تخطى الى المحتوى

الأزمة السورية وصعود الدبلوماسية الروسية (ج2 )

جدول المحتويات

الذي كان لا يتحمّل رئيس الوزراء بريماكوف، والذي كان وقتها مدعوما من أحزاب سياسية كان هدفها جعله وليا للعهد ، في وقت بدا فيه أن نهاية الرئيس يلتسن قد قربت، ربما بسبب إدمانه على الكحول وربما أيضا لمرضه الخطير الذي وصل إلى مرحلة متقدمة جدا. لذا أخذ يوماشيف ينصح رئيسه المحتضر بالقول: "إن لديكم خصما قوميا (بريماكوف)  فلتختر خلفا أكثر قومية؛ وإذا كان قريبا من جماعة الكا جي بي: فلتختر من يكون أكثر قربا منهم، وإذا كانت صحته جيدة: فلتختر شابا أقوى[i]".

 

وقد أدت هذه المناورة بسرعة إلى تعيين بوتين مديرا لجهاز الأمن الاتحادي في يوليو 1999 ورئيسا للوزراء بعد شهر. و هو ما وفر له وسائل جديدة للتأثير على مصيره وإزاحة العوائق في طريق انتخابه للرئاسة، ليحكم على مدى ولايتين منتخبا في عام 2000 وعام  2004، قبل أن يعود للمرة الثالثة في عام 2012 بعد القوس الدستوري لميدفيديف.

 

من الخطب الرسمية له أو خلال تدخلاته الإعلامية، يمكننا أن نستنتج أن مشروعه المجتمعي يستند على تراكم أفكار مغالية في الوطنية. فالروسي المتوسط يجد فيها ما يريد أن يسمعه: الحنين إلى الاتحاد السوفياتي، الطموح الإمبراطوري وعلى وجه الخصوص، ما هو أكثر إلحاحا أيضا بالنسبة للشعب الروسي، عزمه على استعادة دولة قوية لإقامة النظام والانضباط في الداخل وأخذ المكانة التي تليق بروسيا في الدبلوماسية العالمية، بعد ما كان هو نفسه يسميه '' الفوضى '' للعقدين من زمن غورباتشوف- يلتسين (1980-1990).

 

عودة روسيا إلى الدبلوماسية العالمية

تميز  عقد التسعينات من القرن الماضي بشكل خاص بصعوبات داخلية وهزائم دبلوماسية (صربيا وكوسوفو وجورجيا)، عاشها الروس كسنوات مظلمة، لما عرفه البلد من تراجع مشهود في مواجهة '' الغطرسة " الأمريكية، المنتصرة في الحرب الباردة، فضلا عن كون هذه الحرب لم تنته بمعاهدة للسلام تضمن قواعد ينبغي أن يحترمها المنهزم المفترض.

 

ونتذكّر هنا تدخل حلف الشمال الأطلسي في صربيا (1999) وفرض كوسوفو دولة مستقلة وهو ما اعتبر من جانب الرأي العام الروسي على أنه إذلال دبلوماسي لم يسبق له مثيل.

 

وفيما يتعلق بغزو العراق في عام 2003، فإن الرئيس الروسي كان لا يزال مشغولا في  إرساء نظامه الذي كان يواجه بمعارضة شديدة في ذلك الوقت، ولكنه لم يخف قط المرارة التي يشعر بها ضد الولايات المتحدة التي دفعت هذا الحليف الإقليمي القوي ظلما على حافة الهاوية، مخربة مؤسساته بما في ذلك الجيش على وجه الخصوص.

 

فهذا التدخل العسكري من جانب واحد كان خارج أي قانون دولي، وقد وضع في الشوارع عشرات الآلاف من الجنود والضباط وكذلك الموظفين الأكفاء جدا والأعضاء السابقين في حزب البعث وهو ما قادهم في النهاية إلى الانضمام إن لم يكن لإنشاء منظمة الدولة الإسلامية أو داعش .

