تخطى الى المحتوى

السلطة و المعارضة معا... في خطر !

جدول المحتويات

 

إن ما نشاهده هذه الأيام و ما نسمعه من خطابات "عدوانية" و خطابات مضادة منغلقة على ذات حصرية طاردة للآخر، يكفي للدلالة على أن سفينة الوطن تطفو بصعوبة على سطح بحر من الأزمات، و باتت مهددة بالغرق – لا قدر الله – إن لم نتدارك أمرها.

 

بالفعل. نحن أمام ساحة سياسية آخذة في التآكل و التفكك و التشظي و التناثر… لا مركز لها، و لا نقطة توازن. الكل فيها يحارب الكل ! و لم يبق شيء محل تراضي أو إجماع. فالسلطة ترى في المعارضة عدوا للوطن يجب الاجهاز عليه، بل وتذهب إلى أن كل من لا يواليها هو عدو محتمل. و المعارضة، من جهتها، ترى في السلطة شر و نهب و تخريب يجب استئصاله و نفيه.

 

و الفريقان يقفان على طرفي نقيض. فالتصديق التام من جهة الموالاة يقابله التكذيب التام من الجهة الأخرى، و "الحقيقة الكلية" يقابلها "الباطل المحض"، و الولاء المطلق تقابله العداوة المطلقة…

 

و هكذا تضيع نسبية الأشياء !و المشكلة في هذين الخطابين الضدين لا تكمن في عدم إمكانية التقاء القائلين بهما و في عدم إمكانية الحوار بينهم فقط، بل تكمن أساسا في أن أصحاب السلطة لا يرون في النظام شيئا يحتاج إلى إصلاح، و أصحاب المعارضة لا يرون فيه شيئا يمكن أن يصلح.

 

و كل بما لديهم فرحون. أولئك غارقون في إيجابية مطلقة، و هؤلاء غارقون في سلبية مطلقة. فالطرفان معا سلبيان إزاء الاصلاح الديمقراطي و التناوب السلمي، بل أكثر من ذلك، هما متواطئان موضوعيا على بقاء الوضع كما هو عليه، إذ أن القول بأن كل شيء صالح هو ذاته القول بأن كل شيء فاسد. و في هذا السياق، يكون البلد في توازن صفري، لا يمكن معه تداول سلمي على السلطة بين جهتين متناقضتين "تعادميا".

 

فالتداول لا يكون، و لا يمكن أن يكون، إلا بين قوتين متنافستين و لكنهما متراضيتين في الوقت ذاته، و بالتالي، فإنه لن يتم إطلاقا ما لم تكن هناك مساحات مشتركة تلتقي فيها الموالاة و المعارضة إيجابيا، و تفاهمات و تراضي على أسس و قواعد اللعبة السياسية، و إلا كيف يمكن أن يتحول الشيء إلى نقيضه من دون تدمير الوحدة أو تفكيكها.

 

و لنا، في موريتانيا، تجارب قاسية و معروفة مع واقع العداء و الشر و الكراهية و التصعيد الدائم، بسبب وبلا سبب، بين الفرقاء السياسيين.

 

إنه واقع عقيم و سقيم، عنوانه البارز : "تأزيم" ثم "انقلاب"، ثم "تأزيم"، ثم "انقلاب"، ثم "تأزيم"، و هكذا دواليك…

 

ومع كل انقلاب يسقط الجميع – تسقط السلطة و المعارضة معا – و يبدأ العمل من الصفر. فهذا النوع من العمل السياسي "مواليا" كان أو "معارضا" لا طائل من ورائه و لا فائدة فيه. فهو لا يقدم، بل يؤخر في الغالب.

 

لا يمنح السلطة البقاء، و لا يمنح المعارضة الوصول ! و من هذا المنطلق، و بناء على ما مضى من تجارب مرة، و ما تراكم من دروس و عبر، أقول بأن شلل الحياة السياسية على هذا النحو، و انسداد الأفق، و الاستسلام للعاطفة و الخطابات النمطية و القوالب الجامدة… يفتح الباب دوما أمام استيلاء العنف و العنف المضاد في كل حين.

 

و يؤول حتما إلى خسارة الجميع. فلا السلطة تبقى مكانها بهذه الطريقة، و لا المعارضة تصل مبتغاها ! إنه وضع عقيم بما في الكلمة من معنى.

 

لذا، أردت لهذه الورقة عنوان: السلطة و المعارضة معا… في خطر ! عسى أن ينتهي التصعيد ليحل محله الهدوء و التلازم و التكامل. و الله ولي التوفيق.

الأحدث