تخطى الى المحتوى

الأغلبية والمعارضة وتداعيات مؤتمر ألاكـ

جدول المحتويات

في هذه الورقة من مقالتنا نحاول حسب ما تسمح به سعة الوقت أن نشخص ونتساءل مساءلة بسيطة عن علاقة هذه الأزمات المتكررة فيما بين الفاعلين السياسيين الموريتانيين من موالاة ومعارضة بشكليها الموسعة بتاريخية قيام الدولة الوطنية وذلك من خلال محاولة لقراءة تاريخية حول آثار ومخلفات ذاكرة مؤتمر ألاق ودورها في تشكيل روح المواطنة في ظل الدولة الوطنية التي كانت مرتقبة وقتها، ثم مدى فهم الموريتانيين واستيعابهم (بمختلف مستوياتهم الثقافية وانتماءاتهم الجهوية والقبلية والإثنية) مدلول ومفهوم المواطنة…

 

ولأجل تقريب الصورة وتبسيطها أمام القارئ ارتأينا بداية أن نتعرف على معنى المواطنة وبعض الكلمات أو المفاهيم التي لها علاقة بالمواطنة والتي منها: اللغة، المواطن، الهوية، العنصرية…     

 

أما المواطنة فتكاد تعريفاتها تتفق على أنها عبارة عن علاقة تعبر عن عضوية الفرد في جماعته السياسية التي ينتمي إليها عن طريق رابطة الولاء بمعنى أن يحصل هذا الفرد: على كامل حقوقه المدنية داخل المجموعة التي ينتمي إليها، وأن يكون على درجة ومستوى معين من الاندماج، وقدرته على التواصل مع الجماعة (دور اللغة) ولا يعنى دور اللغة هنا الإكراه على اللغة كيفما كان الحال والمآل.

 

ومن هذا المنظور نجد أن المواطنة أوسع دلالة من الجنسية من حيث تركيزها على الحقوق المدنية، كما أن الإحساس بالمواطنة أمر مهم للاندماج في المجتمع لا شك، وهو بالنسبة لي أمر لم يستطع أن يتحقق مع الأسف الشديد لكثير من الموريتانيين ناتج عن عدم قبول أو رفض الآخر دون بذل الجهد في سبيل التقارب والتعارف والبحث عن سبل الاندماج الصحيحة.

 

أما اللغة فهي أداة لنقل الثقافة وتخزينها، وترتبط ارتباطا وثيقا وشديدا بالهوية الثقافية (جماعات، مجموعات، جهة، جهات، منطقة، مناطق…)، في حين يعتبر مواطنا كل فرد أو شخص يحمل جنسية الدولة (الأوراق المدنية من شهادة ميلاد وشهادة جنسية وجواز سفر…)، أما درجة وطنيته فحسب إحساسه بالمواطنة، وشعوره بالانتماء الصحيح وحتى درجة وعيه…

 

أما الهوية فهي عند الفلاسفة ذات دلالات متشعبة فمنها الهوية العددية، والهوية الكيفية، وكانوا يستعملون هذا المصطلح بكثافة في مجال المنطق حيث تعنى بصفة عامة حقيقة الشيء المطلقة والمشتملة على صفاته الجوهرية التي تميزه عن غيره، ومسألة الهوية ما فتئت تثار في الساحة السياسية الموريتانية وبشكل روتيني ولعل ذلك يرتبط تاريخيا بعدم حسم مناقشات الهوية في المؤتمر المؤسس للدولة الوطنية والتي نتصور أن المؤتمرين وقتها حاولوا تجنب المسألة بما فيها من حساسية كي لا تؤثر سلبا على نتائج المؤتمر الذي كانوا يعولون عليها، وعادت مسألة الهوية حتى مؤخرا مع حوار أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة والذي كان من نتائجه تعديل دستور الدولة الوطنية في مارس 2012م.

 

أما العنصرية فغالبا ما يتم اقتصارها على التمييز العرقي فيما بين مكونات المجتمع، وإن كنا لا نعدم وجود عدة وجوه، صور، أشكال و ألوان للعنصرية، و هو ما يمكن قراءته في الساحة السياسية الموريتانية بكل بساطة دون كبير عناء ولا يمكن تصحيح تلك الصورة إلا عن طريق الساسة ولا أقول المتسيسين.