 

فلماذا العجب بعد ذلك أن تظهر هذه المنظمة قوية جدا، فضلا عن أنها قد تلقت دعما كبيرا منذ البداية، على غرار شقيقاتها الأخريات، بالمعدات العسكرية والموارد البشرية من قبل المملكة العربية السعودية، على الرغم من أن هذه الأخيرة لا تزال حتى الآن  تواصل نكرانها المرة تلو الأخرى[ii]؟

 

أما ليبيا معمر القذافي ، التي اشترت من الروس ما يزيد على  حاجتها من الأسلحة فقد جعلت منه منظمة حلف الشمال الأطلسي بلدا في خطر التفكك، استنادا إلى تفسير تعسفي لأحكام قرار مجلس الأمن الصادر في مارس 2011. فقد أنشأ هذا القرار، منطقة حظر للطيران فوق ليبيا، ولكنه حظر أي تغيير للنظام بالقوة. وهكذا نظرت روسيا إلى تدخل الناتو المباشر ودوره في هزيمة الجيش النظامي ضد المتمردين واعتقال وإعدام معمر القذافي باعتبارها انتهاكا للقرار المذكور. وكانت الولايات المتحدة قد ساهمت في ذلك الخرق، أولا من خلال إعطائها الضوء الأخضر ثم بعد ذلك بعدد من الصواريخ، وهي وإن كانت محدودة، فقد أُطلقت من المياه الإقليمية لليبيا من قبل سفينة حربية. وإذا  لم تكن في الخط الأمامي، فإن أجهزة مخابراتها قد لعبت دورا إعلاميا منقطع النظير لحلف الشمال الأطلسي وثنائييه الاثنين الآخرين فرنسا وانكلترا، اللتان احتلتا الصدارة في المسرح.

 

وبدلا من ذلك، فإن دورها في سوريا كان أقل كثافة وظلت هجماتها المتفرقة تتمركز في الفضاء العراقي: كلما عبرت داعش حدود '' الفوضى المسيطر عليها ''، على نحو محاولتها الدخول في بغداد منذ ما يربو أو يقل عن سنتين. فهو إذن دور كان على الأقل غامضا. و كان استنتاج بعض المراقبين انه يمليه قرار استراتيجي للانسحاب الجزئي من المنطقة و أن هذه الإستراتيجية الجديدة مبنية على الإخفاقات الذريعة لتدخلاتها العسكرية في أفغانستان والعراق، وقبل ثلاثة عقود الكارثة الفيتنامية. فقد أكّد المستشار الدبلوماسي السابق للرئيس أوباما، في حوار تلفزيوني أن الولايات المتحدة تسعى بشكل واقعي للحد من وجودها في المنطقة. فهل يعود ذلك إلى أن العالم أحادي القطب تبين في الواقع أنه صعب للغاية ومكلف ولا تمكن السيطرة المطلقة عليه ؟

 

وعلى أي حال، فهذا الانخفاض النسبي لا يعني على الإطلاق تراجعا في القوة الفائقة للولايات المتحدة. بل ينبغي لنا أن نعتقد أن الأمر إنما هو إستراتيجية تعتمد على هذه التجارب الثلاثة المميتة وتفضيل الاستفادة من نهج مدروس ودقيق لإعادة تقييم بعض الرهانات الرئيسية. ويبدو أن الأميركيين قد فهموا أخيرا أن السلطة لا يمكنها أن تفرض إلا من خلال ملاءمتها للسياق. إلا أن السياق السوري محفوف بعدم اليقين: احتمال التدخل العسكري يصطدم بأنظمة صواريخ ذات تكنولوجيا مجربة قوية وعالية الدقة مصنوعة في روسيا وإيران، ومتوفرة بكميات كبيرة في يد النظام السوري وحزب الله اللبناني، وقادرة خصوصا على إلحاق ما فيه الكفاية من الخسائر بحيث لا يكون هذا التدخل قابلا  "للتسويق " لدى الرأي العام الأميركي.

 

وينضاف إلى ذلك أن التجارب المؤلمة المذكورة أعلاه التي حفرت الآن في الذاكرة الجماعية للأميركيين الذين يضعون فرضية أن الإملاءات من جانب واحد، أو فرض  المرء لوجهة نظره الخاصة على الآخرين، يولد عكس النتيجة المتوقعة. وبدلا من حل الصراعات، فإن ذلك سيؤدي إلى تصعيدها. فهل يا ترى حفظت الولايات المتحدة الدرس أخيرا؟.

