جدول المحتويات
مما لا شك أن الإسلام هو دين يقوم على تكريم الإنسان من حيث هو إنسان؛ بغض النظر عن جهته أو موطنه أو لونه أو جنسه أو وظيفة، فهو يعتبر أن الإنسان مخلوق مكرم، قال تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم"، فالتكريم في الإسلام للإنسانية جمعاء، وهذا ما يوضحه جليا عمل وقول القائد الأعظم الحبيب صلى الله عليه وسلم حينما قال: " أليست نفسا" ؟ ليؤكد أن لكل نفس في الإسلام حرمة ومكان، ققد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت عليه جنازة وهو جالس فقام لها وافقا، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: " أليست نفسا" ؟
ثم إننا نجد الباري جل شأنه في كتابه حينما وجه إلى ابن آدم الخطاب الذي فيه " لمسة العتاب المبطنة بالوعيد" ليهز كل ذرة في كيانه وليبلغ من القلب شغافه وأعماقه خاطب إنسانيته، فقال: » يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ«.
وهكذا نجد الخطاب القرآني للإنسان تكرر ثلاثا وستين مرة، كما تكرر كلمة "الناس" فيه مائتين وأربعين مرة… وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على شمولية الرسالة الإسلامية وعلى المكان السامي للإنسان فيها؛ فكتاب الإسلام خاطب الإنسان ورسول الإسلام إنسان ويحب الإنسان، والجانب التشريعي في الإسلام أعطى للإنسان مساحة كبيرة، فنظم أحواله الشخصية ومعاملاته وصان له نفسه فرتب على كل من جنى عليها من يستحقه من عقوبات…
إذن فليس في الإسلام دفين حقد للإنسانية ولا يحمل ضغائن ضدها، وكيف يحملها ؟ وهو من جاء لتحريرها من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمان، وصان حقوقها وهذب سلوكها ورد لها الاعتبار فأخرجها من وحل البهيمية وظلماتها إلى نور التوحيد.
وقد أخطأ من أنكر وجود نزعة إنسانية في الدين الإسلامي على اعتبار أن بعض النصوص أمرت بالقتال والعنف؛ إذ لو تعرَّف على المنطلقات الأساسية والمقاصد الكلية للإسلام لاتضح له بجلاء إنسانية الإسلام، لكن التلاعب بوظيفة الدين الغني بالأبعاد الروحية والمعنوية والجمالية عبر تاريخنا المجيد أفقده حيويته وحشر وظيفته في زاوية ضيقة من خلالها أصبح أيديولوجية سياسية وصراعية تتنافس على سدة الحكم وتدعوا إلى الثورية، الأمر الذي جعل المفكر الإيراني على شرعتي _ على خطأ تصويره _ يصور الإسلام على أنه أيديولوجيات ثورية.
لكن يكفينا إثباتا لإنسانية الإسلام أن نتأمل ولو قليلا في جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم ليتأكد لنا بما لا يحتمل الشك اشتمال الدين على نزعة إنسانية، وبذلك سيتضح لنا أن الذين يرفعون شعارات "حق أريد بها باطل" وينتهكون الإنسانية باسم الإسلام ليسوا على هدى من ربهم.