 

ليس من شك في أن تاريخ موريتانيا عرف منعطفه الأساسي عند إعلان دستور 27 أكتوبر 1946م الذي كان بموجبه قيام الإتحاد الفرنسي الذي ضم مجموعة إفريقيا الغربية إلى أقاليم ما وراء البحار وموريتانيا كإقليم من هذه المجموعة الغرب إفريقية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ ملامح المشهد السياسي ومواكبة الإرهاصات الأولى لمراحل تشكل الدولة الوطنية في المجتمع الأهلي بجهات مختلفة من البلاد من خلال شخصيات شابة ومؤثرة وقتها، إلى جانب شيوخ ووجهاء القبائل والعشائر والزعامات المحلية الجهوية، وتأثير هذه القيادات والزعامات القبلية والعشائرية الجهوية سينعكس سلبا على مسار الدولة الوطنية وحتى يومنا هذا مع وجود نظام الدمقرطة الحزباوية الانتهازية المصحلذاتية.         

 

وبدأت بوادر تأثيرات هذه الزعامات قبيل انعقاد مؤتمر ألاق حيث كان هناك شبه إجماع على قبول التمتع بالاستقلال الداخلي على مستوى تطور وضعية البلد السياسية، بيد أنه عند ما أثيرت كلمة "الرغبة في الاستقلال الوطني" انبرت أكثرية المؤتمرين لمعارضتها، من وجهاء وزعماء تقليديون محافظون كلفتهم الإدارة الاستعمارية في هذه المناسبة بالرفض لكلمة الاستقلال، وكان من الممارسات المتبعة، لدى الشروع في أي تجمع سياسي:

أن يتوجه زعماء العشائر والبطون والقرى أو ممثلوها أو سواهم من المجموعات المتحالفة مع الإدارة الفرنسية بصورة عرضية أو دائمة، ليطرحوا عليه ماذا ينبغي قوله في الاجتماع الذي سيحْضُـرُونه وبالتالي ينفذ الممثلون تلك التعليمات حرفيا، وقد يحدث أن يتساهل بعضهم في تنفيذ تعليمات السلطة الاستعمارية إذا تعرض للضغط كما حصل في ألاق خلال ربيع 1958، ولا شك أنه كان ضمن المؤتمرين معارضون لفكرة الاستقلال ويسوقون الكثير من الحجج لتبرير موقفهم من الاستقلال.

 

إذن ماذا تم مناقشته في مؤتمر ألاق؟ تم خلال المؤتمر مناقشة عدة مسائل ونقاط متعلقة بمصير مستقبل الدولة الوطنية المرتقبة، وكان من بين أهم المسائل والنقاط المطروحة والتي أثارت نقاشا حادا بين المؤتمرين نظرا لطبيعتها و حساسيتها هي: مسألة تعليم اللغة العربية، قضية المساواة بين كافة المواطنين، و هي من المسائل التي ما زالت تهدد النسيج الاجتماعي الموريتاني إلى يومنا هذا حتى صنفها البعض من المسائل المسكوت عنها أو المحظور عنها، فأثرت سلبا على مفهوم المواطنة و المواطن و الهوية الوطنية، سنرجع إليها لاحقا.

 

فيما يخص تعليم اللغة العربية فقد كان جل المؤتمرين يرون أن العربية يجب أن تكون اللغة الوطنية للبلد و عليه فإن تعليمها يجب أن يكون إلزاميا في المدارس العمومية على قدم المساواة مع اللغة الفرنسية و هي مسألة أثارت تحفظ بعض أبناء الجنوب و أسفرت عن مواقف متباينة، أما قضية المساواة فيما بين كافة المواطنين، و ما يتعلق بالضرائب و الخدمة العسكرية فلم يتسم نقاشها بالحدّة التي اتسم بها نقاش مسألة تعليم اللغة العربية، وهو ما يعكس عمق تباين التوجهات لدى المؤتمرين، هذا فضلا عن ضعف مستوى مناقشة المسائل الأخرى ذات الاهتمام المشترك و البعد الإستراتيجي، للدولة الوطنية المرتقبة، فهل التركيز على مسألة اللغة العربية على حساب المسائل الأخرى كان ينظر بمستقبل موريتانيا و مشاكلها السياسية التي ما زالت تتخبأ وتتخبط فيها لانعدام الإرادة الحقيقية في ذلك.