 

وهل لهذا السبب كانت قد قررت العودة إلى مجال القانون الدولي بقبولها خطة الخروج من  الأزمة المقترحة من طرف موسكو في الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر عام 2013، والتي كانت تقضي بتأمين الترسانة الكيماوية لدمشق تحت إشراف الأمم المتحدة؟

 

و من المعروف أنه تلا ذلك اتفاق تم التوصل إليه بشكل سريع خلال الشهر نفسه، على الرغم من الاندفاع القوي للدبلوماسية الفرنسية التي كانت لها باستمرار مواقف غريبة تجاه جميع ما يلامس الملف السوري. وقد تطورت سياسة حافة الهاوية الفرنسية هذه أيضا إلى ازدراء من الولايات المتحدة التي لم تكلف نفسه عناء إزالة فرنسا من الترتيب مع روسيا حول تفكيك الترسانة. وكانت تلك أيضا علامة أخرى على عودة روسيا إلى الدبلوماسية العالمية.

 

بيد أنه  قبل بضعة أسابيع، كان باراك أوباما يعلن عن تهديدات بتوجيه ضربات عسكرية في حال ما إذا  لم يحترم النظام السوري "الخط الأحمر" الذي كان قد حدده له. ولكن الوضع بعد تقدم الجيش النظامي وقدرته على استعادة الأرض التي كان قد خسرها يجعل الحل العسكري مستحيلا.

 

ومن جهة أخرى فإن إحجام الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، باستثناء فرنسا، عن توفير أسلحة فعّالة للمتمردين، كانت تستند إلى مخاوف وزارة الدفاع الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية من خروج المنطقة  بأكملها عن السيطرة. وفي الواقع، فإن تراجع الرئيس الأميركي، بعد تهديداته، قد تسبب في غضب المملكة العربية السعودية التي شعرت بإحباط شديد وصل إلى حد رفضها في أكتوبر 2013 مقعد عضو غير دائم في مجلس الأمن.

 

إنه لمن المستغرب أن تكون فرنسا والمملكة العربية السعودية غير قادرتين على فهم الملف السوري وما يمثله بالنسبة إلى روسيا والفائدة النسبية التي يمثلها للأميركيين. فالأولى تكرر نفس الأخطاء بشأن البرنامج النووي الإيراني.

 

ورغم غياب الرؤية البراغماتية والواقعية فإنها مع ذلك نجحت، من خلال موقفها ومزايداتها  الإعلامية إبان المفاوضات بشأن هذا الملف، "أن تغيظ واشنطن، وتضايق  لندن، وتزعج برلين وتسلي موسكو[iii]".

 

أما بالنسبة للمملكة السعودية، فإنها، قد أساءت التقدير بتغذيتها طموحات غير واقعية للقيادة الإقليمية، واجترارها لأوهام كثيرة في هذا المجال : (1) حيث قللت من قدرة نظام بشار الأسد و من جيشه. (2) واعتقدت أن التدخل العسكري الدولي كان يمكن أن يحدث على الرغم من روسيا. (3) و أساءت تقدير حملتها الإعلامية المدبرة بنشاط من طرف قنوات الجزيرة و العربية، والتي تتمثل في تعميق الفجوة بشكل خطير بين المسلمين السنة والشيعة، في تكرار للتجربة المأساوية في العراق، اعتقادا منها أن العصب الحساس لهذا الانقسام سيكون كافيا لوضع كل العالم السني في اللعبة. (4) وكان موقفها متصلبا بشأن '' الرحيل السابق لأوانه'' للرئيس السوري ويظهر كما لو كان شكلا من أشكال النزوة الدبلوماسية. (5) إنها تستطيع أن تجمع خلال بضع ساعات رؤساء حكومات جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ولديها الإمكانيات المالية الكبيرة لتنظيم مثل هذه الاجتماعات الرسمية، ولكن مثل هذا الحدث ليس إلا تنبيها دبلوماسيا لن يغير من الوضع في سوريا. (6) كما أن بإمكانها أيضا أن تتحدث إلى أمراء دول مجلس التعاون الخليجي لتنقل لهم خطابا يمكن أن نتصوره بهذه الألفاظ :

 

'' نحن، المحظوظون أهل الخليج المبارك، اختار الله لنا أن نسكن هذه المنطقة الصغيرة من الرمال والجبال، لدينا عدو مشترك، وهو العدو الرهيب، إنه تجسيد للشر، إنه إيران ويجب علينا، تحت قيادتي، أن نحتمي من هذا العدو الذي يريد إلحاق الأذى بنا، لذلك سوف يكون لي الحق في أن أطلب منكم أو حتى أن أجبركم على التضحية بالمصالح السياسية والاقتصادية وعلى أن تدفعوا حصتكم من تكاليف هذا المشروع الكبير للدفاع المشترك، وسأكون أنا، بالطبع، هو المسؤول الوحيد عن هذا المشروع والمحاور الوحيد في مواجهة شركائنا الخارجيين.