وإذا تأملنا في قوله صلى الله عليه وسلم: «اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا امرأة، ولا وليدا، ولا شيخا كبيرا، وإذا حاصرتم أهل مدينة، أو أهل حصن، فادعوهم إلى الإسلام، فإن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، فإن أبوا، فادعوهم إلى الجزية، يعطونكم عن يد، وهم صاغرون، فإن أبوا، فقاتلوهم حتى يحكم الله بينكم، وهو خير الحاكمين»
هنا تتضح المقاصد، ويتجلى أن الجهاد وسيلة وليس مقصدا في حد ذاته، حينما يعطي القائد الأعظم خيارات قبل الدخول في معمعان المعركة تفاديا لها، كما تتجلى الإنسانية في أبهى صورها، وليست تلك الأكاذيب التي يدعيها الغرب ويرفع شعاراتها، وعندما تحين أقرب فرصة يعمل على خلافها سيما إذا كانت تجاه المسلمين؛ ربما يكون السبب في ذلك هو أنهم يضيقون مدلول "الإنسان" ليدل على الغربي فقط، أو على كل من انسلخ من الإسلام وعادى من تولَّوْهُ وحارب حماته، من هنا يصبح في نظر الغرب إنسانا يستحق أن تحمى حقوقه وأن يدافع عنه ويسب من يسومه بسوء ويدعونه "إرهابيا" …
أما المسلم أو العربي بصورة عامة لما ضاقوا به ذرعا أخرجوه عن إنسانيتهم المصطنعة فأحلوه دار البوار، واستحلوا دمه وعرضه وعرضه وحاربوه بسيوف من هو من جلدته ويدين بدينه لما تخلى عن مبادئه وباع دينه بعرض من الدنيا…
إذن فالإنسانية تسحق وتهدم أركانها بإرادة خارجية وبأيادي داخلية؛ مما جعل الحابل يختلط بالنابل؛ فأصبحنا لا نعرف العدو من الصديق ولا المحارب من المسالم، فأدى بنا ذلك إلى الاستنجاد بالغرب وهم ألد أعدائنا متجاهلين التاريخ طمعا في سراب بقيعة وأوهام نصبها تضليلا لعقولنا وسلبا لتفكيرنا، فوقعنا في الهدف وسقطنا في المحذور …
لكن حينما نرجع إلى الإسلام الحق نجد الإنسانية ماثلة فيه وراسية لا يزلزلها شيء، فلم يأت إلا من أجل إنقاذها بإخراجها من الظلمات إلى النور. من هنا شرع الجهاد حفاظا على النوع الإنساني الراقي الذي يصلح للاستخلاف في الأرض وقابل لحمل هم الإنسانية، وليس ذلك النوع المنحط الراضي بالذل والهوان، وبالسفح والحضيض مسكنا…
وعلى الرغم من تشريع الجهاد، فلم يكن المقصود منه سحق الإنسانية… لا وكلا… بل ظلت كرامة الإنسان الهدف المنشود وحفظ وجوده الأمر المقصود؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده محافظين على هذا المبدأ؛ لأنهم يعرفون كل المعرفة أن الإسلام كرم كل إنسان وحرم الاعتداء عليه بغير حق، فقال جل من قائل في خضم الأمر بالقتال: " ولا تعدوا إن الله لا يحب المعتدين" ، وأدركوا أن من العدوان تجاوز " المحاربين المعتدين إلى غير المحاربين من الآمنين المسالمين الذين لا يشكلون خطراً على الدعوة الإسلامية ولا على الجماعة المسلمة، كالنساء والأطفال والشيوخ والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ودين"، وازداد تأكدهم من الأمر حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، وقال: «اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا امرأة، ولا وليدا، ولا شيخا كبيرا… ».
فالإنسانية إذن كانت واضحة في الضوابط الجهادية؛ حينما حقنت دماء من لا يشكلون خطرا على الإشعاع الإسلامي، ولا يقفون شوكة في حلقه ولا عقبة في إيضاح تلك المحجة البيضاء… بل نجدها متجلية في مواقف أخر، وحتى تجاه من يقفون في وجه الإسلام ويتربصون به الدوائر عداء له وحرصا على عدم انتشاره بحجة واهية، وهي: " إنا وجدنا آباءنا على أمة" ، ففي حق هؤلاء تجلت الإنسانية في تحريم منع الإسلام للتمثيل، وفي حظره للقتل بصور بشعة ؛كالقتل بالنار أو غير ذلك .
والحقيقة أن ما يدعيه من يصرخون بحقوق الإنسان ويرفعون شعاراته مجرد دعاوي، ليس إلا. وأن من ينتهكون حقوق الإنسان وينسبون أنفسهم للإسلام، فهو براء مما يعملون.