تخطى الى المحتوى

الفعل وردة الفعل، الثورات العربية..

جدول المحتويات

القضية إذا تكمن في نوعية التغيير هل هو شامل أو عميق أو على السطح فقط، أي تغيير إذاً لا بد أن يبدأ بالنفوس، ومن الطبيعي أن تختلف النفوس وبالتالي تكون هناك ثورة مضادة.

 

وتلك الثورة قد تتجلى في حروب، أو انقلابات أو حركات تحاول وقف سير عجلة ذلك التغيير. مع أني لست كاتبا ولا أدعى شرفها ولا أمتلك كفاءتها إلا أني سأحاول في هذه الكلمات أن أقف بالقارئ عند بعض المحطات الكبرى التي كانت سببا في تغيير ما والمراد هنا التغيير إلى الأحسن طبعا.

 

إن الرأي السليم والذي يجب أن يعييه المواطن العربي المسلم اليوم، هو أنه لا بد من ضريبة تدفع من أجل التغيير، خاصة إذا كان هذا التغيير من الظلم إلى العدل أو بشكل عام من الكبت إلى الحرية.

 

ولسنا في هذا بدعا من الأمم الأخرى، ولا ظرفا خاصا لا تنطبق عليه سنن الحياة، سواء كانت تلك السنن قاسية أي تلك الضريبة التي تدفع من أجل التغيير والحرية، ونحن أهل الصبر والعزم، كيف لا؟! والله أمرنا به، ورسولنا صبر حتى غَفر. ويجب علينا لكي تتضح تلك الضريبة وحتميتها أن نقرأ تاريخنا وأن ننظر تاريخ الأمم الأخرى التي نشاهد اليوم ما وصلت إليه من رقي وازدهار.

 

ليست هناك ثورة أعظم من ثورة الرسل والأنبياء، وتلك أيضا لا قت أعظم المعارضة والمعاداة. ولنا في تاريخنا الاسلامي ذلك المثال الحي. فالنبي صلى الله عليه وسلم أتي لأهل مكة بما يمثل ثورة شاملة في المعتقد ومن ثم في القضايا الأخرى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، دين شامل صالح لكل زمان ومكان، فهل قبلت منه قريش ذلك؟ لا لم تقبل ، بل آذوه في دعوته ونفسه وأصحابه ، لأنهم علموا أن ما جاء به ينافي باطلهم وما هو فيهم من جهل وشرك، وتمسك بمجد قبلي تالف.

 

فهل تخلى صلى الله عليه وسلم وصحابته عن دعوتهم رغم ما لاقوا من بأس المشركين؟، لا بل صبروا وعزموا وتوكلوا على الله عز وجل حتى نصرهم وأمكنهم من رقاب من عذبوهم بالأمس ونكلوا بهم وحاربوهم.

 

وفي غضون سنين معدودة أسسوا دولة مكتملة الأركان، مثلت فيما بعد إحدى أعظم حضارات الدنيا، فهذه هي ضريبة الصبر والمقاومة في تاريخنا الإسلامي فكيف نجزع أو نشك في نصر الله. فالثورة فعل ولا بد كما هو معروف فيزيائيا للفعل من ردة فعل.

 

وتكون تلك الردة بحجم الفعل. وإذا ما نظرنا في الجانب الآخر إلى الأمم التي نرى واقعها الحالي الذي نصفه "بالمثالية"، يجب علينا أولا أن ندرك أن تلك كانت في يوم من الأيام تنظر إلينا بنفس النظرة، ذلك حينما كانت أوروبا ترزح تحت وطأة الإقطاع الملكي والعنف البابوي المسيحي لرجال الدين.

 

وما نراهم فيه اليوم لم يحصلوا عليه بمحض الصدفة وإنما عانوا ما نعانيه اليوم من حروب وثورات مضادة ومناوشات من هنا ومن هناك.

 

فتلك فرنسا كانت إحدى معاقل الملكية والظلم والظلمات، لكن الثورة التي حصلت فيها غيرت ملامحها بشكل كبير جعلت عاصمتها باريس عاصمة النور بعدما كانت مقر الظلام.

 

قامت في فرنسا سنة 1789م، ثورة أسقطت الملكية لكنها لم تقضى على الاستبداد ولم تمنع ردة فعل للثورة المضادة التي أجهضت حلم الثوار بنظام عسكري دكتاتوري بامتياز. لكن ذلك لم يدخل اليأس في نفوس مفكري فرنسا ولا مثقفيها بل واصلوا حتى نالوا حلمهم فرنسا العلمانية ، نأخذ فرنسا مثلا وليس قدوة في النتائج.

 

وفي هذا السياق أعجبني كلام للأستاذ الصحفي محمد فال ولد الدين في ملتقى نظمته مكتبة إقرأ معي… في فضاء التنوع الثقافي في انواكشوط بتاريخ : 22 ــ 05 ــ 2016 ، حيث قال: "أن السلام يعقب الحرب، ولولا غزوة بدر لما وجدت بغداد ولا دمشق ولا تلك المدن الاسلامية الكبرى، وكذلك لولا الحرب العالمية لا ما وجدت باريس عاصمة النور ولا واشنطن ولا نيويورك".

 

وبالتالي يتضح في الأخير أنه لا بد من انحطاط وثورة عليه لكي يوجد معنى للنهضة، ولا بد من صبر لكي يوجد طعما للنصر. وما دام هناك هدوء يسبق العاصمة فهناك هدوء يعقبها، وبالتالي يجب علينا أن لا ننظر بعين العجز والقنوط إلى ما يحدث في عالمنا العربي من ثورات، فما يحصل هو فعل طبيعي يمثل ردة فعل من قبل أصحاب الثورة المضادة، ففعل الثورة عميق وكذا ردة الفعل عليه وكذا أيضا نتائجه.

 

فالمشركون انتصروا في أحد بعد بدر، فهل جعل ذلك المسلمون يشككون في دينهم أو رسالتهم. فالنصر موعود الله لعباده المؤمنين، وإن الله ناصر عباده قال تعالى: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين) سورة الروم: 47، وقال أيضا: ( قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله..) سورة الزمر: 53.

 

 

الأحدث