تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

وربما يكون ما ورد سابقا متجاوز بحكم المقام، إذ الرجل موضع الحديث التحق بالجيش الوطني بعد انتهاء آخر حرب بسنوات، ولا مجال للحكم على شجاعته أو جبنه.

 

ولكن ما تداولته التقارير وضجت به الصحف – وإن صمتت عنه المعارضة ولم تعلق عليه الحكومة – من سعي الرئاسة لاقتناء برامج وأجهزة للتجسس وفشلها في ذلك مرتين يستدعي التوقف عند هاجس الخوف الذي تبدو هذه الرغبة الملحة في السيطرة الأمنية على ما يدور في البيوت والأجهزة المحمولة هواتف أو حواسيب مؤشرا حقيقيا عليه.

 

وفي ميزان الوعي تعد الخطوة مقدامة لمن يعيش في عالم السيطرة فيه لمن يحصل على المعلومة أولا، وربما يكون سعي الرئاسة لأن أن تكون الأولى دليلا آخر على أن من فيها يخاف أن يُسبق إلى معلومة، أو أن تُحجب عنه أخرى قد تكون معرفتها فيصلا في أمر مصيري.

 

ولا شك أن هذا السعي سيكون محل تقدير متحفظ لو جاء من الأجهزة الأمنية المكلفة بالحرص على الأمن الوطني مع بقاء هاجس اقتحام خصوصية الناس، أو انتقاء توظيف المعلومات أو المستهدفين بالرصد قائما.

 

غير أن تولي الرئاسة التي تؤول إليها بحكم الدستور السيطرة على السلطة التنفيذية بفرعيها المدني والعسكري، يجعل الأمر غير مبرر، أو غير مفهوم إلا في إطار الخوف من خطر متربص لا تعلم جهته، وتخشى الرئاسة أن تؤتى فيه من مأمنها، كما أوتيت رئاسات سابقة.

 

والباحث عن تفاصيل المحاولتين السابقتين للرئاسة لاقتناء معدات تجسس يدرك ببساطة أن الهدف منها ليس التنصت التقليدي على المكالمات، فذلك أمر تكفله دفاتر التزام شركات الاتصالات وتقوم به الشرطة وقد لا تنتظر أحيانا إذنا قضائيا بذلك.

 

فشركتا "وولف أنتلجنس" و"هاكينغ تيم" اللتان كانت الرئاسة تحاول التعاقد مع الأخيرة منهما، وخسرت قرابة نصف مليار أوقية في صفقة غامضة مع الأولى متخصصتان بالدرجة الأولى في تتبع الأجهزة الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي والمحادثات الأكثر تحصينا، وهذه الشبكات بحكم التنوع والخدمات تستقطب بالدرجة الأولى الجيل الشاب وخدماتها – على رداءة شبكة الأنترنت المحلية – موجهة إلى هذا الجيل بالأساس.

 

وقليل من قادة المعارضة الموصوفة بـ"أعداء الوطن" من يستخدمها بكفاءة إلا ما كان من شبابهم على قلته أيضا.

 

ولا يمكن تبرير الإصرار الرئاسي هذا بالحرص على السيادة الوطنية لأن السيادة منتهكة في أكثر جوانبها خطورة، وهو مجال الاتصالات.

 

فشركات الاتصالات الثلاث الموجودة في البلد تدار من جهات أجنبية بما في ذلك الشركات التي توفر الخدمة لهواتف الرئيس ووزرائه ومختلف أجهزته الأمنية.

 

وقد وقع الجميع في فخ العروض التي قدمتها هذه الشركات بتوفير أرقام مجانية ومتميزة لرجال الدولة وقادة الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، غير مدركين أن تلك العروض السخية ليست سوى خطة دقيقة لمعرفة محادثات تلك الأطراف والتحكم في مضامينها وتوظيفها عند الحاجة.

 

وأي محادثة تجرى من رقم لإحدى الشركات الثلاث ستكون عرضة لأن تصل إلى جهة أجنبية ما.

 

فكان من الأولى الحرص أن تكون السيادة أولا على شبكات الاتصال قبل أن تكون على تتبع ما يدور فيها من محادثات في معظمها سطحي ومكشوف لأجانب.

 

وبالعودة إلى موضوع الصفقة الأخيرة الخاسرة في جميع الحالات سواء تمت أو لم تكتمل، فإن التطور التقني المتلاحق يجعل اقتناء تلك المعدات ضربا من تضييع مال الشعب في ما لا قيمة له، وكان الأولى أن تصرف أمواله في ما يخفف من معاناة الناس.

 

لأن التنافس عالميا قائم بين الشركات الكبرى على توفير أكبر قدر من الأمان، وما القضايا العالقة بين شركة آبل وشركة فيسبوك وبين الحكومتين الأمريكية والبرازيلية، وما التنافس في تشفير المحادثات بين تطبيقات التواصل إلا دليل على أن تحصين الدولة بالعدل أولى من تتبع محادثات الناس.

 

وعلى افتراض أن الرئاسة حصلت فعلا على معدات التجسس وراقبت كل الأجهزة الأمنية والعسكرية وكل المكالمات ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي، ووظفت الترسانة القانونية المتشددة في قانون الميمات الثلاث، فمن يضمن لها أن القائمين على هذه الرقابة لن يحجبوا عن الرئيس ما يمس مصالحهم أو يهدد وظائفهم.. ومن سيحرس الحارس؟

 

الأحدث