تخطى الى المحتوى

الأزمة السورية وصعود الدبلوماسية الروسية (ج1)

جدول المحتويات

تجاهلت القانون الدولي وانساقت وراء أجندات أملتها رغبات دول الخليج، التي لم تتردد في قبول التكفل بتوفير الخدمات اللوجستية للحرب ضد ذلك النظام: توفير الأسلحة وتدريب المتمردين، بما يشمل مختلف الفصائل التي أصبحت تنعت بأنها حركات من أجل الحرية والديمقراطية أو الجهاد ضد "المد الشيعي".

 

صحيح أن هذه القوى كان لديها كل شيء لكسب هذه الحرب: فمخاطر الخسائر في الأوراح مستبعدة لأن قواتهم لن تذهب إلى أرض المعركة؛ والأسلحة والمعدات العسكرية المستخدمة يتم بيعها بمليارات الدولارات. مسئول استخباراتي أوروبي قال لأحد الصحفيين  "… لقد خلقت الدعاية السعودية انقساما بين التيارين الإسلاميين الكبيرين من أجل الحشد للحرب بين بين هذين التيارين الشقيقين… وهذه ليست قضيتنا، بل هذه مشكلة العالم الإسلامي الذي جني على نفسه، وهو ما لا يشكل بأي حال من الأحوال خطرا علينا".

 

المارد يخرج من قمقمه

"لقد انقلب السحر على الساحر'': فهذه الفصائل – وبغض النظر عن تسمياتها – قد تحولت فجأة إلى إرهابية، متجاوزة حدود مجال العمل التي وضعت لها، مشكلة بذلك معادلة متعددة المجاهيل، لاسيما وأنها لم تعد بحاجة إلى المحسنين الظرفيين  بعد غزوها للأراضي الغنية بالنفط الذي بدأت بإنتاجه وبيعه بثمن بخس في تركيا وبلدان أخرى.  وجاءت هجمات باريس واسطنبول ثم باريس وأنقرة التي تبنّتها لتحوّلها فجأة إلى عصابات إجرام وبربرية. وهي لحظات مأساوية أربكت أرباب نظرية '' الفوضى المتحكم فيها '' فغدوا لا يدرون ما يفعلون بها . فالمارد قد خرج من قمقمه كما لم يكن يتصوره أحد.

 

ويجدر بنا هنا ملاحظة، أن هذه " الفوضى الخلاقة" هي من تداعيات نظام ما بعد سقوط جدار برلين، وعالم القطب الواحد، الذي لم يعد فيه للقانون الدولي قيمة أمام نزوات المنتصرين في الحرب الباردة. لقد خلقت هذه اللحظة التاريخية الانطباع بأن المنتصرين  كانوا قد قرروا توجيه الأحداث على هواهم وإعادة تشكيل العالم على الكيفية التي يشاءون بغية تلبية احتياجاتهم ومصالحهم الخاصة.  

 

وهكذا تمت التضحية بسيادة الدول وشرعية الحكومات بانتظام على مذبح المصالح السياسية، بتفسيرات تعسفية ومتحيزة للمعايير وآلية القانون المذكور، وخاصة في العالم العربي. لقد كان هذا هو الحال أمس في العراق وليبيا، بل هو أيضا حال اليمن اليوم.

 

أما بالنسبة للحالة السورية، فكيف نفهم  أن كل هؤلاء الناس كانوا مخطئين في ما يتعلق بقدرة نظام الأسد على المقاومة، وكيف أن صرامة الرئيس بوتين مكّنته من استعادة التوازن العالمي الجديد، وخصوصا فيما يتعلق بالدفاع عن المصالح الإستراتيجية لروسيا، كما هو الحال في شبه جزيرة القرم (أوكرانيا)، على سبيل المثال؟

 

 وفي محاولة للإجابة على هذا السؤال، فإنه يتوجب علينا، من أجل فهم أفضل، العودة إلى المسيرة السياسية المبهرة لفلاديمير بوتين، تلك الشخصية المحورية في روسيا اليوم،  حيث يبحث لبلاده عن موقعها الذي ينبغي أن تحتله في المحافل الدولية: فلقد كان جده طباخا لاستالين وكان والده عضوا في المخابرات خلال الحرب العالمية الثانية. ويشهد زملاؤه الطلاب من الجامعة أنه كان غالبا ما يستحضر تاريخ روسيا، ذاكرا دور استالين باعتباره رمزا للعظمة والإرادة. وعندما تخرج في عام 1975  تم استدعاؤه من قبل أجهزة الاستخبارات (كا جي بي سابقا)، لأنه كان واحدا من أفضل الطلاب. وسيعرف في ما بعد مستقبلا مهنيا ناجحا في مجرة المعلومات هذه، وعلى وجه الخصوص منها في قلب جهاز المخابرات السوفيتية الذي يغطي أوروبا وعمل في ألمانيا الشرقية؛ حيث يتحدث الألمانية بطلاقة وفي ذلك مظهر من مظاهر علاقاته الغامضة مع أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية (التي هي من مواليد ألمانيا الشرقية)؛ ويعكس مساره الاجتماعي والمهني عدم تردده اليوم في تقديم نخبة الكا جي بي للدفاع بشكل أفضل عن المصالح العليا لروسيا.

