائل. فهي تتخذه هاجسا، وأولوية الأولويات حيث كانت جبهة النصرة والقاعدة وداعش هي المؤثر الوحيد المتاح لديها لإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة وخصوصا في سوريا. وفي العام الماضي أيضا، كانت قد أنشأت بصفة رسمية بدعم من قطر وتركيا، لواء من المجاهدين داخل فريق يدعى جيش الفتح، تحت إشراف جبهة النصرة، وهو الفرع السوري المعلن ذاتيا لتنظيم القاعدة. لذلك فإن القول اليوم بأن المملكة سوف تحارب تنظيم القاعدة ليس فقط إلا بيانا لذر الرماد في العيون..
وعلى العكس من ذلك، فأمام هذا التواطؤ الفرنسي السعودي واللامبالاة من الولايات المتحدة، فإن روسيا لا يمكنها أن تبقى مكتوفة اليدين في مواجهة هذا التصاعد في قوة الجماعات الجهادية التي يمكن أن تصبح أيضا ضحية لها عن طريق العدوى على أراضيها الخاصة، وهي التي تضم من بين شعوبها ما يربو على عشرين مليونا من المسلمين.
فهذا هو السبب، ودونما حساب للحوافز الجيوستراتيجية والدوافع المبدئية، وهو ما جعلها تشارك عسكريا في سوريا، بناء على طلب هذه الأخيرة، وبالتعاون الوثيق مع السلطة الشرعية والسيادية القائمة. و إضافة إلى ذلك فإن السؤال الذي يستحق بالفعل الطرح هو: من الذي يهدد دول الغرب والشرق الأوسط بل العالم أجمع، هل هو بشار الأسد أم داعش ورفاقها الذين ينشرون ثقافة الموت على تناقض تام مع الإسلام؟
الطريق إلى دمشق
إذا كانت الأولوية هي لمحاربة الإرهاب، فإنه يتعين إذن على جميع الدول المعنية أن تتخذ إجراءات صارمة ضد هذا التهديد بالتشاور مع النظام السوري. لأنه يفترض، أنه لا هذا الملاذ الجديد للإرهاب سيهزم ولا الأزمة السورية ستجد حلا سياسيا من دون بشار الأسد وجيشه. فأولئك الذين يدعون إلى رحيله مبكرا، كثيرا ما ينسون أن هذا الصراع – شأنه شأن أي صراع سياسي أو عسكري – هو في المقام الأول يعتمد على توازن القوى، وأن التدخل الروسي قد نشط هذا الجيش، مع ضمان للرئيس السوري بأن لا ينتهي مثل القذافي. وأكثر من أي وقت مضى، فبشار الأسد أصبح الآن تجسيدا للنظام السياسي والعسكري السوري، وقد استطاع الحصول على الإجماع داخل القوات المسلحة، بفرضه تدابير جذرية مستوحاة من أغلبية واسعة جدا من الضباط وليس فقط من قبل ضباط العلوية أو كهنة الحزب كما كان في الماضي، وهو ما يفسر أنه لم ينشق عنه سوى 5 جنرالات من ضمن أكثر من 1200 جنرال.
ثم إن غالبية السوريين يتمنون الآن بأسى ومرارة رجوع الدولة السورية بدل الفوضى والفراغ الناتج عن التنظيمات الجهادية. و حتى أن المعارضين الأصليين لهذا النظام قد سلموا بالواقع وفهموا أنه من الأولى لهم خيار بشار الأسد عن الحالة التي توجد عليها ليبيا و العراق الآن.
فهم ربما قد فهموا أن " أن الأمر لا يتعلق بحرب بين الخير و الشر وإنما هي بين المبغوض والأولى" على نحو ما كتبه ريمون آرون في كتابه المشاهد المتحيز.
وبعبارة أخرى، فإن خطر إبعاد بشار عن الساحة السياسية سيكون انهيارا لكل هذا الجهاز السياسي والعسكري وما تبقى من الدولة السورية، مثل نظامي صدام حسين والقذافي. غير أنه ليس من المؤكد أن الدول التي تحاربه اليوم من خلال الجهاديين لديها خطة بديلة أو أن هذا الخيار يمكن أن يكون مرغوبا فيه من الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل …
وينبغي للبلدان الأوروبية أن تنظر بشكل أقل حتى إلى هذا الخيار، لأن من شأنه أن يؤدي إلى موجات جديدة من الهجرة من حجم مختلف لم يسبق له مثيل.
في نهاية المطاف، فإن الخاسر الوحيد في المعادلة السورية سيكون ، دونما شك، هو المملكة السعودية، مثلما خسرت كل شيء في العراق، بما في ذلك دور مؤثر يتناسب مع طموحاتها الإقليمية. لو أنها كانت قد اعتمدت فيه سياسة مدروسة ومحسوبة، بدلا من الدعم والتمويل للحرب التي أطاحت بنظام صدام، و لما كان لها اليوم أن تأسف من تواجد الولايات المتحدة في المنطقة وإضعاف نفسها اقتصاديا من خلال أعمال عسكرية خارج المملكة، مع تشرذمها في مبادرات دبلوماسية فاشلة ولا مستقبل لها.
وفيما يتعلق بحليفيها الإقليميين الرئيسيين في هذه الأزمة قطر وتركيا، فقد أثبتا بالفعل ذرائعيتهما وقدراتهما على التحول من خط سياسي إلى آخر ونسيان دورها العدواني في السنوات الأخيرة. فالدوحة بالتأكيد ستستأنف دورها المعتاد لها كوسيط فعال في الصراعات في المنطقة، والذي سوف يتم تسهيله هنا بواسطة بضعة مليارات من الدولارات على شكل مساهمات لإعادة بناء سوريا.
أما تركيا، فإنه لن يكون لها خيار: فأردوغان أو أي رئيس آخر سيستأنف الغزل الرومانسي مع بشار الأسد، على نحو ما قبل 2011، من أجل توحيد جهودهما لنزع فتيل القنبلة الكردية الموقوتة على الحدود المشتركة بينهما. وسوف تكون أنقرة ملزمة بقطع علاقاتها الخفية مع المنظمات الجهادية ، حيث أن الأمر يهدد أمنها.
أما بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حليف سوريا، فقد عبرت للتو سياسيا إلى رتبة قوة إقليمية بفضل الاتفاق الذي أبرمته في يوليو الماضي مع واشنطن وموسكو. و تراهن الدول الغربية الآن على سوقها بأكثر من 80 مليون مستهلك، مما يعني أن نهاية الحظر سيجعل منها محاورا لا غنى عنه في التركيبة الإقليمية الجديدة. وبالتالي فإن الحالة الراهنة لضعف جسم المملكة السعودية سوف يتم الشعور به أكثر في المستقبل القريب ما لم تستأنف من الآن فصاعدا الطريق إلى دمشق.
ولكن، بما أنها لم تحفظ الدرس مثل الولايات المتحدة، فهل ستكون قادرة على مثل هذا التحول في السياسة؟
_____________________
[i] أفريدريك بيشوه أستاذ وباحث مستعرب في كتابه الأخير حول سوريا مخصص لسوريا
[ii] برنار اسكارسيني و أتيين بليوت في الاستخبارات الفرنية : الرهانات الجديدة، نشر في عام 2013
[iii] بما أن القنوات التلفزيونية كانت لها"وجهة نظر معاكسة " مثل المنار، فإتها وجدت نفسها يحظر عليها البث عن طريق القمر الصناعي عرب سات إثر ضغط من المملكة العربية السعودية التي فعلت نفس الشيء على نايل سات إبان زيارة الملك الأخيرة لمصر