 

المشكلة هي أنه في جميع أنحاء العالم، لا يوجد سوى هؤلاء الثلاثة أو الأربعة أمراء الذين قد يصدقون ذلك الخطاب، بل إن سلطان عمان لا يؤمن به كثيرا ، أو لا يؤمن به على الإطلاق، فهو يخالفه بانتظام ولكن بأدب وينسج علاقات جيدة مع إيران. (7) فالمملكة العربية السعودية يمكنها في نهاية المطاف، وسبق أن فعلت ذلك، تنفق عشرات الملايين من الدولارات لصالح اللوبي اليهودي من أجل الضغط على أعضاء الكونجرس الأمريكي بغية الإنهاء من جانب واحد للاتفاق حول القضية النووية الإيرانية، ولكن هذه الاتفاقية تم التفاوض فيها وتوقيعها من قبل الإدارة الأمريكية على أساس توصيات الهيئات الثلاث الأكثر قوة في السلطة الأميركية: مجلس الأمن القومي، والبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية التي هي المسؤولة عن تحديد وتنفيذ السياسة الأمنية الخارجية للولايات المتحدة؛ فلو كان من إدارة أخرى، جمهورية أو لم يكن، فإنه لن يغير شيئا، والأمور لن تسير إلا بشكل مماثل على النحو الذي جرت عليه.

 

في ضوء كل ما سبق ينبغي أن نفهم التصريحات الأخيرة لباراك أوباما والتي تجاوزت نشاط المملكة في الملف الإيراني ونزوعها إلى جعل أمانيها حقائق حول موضوع سوريا، علما أن مشكلتها كانت بالأحرى أكثر صلة بالمطالب المشروعة لشبابها وليس لشيء آخر. والرئيس الأمريكي سيحاول في وقت لاحق إشباع نزوات المملكة بطريقة ''دبلوماسية ''، بمناسبة القمة الخليجية الأخيرة في 21 من شهر أبريل المنصرم. ولكن لا ينخدع أحد بذلك، فهذه المجاملات هي "لصيانة ماء وجه '' السعوديين وليست تأسفا أو اعتذارا.

 

فبدلا من السعي الحثيث إلى متابعة نهج السياسة التي لا يمكنها أن تؤدي إلا إلى المزيد من الألم لشعوب المنطقة  مع ما ينتج عنها من ضياع الوقت و المال، كان الأحرى بهم  رفع شأن بلدانهم في هذه المرحلة الجديدة من التاريخ حتى تلتحق بركب الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمساهمة معها في تسوية الصراع السوري. وإلا فإن الأزمة سوف تجد حلا على أي حال، من دونهم، مثل مسألة النووي الإيراني؛ ويجب عليهم أن يفهموا علاوة على ذلك أن تسوية هذين الملفيْن ستؤدي بالتأكيد إلى إعادة رسم ما يمكن أن يكون عالما ثنائيا أو متعدد الأقطاب في المستقبل، عالم تكون فيه التحالفات والتكتلات غير موجهة ضد شخص ما، مثل "مركز أو محور الشر"، ولكن من أجل شيء ما، مثل المصالح الاقتصادية المشتركة…

يتوصل…

 

——————-

[i]  مذكور من قبل افلادمير  فيدوروفسكي  في شبح استالين نشر عام 2005

[ii]  جيل كيبل  باحث فرنسي  ومستعرب  أظهر كيف أن  المملكة  قد ساهمت  بشكل كثيف  في تمويل  تسليح  داعش  وأخواتها الأخريات  وكذلك في تجنيد المجاهدين

[iii]  مقال لأوليفيى زاجك  من صحيفة  عالم الدبلوماسية، أكتوبر 2013

 

الأحدث