 

وانطلاقا من هذه المعطيات الجزئية وقراءة متأنية لما تمخض عنه مؤتمر ألاق وتداعياتها على مواقف عدد من شخصيات مشاركة في أعمالها يمكن ملاحظة بوادر الانقسام والاختلاف في المواقف ووجهات النظر حول بعض النقاط، والتي لا شك كانت لها آثار وانعكاسات سلبية على مفهوم المواطنة، ووضعنا أمام سؤال محرج مَنْ هو المواطن أو بتعبير آخر مَنْ يستحق أن يكون مواطنا كامل الحقوق في ظل الدولة الوطنية المرتقبة (هل هو المتفرنس أو المتعرب أو المستعرب أم المتلهج من اللهجة" وفي تعبير آخر هل المواطن هو حساني، بربري أم كَوري أو كلهم معا؟)، وبأي وسيلة؟ وفي غياب الوضوح في الرؤية وطغيان الأنانية من هنا وهناك، حيث ما زال في أعيننا غشاوة، نكتفي بقناعتنا أن المواطن الموريتاني والمواطنون الموريتانيون هم أولئك المؤلفة قلوبهم من أجل حب موريتانيا وما أكثرهم تاريخيا بقانون الأسبقية وإحياء الأرض الموات، والدفاع عن الحيوانات المفترسة قديما حين كانت تسميات موريتانيا الطنجية والقيصرية تشمل أطراف هذه الأرض وهذه البقعة المباركة قبل أن تتحول إلى المنكب البرزخى وإلى بلاد التكرور ثم بلاد شنقيط فأرض التكارير، بلاد السيب، فموريتانيا… فهي بالنسبة لى تسع الكَوري (الفلانى، السوننكى، الولوفي، البامبرى)، فالبيظاني (العربي، البربري، الحرطاني)، كما كانت تجمعهم بالأمس وقبل الأمس، قبل بروز الإيديولوجيات الهدامة والمبيدة للشعوب والمفسدة لروح الإنسانية والتي تعتبر دخيلة على الشعب والمجتمع والأمة الموريتانية حيث كان البيظاني (بمفهومه الواسع) والكَوري (كذلك بمفهومه الشامل) يطمئن كل واحد إلى الآخر ويثق به دون خلفية ما، ولعل التاريخ عند الرجوع إلى الوراء يشهد على ذلك وينصف الذين ورثنا منهم وعلى أيديهم هذه الأرض وما عليها.

 

وتجدر الإشارة إلى أنه في مستهل مؤتمر ألاق مايو 1958 ما كان يقلق كثيرا سكان المراكز الجنوبية من البلاد "بُولار وباقى مكوناتها" هو رؤيتهم تناقص فرص مشاركتهم في الحكومة لصالح البيضان، لذلك بدأت بعض الأصوات تعلو للمطالبة بالإنضمام إلى السنغال، وهو ما يمكن إعتباره ردة فعل مباشر لمواقف بعض المؤتمرين وتوجهاتهم إزاء قضية اللغة، العروبة، الهوية، والمواطنة، ومن أجل إسماع صوتهم وإيصاله إلى المعنيين من أصحاب القرار، أسس بعض الأطر المنحدرين من الجنوب الموريتاني كيانا سياسيا أسموه "اتحاد أبناء موريتانيا الجنوبية"، و"كتلة كُورْكول الديمقراطية"، وهو ما يمكن اعتباره بادرة من بوادر الانقسام حول المواطنة والهوية في شكل مبكر قبيل تشكل الدولة الوطنية، والتي جاءت بعد مناقشات عقيمة لمسألة اللغة والتعليم بشكل عام وتناسى بعض المسائل الأخرى ذات الاهتمام المشترك اقتصاديا واجتماعيا.

 

ولعله كان الهدف من هذا التصرف هو محاولة استقطاب الغاضبين من التوجه الجديد للحكومة الموريتانية من جهة، وإثارة الرأي العام من جهة ثانية، وهو ما سيغذى السياسة الوطنية لفترة من الزمن في شدّ وجذب وتحالفات أحيانا مثيرة للجدل لم تساهم في وضع أفكار لإيجاد حلول تقليص الهوة بين المواطن والمواطنة بقدر ما ساهمت في تعقيد الأمور وقتها، ولا زال الأمور تسير بنفس الغموض وعدم الوضوح في غياب الاستراتيجيات والخطط ذات الرؤى البعيدة المدى وحتى متوسطة المدى.