 

ففي عام 1989، ومباشرة بعد سقوط جدار برلين، كانت العودة إلى روسيا صعبة لضابط الكا جي بي، لأن البلاد كانت آنذاك تمر بمرحلة الإصلاحات التي تمت ترجمتها من خلال موجة من الاضطراب السياسي والاجتماعي الرهيب. ففي نهاية تلك السنة كان العمدة الجديد المنتخب ديمقراطيا في سانت بطرسبورغ، قد اقترح على بوتين (الذي كان عاطلا عن العمل) أن يصبح مدير ديوانه. وقد قبل ذلك العرض غير المتوقع، لكن رئيسه خسر في الانتخابات الموالية في (1996)، وعندها قرر بوتين ترك مسقط رأسه والذهاب إلى موسكو، معتمدا على شبكة من الزملاء السابقين بمن فيهم بعض كبار المسؤولين في الإدارة الرئاسية.

 

في العاصمة، كما هو الحال في سان بترسبرج، لم يستطع أبدا إخفاء استيائه من ميخائيل غورباتشوف الذي يحمله المسؤولة عن تفكك الاتحاد السوفياتي السابق وتحلل الكا جي بي إلى عدة أجهزة بالغة الضعف بغية "قتل الخصم الأكثر خطورة للإصلاحات". (كورباتشيف ،  رادا على كاتب أوروبي  كان يسأله  لماذا قتل الكاجي بي) غير أنه من خلال انتقاده علنا لهذه الأخير، كان بوتين يستنكر " تناقضات غورباتشوف التي قضت على روسيا من الداخل والخارج على حد السواء."

 

ردة فعل بوتين غير المألوفة

دعونا نفتح قوسا هنا لتوضيح أنه في وقت لاحق، وبعد زمن قصير من توليه للحكم، فإن معتقداته حول هذا الموضوع قد تعززت بمرارة عن طريق شعور قوي بالإحباط ضد الولايات المتحدة التي استطاعت أن تعتبر أن روسيا الجديدة لم يعد يحسب لها حساب وأنها أصبحت مجرد لعبة ورق بسيطة (مثل السلطة الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل)، وخصوصا عندما انسحبت من جانب واحد من معاهدة الصواريخ الباليستية في عام 2002، وشرعت في إقامة النظام المضاد للصواريخ، ليصل الأمر حدا لا يطاق بالنسبة للرئيس الروسي، عند قرارها بإقامة هذا النظام في أوروبا وأمام  الحدود الروسية نفسها. كما لو كان ذلك اختبارا لمدى استجابة الكرملين الذي لم يتوان في التحرك بقوة، وبشكل غير مألوف من خلال تسليم صواريخ ذات تكنولوجيا فائقة لإيران فضلا عن الاستئناف العفوي لإشغال بناء المفاعل النووي في ناطنز، متجاهلة الحظر المفروض على هذه البلاد في هذا المجال، ومساعدا لها على خلق وسائل تؤدى إلى احتمال صنع الأسلحة النووية في نهاية المطاف.

 

وأمام هذه المصفوفة التي يتعين تحليلها، تنضاف أيضا جدية الولايات المتحدة في إعطاء زخم جديد للمفاوضات بشأن إيران النووية والاستعداد لإبرام اتفاق على الرغم من المعارضة الشرسة من قبل إسرائيل والمملكة العربية السعودية حليفيْها الرئيسييْن في المنطقة، وعلى الرغم من مزايدات فرنسا عن طريق وسائل الإعلام.

 

في الواقع، كانت ردة فعل الكرملين من قبيل البديل المؤلم: "إما التفاوض مع الجمهورية الإسلامية، أو أنها سوف تصنع قنبلتها، لأنه لن يكون لديها ما تخسره إذا كان الحصار سيستمر إلى ما لا نهاية. أما بالنسبة لشأن انتهاك إيران لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، فسوف نتحدث عنه كما أننا سنتكلم أيضا عن غيرها من المعاهدات التي كانت الولايات المتحدة قد انتهكتها'' (نذكر هنا ذلك السبب الاستراتيجي الذي جعل واشنطن ليست مستعدة  ل'' الذهاب إلى الحرب '' في هذا الملف، كما هو الواقع أيضا في سوريا).

 

ولكن كل هذا لم يتم نقاشه إلا في أروقة سلطة الدول الغربية التي تمارس السيطرة الكاملة على وكالات الأنباء لديها، وبالتالي على وسائل الإعلام الدولية، التي ستكون مهمتها أن لا تتحدث عنها إلا بشكل سطحي، حتى أنها أخفت كل الدافع لهذا التفاعل، ومداه الحاسم في الشرق الأوسط، وهي المنطقة الأكثر عدم استقرارا في العالم. وكان الهدف من هذا الصمت الإعلامي التقليل من ردة فعل بوتين الذي يكرس، على هذا النحو، علامة كبيرة على عودة روسيا إلى لعبة الأمم. ولنغلق القوس.

يتوصل…

 

الأحدث