تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

والتي تركت لدى صحْب جمال الكثير مما يقولونه عن الفتى الذي عايشوه لبرهة من الوقت، كما ظلت النخب الثقافية العارفة بالمرحوم تنوّه به في المجالس والمناسبات وتستذكره بشجن في مواعيد الذكرى السنوية لرحيله.

 

وتوضح الرحلة العمرية للدكتور جمال التي استغرقت (40) عاما أو تزيد قليلا، أن صورته الثقافية والأدبية تبلورت لدى العارفين به في وقت مبكر من حياة الشاب، ففضلاً عن الحضور المدرسي الذي عرف به، كانت أيضا صِلاته بالشخصيات العلمية في البلاد وهو شاب في مقتبل العمر تدل على مكانته الثقافية وتؤسس لمشواره العلمي الذي تَمثَّل في إنجاز عدد من المؤلفات والأطروحات المتخصصة في الشعر والتاريخ الموريتانييْن، إلى جانب نوعية الكفاءات الشخصية التي اتسم بها وكونه أول أكاديمي موريتاني في النقد والأدب، ما جعله أستاذ الأجيال الأولى المتخصصة في هذا المجال، حيث إن متخرجي الدفعات الأولى من طلاب كلية الآداب بجامعة نواكشوط وكذلك طلاب المدرسة الوطنية للأساتذة والمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية يمثّلون رقماً مهماً في معادلة الحديث عن المرحوم جمال ووفّرت ذكرياتهم مادة منوّعة عن فرادته وتميزه.

 

وفي معرض الذكريات حقيقة، يتلاقى جميع العارفين بجمال، وأقتصر في هذه الأسطر على شذرات من ذكريات الرفاق الأوائل، (زملاء الدراسة)، حيث يورد الشاعر محمد الحافظ ولد أحمدو أنه لا ينسى حين عاهده جمال في ختام أحد الأعوام الدراسية قائلا سأعود لك من العطلة ولم أترك حرفا يدرس في إكيدي إلا جئتك بما فيه من فائدة، على أن تأتيني بأحسن ما عثرتَ عليه من الشعر، وقد جاءه جمال بقصيدة تميم بن أبيّ بن مقبل العجلاني:

 

إذا متُّ عن ذكر القوافي فلن ترَى … لها قائلاً بعدي أطبّ وأشعرا
وأكثرَ بيتًا سائرًا ضربت له … حُزونُ جبال الشعر حتى تيسرا
أغرّ غريبًا يمسح الناس وجهه … كما تمسح الأيدي الأغر المشهرا
فكثيرا ما استحسنها جمال، وكان يمسح وجهه بيده عند حكاية البيت الأخير:
أغر غريبًا يمسح الناس وجهه … كما تمسح الأيدي الأغر المشهرا


وفقا لما يستذكره محمد الحافظ، والذي عاد بدوره إلى جمال ملتزما بالاتفاقية، حيث أتاه بقصيدتين، الأولى منهما نونية قعنب بن أم صاحب:


بانت سليمى وأمست دونها عدنُ ** وغلّقت عندها من قلبك الرُّّهُن


والثانية، قصيدة عروة بن أذنية:


إن التي زعمت فؤادك ملَّها ** خلقت هواك كما خُلقت هوى لها

 

ويستذكر ولد احمدو، في هذا السياق أنه بعد فترة قصيرة من تبادلهما لتلك القصائد، حصل أحد الطلبة على كتاب "قصتي مع الشعر" لنزار قباني، وأنه لمّا طالعه هو محمد الحافظ وجد فيه ذكر نزار قباني لأبيات تميم ابن مقبل العجلاني السابقة، حيث انتخبها نزار قباني من بين عديد المقطوعات التي كان يسمعها ألحانا في صباه، فأطلع على الأمر جمالا حيث علق له: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب".

 

وفي سياق آخر، يذكر محمد الحافظ اكاه، جوانب وقصصا من حياة جمال، وبعض الخصوصيات التي امتاز بها، ومن ضمن ما يذكره بعض الكتابات الإبداعية التي كان يسهم بها، ومنها النص التالي الذي يعالج فيه ظاهرة اجتماعية، بأسلوب يحاكي الفقيه المالكي خليل بن إسحاق، والنص أو (القف) حول حِلاقة معينة انتشرت في أوساط الشباب، تسمى "إيَيَا"، حيث يقول:


"اييا طهارة من دون وخلق معاً لا أحدهما ، ووطنيةٍ، استظهرت لشاب يعيش في مطلق حضر في قَرننا، وهل للذي قبله بغرب خلاف، وسُنَّ لها قميص زُرْكشَ وبنطلون اتسع أسفله بخلاف أعلاه، إن تناسبا ظاهرا، وإلا تركا متناسبين، وسجد لسهو كفوات أفلام وإخلاف موعد فجور، ولا سجود لفوات تُقى ولا كرم محتد ولا علم بشرع".

 

كما لا ينسى عند التعرض للإنتاج الشعري لجمال، قصة أبيات طريفة يقدم فيها رؤيته الأكاديمية ، وفهمه لدور الأستاذ ومتطلبات كفاءته، فيقول:

 

لعمرك ما التأستذ بالشهادهْ ولا حفظ ِالكراريس المعادهْ
ولا بأصالة في جامعات ولا لمُزخرَفِ الخَطِّ الإجاد
ولكن التأستذ حسن خلق وعلم منه تمكن الاستفاده


…..


رحم الله جمالا

 

الأحدث