 

ولعل ذلك ما ظهر واضحا من خلال مناقشة قضية الفيدرالية "أي الانضمام إلى مشروع فيدرالية السنغال والسودان الفرنسي" مالي حاليا، وهي قضية تطلبت نقاشا مطولا، وطالب جزء من المؤتمرين بالانضمام إليها فور إنشائها، ولم يكن مناصرو ومؤيدو هذا الانضمام محصورين في مندوبين من جهة دون غيرها من جهات البلاد، بل نادى به بعض القادمين من المناطق الجنوبية والغربية والشرقية والوسطى من البلاد.

 

وفي هذا ما يدحض اعتقاد الكثير من مواطنينا أن أبناء الجنوبيين (يعنون بهم السودانيين) يعارضون أو يرفضون تماما كل محاولة اندماج مع دول الشمال، مما ولّد حالة من الخوف وعدم الثقة شبه الدائم فيما بين المواطنين وانعكس سلبا على المواطنة… كان من نتائجه المباشرة تأثر الدولة الوطنية في تحقيق التقدم والتنمية المستديمة عقودا من الزمن، ذهبت دون تحسن الأوضاع العامة للبلاد والمواطنين.

 

وبشكل عام فإنه مع كل المحاولات الجادة بدء من مؤتمر ألاق للسيطرة على الصعوبات التي كانت تعترض طريق بناء الدولة الوطنية وخلق مواطنة مثالية، حيث يعيش كل المواطنين في ظل الدولة الوطنية في أمان وطمأنينة دون فوارق تذكر، فإن مشكل اللغة كان أكبر حاجز لكسر هذه الفوارق الاجتماعية والثقافية، والتي كان بالإمكان تجاوزها بشكل مرن وسلس حالة أخذوا من البداية رد الاعتبار إلى اللغات الوطنية إلى جانب اللغة العربية لتهدئة العقول والصدور وخلق الوئام بين المواطنين.

 

ونعتقد أنه من بين أسباب التخوف والتوتر شبه الدائم فيما بين مكونات المجتمع في ظل الدولة الوطنية عبر مختلف أطوار تاريخ البلاد يتمثل أساسا في مسألة التوظيف الخاطئ للعروبة والإسلام، وهي مسألة – باتت للأسف – حساسة موجودة في المجتمع الموريتاني، وينظر إليها أحيانا من المواضيع المحظور أو المسكوت عنها، وهذا التوظيف الخاطئ يرجع لسببين أساسيين في نظري:

السبب الأول: له جذور تاريخية منبثقة من المنظومة الاستعمارية التي سعت إلى تقسيم شعوب إفريقيا من أجل تمرير مشروعها الإستعمارى ذى البعد الثقافي الإيديولوجى للفصل بين الأفارقة السود والعرب البيض في المنطقة بشكل عام، ومحاولة "إقناع" بعض النخب السودانية الإفريقية أن لغة المستعمر هي لغة ثقافية لهم، وأن اللغة العربية لغة القرآن الكريم هي لغة غريبة عنهم، وترمز للرجعية والتخلف العربي، وأرى أن موقف بعض النخب الموريتانية ساعدت في تمرير هذا الرأي بتصرفاته إزاء اللغات الوطنية ومنع اعتراف الدولة بها في المنظومة التربوية.

 

أما السبب الثاني فطبيعته ذاتية تتمثل أساسا في كون المجموعات القومية العربية في البلاد قدمت العروبة و الإسلام باعتبارهما قضايا قومية، بمفهوم عرقي بحت، بمعنى أنه إذا قدمت العربية على أساس أنها لغة العرب، والإسلام على أنه دين العرب، فإذا لم أَكُن أنا عربياً لا من قريب ولا من بعيد سأرفض الانضمام إلى هذا التكتل الذي لا أجد فيه ذاتي ولا هويتي، وهذه مسألة طبيعية لأيٍّ كان، ولهذا قلت إنه توظيف خاطئ لا يخدم مصلحة العروبة ولا الإسلام في الوقت الذى كان ممكنا تمرير هذه الأفكار والخطب المصاحب لها بطرق أكثر موضوعية وسلاسة.

