تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

قررت الصبر وتنقلت لمسافات طويلة أبحث عن الأمل في دكان أمل. وصلت إلى واحد؛ كانت أمامه جموع هائلة بحيث لا تتبين بابه. ذهبت إلى مقاطعة أخرى… قالت لي إحدى المجربات: لا تتعب نفسك، لا يوجد هنا سوى أرز رديء وزيت جامد! وإذا وصل بك الطابور قد تجد الكمية انتهت، ولن تحصل أصلا إلا على مقدار قليل (حصة يوم واحد).

 

نصحني آخر بأن أذهب معه إلى "المعرض" حيث تعرض كميات "الجملة"، فاستبشرت وقلت: هذا أفضل.

 

في خرابة المعرض الوطني وجدنا جموعا من الناس يتزاحمون على بضائع رديئة، وبعد أن يأخذ من طاقتهم النصَب ولهيب الشمس نصيبا يخرج عليهم أحد المسئولين ليلقي، باختصار وغلظة وعبوس، كلمات تقول: "فرغ!": لم يعد هناك شيء اليوم، تعالوا غدا.

 

قلت لصاحبي: غدا لناظره قريب.

 

وفي الغد تكررت الحكاية بأسوأ من ذلك، ولم أر من ظفر بشيء يستحق هذا العذاب الأليم؛ حتى فارق السعر فاجأني أنه ضئيل لا يعوض ـ مع الرداءة ـ مسافة الطريق إليه، ناهيك عن الازدحام والانتظار ونفاد الكمية قبل انتصاف الطابور…

**

لفت انتباهي أن عملية دكاكين أمل عموما معظم ضحاياها من المواطنين البؤساء الذين يؤمنون بأن هذا قدرهم كفقراء، وبأنهم ليس لديهم ما ينفقونه إلا وقتهم وجهدهم الخائر، ودريهمات قليلة "يزكونها" بفارق السعر الضئيل بين تلك الدكاكين والمحلات التجارية، ولكن دون أي خيارات أخرى في ناحية الجودة, لأن الجميع متفقون على رداءة ما تقدمه هذه الدكاكين النادرة. وهناك حكايات شائعة في محيطها ـ لا أعرف قدر صحتها ـ تزعم أنها تعرض بضائع يئس أصحابها من تصريفها في أسواق المنافسة، ولكن جاههم ومكانتهم لدى السلطة أو حلفائها مكنتهم من بيعها للحكومة التي "تفرضها" على هؤلاء الفقراء!!

**

أمس تفضل أعضاء الحكومة، بمناسبة اقتراب الشهر الكريم، بالإعلان عن افتتاح الموسم الأكبر لإهانة المواطنين والسخرية منهم، وهو "عملية رمضان"…وقد تفضلوا بأرقام جديرة بالاحتقار والاستنكار عن هذه العملية في الشهر الفضيل، شهر الرحمة الذي من المفترض أن يكون أوج هذا "العطاء" الممنون طوال أشهر السنة (دكاكين أمل)!

 

لقد ذكروا أن عدد الحوانيت سيصل إلى 1500 في جميع أنحاء البلاد!

 

فكروا في أنها لنجدة ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة تقريبا موزعة على أكثر من 20000 مدينة وتجمع!  منها 300 لسكان مدينة نواكشوط التي تمتد على حوالي ثلاثة آلاف كلم مربع!

 

ولكن حتى لو كان عدد حوانيت أمل بعدد الدكاكين في المنازل والأسواق، وهو أكثر من عدد المساكن، فإنها لن تتوفر على أكثر من 1360 طنا من السكر ومثلها من الأرز لمدة شهر رمضان كله؛ أي أنه إذا تم الوفاء بكل ذلك ستتقاسم الأسرة المكونة من 5 أفراد 20 غراما من السكر ومثلها من الأرز يوميا، ودعك من المواد الأخرى "الكمالية" (وهي لبن مجفف ومكرونة وزيت وبصل وبطاطس) فهي رسميا بكميات قد لا تبلغ 2 غ!.

 

وتجسيدا لهذه الحقائق والأرقام الحكومية ـ وحكومتنا ترى الفصاحة في الأرقام ـ لم تتجاوز تقديرات الوزراء الموغلة في التفاؤل والتباهي لعدد الأسر "المستفيدة": 340 أسرة يوميا، من حوالي 950000 أسرة تقريبا هي ـ حسب بعض التقديرات ـ عدد المواطنين!

 

هل بعد هذا سخرية واستهانة ومهانة؟!

 

أجل، هناك المزيد، والمزيد من الأرقام خاصة!

 

لقد أكد معالي وزير الاقتصاد المعني مباشرة بالموضوع أن هذه المكرمة "الوطنية" ستكلف الدولة هذا العام 940 مليون أوقية بعدما كلفتها العام الماضي 716 مليون أوقية (اسسسسسسس) يا للهول!…

 

وهذا المبلغ ـ حسبما بين معاليه في موضوع آخر في نفس التصريح ـ يزيد قليلا على ما اعترفت به حتى الآن محاسبة "فينكر" من حوالي 1.1 مليار أوقية قيل إنها هي المبلغ الذي استأثرت به لنفسها من مال الدولة. أي أن عفافها تستطيع أن تتولى وحدها تمويل عملية رمضان، بزيادتها "الثقيلة" على الدولة هذه السنة، ويبقى لها "ادﮔديك" لا بأس به!!

**

لست متأكدا أن حاكمنا أصلحه الله يحيط علما بحقيقة هذه المهزلة التي تروج عن دكاكين أمل وأسماك شركة توزيع الأسماك، ولست أدري لما لا يكون من بين وزرائه ومستشاريه الكثيرين ناصح أمين يقدم له رأيا صريحا يعكس حقيقة فشل وسرابية هذه العملية ومدى إهانتها للمواطنين واستغلالها لخلتهم وتعريضها بعوزهم، فضلا عن فتحها لأبواب فساد وزبونية مشرعة في جانبها الأعلى، ويفسر له لما ذا يعرض عنها ويسخر منها من يجدون عنها ملاذا أو يفضلون عليها الجوع… أم أن فخامته على علم بهذا ويقرره، وتلك هي القاضية؟؟!!

 

الأحدث