 

وإذا ما سلمنا بهذه المعطيات نفهم لماذا ظهور أو بروز بعض الحركات والتنظيمات ذات الطابع الإنفصالي والإقصائي فيما بين مكونات المجتمع الموريتاني، من هذه الحركات والتنظيمات (حركة ملتمس الزنوج الموريتانيين "فَلاَمْ"، وتنظيمات القومية العربية "الفكر البعثي، الناصري، الثوري القذافي…)، وبالنسبة لي هذه الحركات والتنظيمات لم تخدم موريتانيا ولا الموريتانيين بقدر ما ساهمت بشكل أو آخر في زيادة اتساع الهوة بين الشعب والمجتمع البريئين في جزءهما الكبيرين.

 

وكان من شعارات حركة فَلاَمْ "المساواة بين أبناء موريتانيا، العدالة للجميع"، أما تنظيمات القومية العربية فقد رفعوا شعارات تتعلق بالهوية الضيقة أساسا منها على سبيل المثال "بالدم و اللهيب سيتم لنا التعريب" أو "التعريب بالنار والحديد" فضلا عن بعض الأغاني الشعبية البيضانية التي تحرض على العنف العرقي، مما زاد من مسافة الهوة في المواطنة بين مواطني الدولة الوطنية، ولعل بروز إشكال المواطنة، والهوية، والعنصرية بشكل كبير ما بعد تأسيس الدولة الوطنية كان من النتائج المباشرة للمسائل والقضايا التي لم يستطع المؤتمرون في ألاق مايو 1958 من حسمها ولا طرح ما يمكن أن يكون خارطة طريق لحل توافقي من شأنه أن يطوى صفحة الخلافات الآنية والمستقبلية في ما يخص مستقبل مواطن كامل الحقوق ومواطنة مثالية في ظل قوة دولة القانون وقانون الدولة الوطنية.

 

لا شك أنه كان من تبعات هذه الصراعات والسياسات الإيديولوجية عبر تاريخ الدولة الوطنية فيما بين مكونات المجتمع ما عانى منه البلاد والمجتمع من: فقدان الثقة فيما بينهم، وعدم الاستقرار السياسي،   مما أدى في تسعينيات القرن الماضي إلى الأحداث المؤسفة ما بين دولة موريتانيا والسنغال اتخذت طابعا إثنيا أثرت سلبا على المواطنين و المواطنة في موريتانيا.

 

وفي الأخير لا بد من الإشارة إلى أن الشحن التياري المتعاظم في البلاد وقتها، هو ما أحدث انقسامات و فوارق كبيرة، أسهمت حقيقة في غياب التفاهم فيما بين النخب، وحالت دون إيجاد طرق وسبل إلى حوار فكري وثقافي بنّاء كان بلا شك سيسهم في حسم الخلاف أو تقليل هوة الخلاف بين الموريتانيين حول قضايا اللغة، الهوية، المواطنة، العنصرية… الخ حيث ظل كل طرف يتهم الآخر بأنه ضحية إيديولوجيات مستوردة لا تمت بصلة إلى قضايا موريتانيا الوطنية ولا تخدم مصلحة التعايش الموروث تاريخيا، فغابت بذلك حقيقة المواطنة والوطنيُّ وروح الوطن فتضررت موريتانيا قبل الموريتاني، وما نعيشه اليوم من أزمات سياسية ثقافية اجتماعية ليس إلا امتدادا لإخفاقات مؤتمر ألاق في تحقيق نتائج كبيرة في بعض الجوانب الأساسية لمرتكزات الدولة الوطنية التى كانت مرتقبة، فهل سيتحقق ذلك في باقي الحوارات المرتقبة، وهل هذه الحوارات ستكون شاملة تشمل ما بات يعرف بحوار الثقافات والحضارات وهنا في إطار (ثقافات القبائل، وحضارات الجهوية)، إلى جانب حوار السياسات الإثنية والاجتماعية لإخراج البلاد من فترة المخاض العسير والطويل دون أن تدخل غرفة العمليات لإجراء عملية قيصرية.

 

والله المستعان.

الأحدث