تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

في معرض حديثة عن مصنع الألبان – الذي لن يكون إلا كسابقيه من المشاريع الوهمية – أجهد الرجل نفسه لإقناع السكان بجدية المشروع لأسباب مفهومة.. فتارة يبشرهم بمزاياه التي ستحول النعمة إلى جنة، وتارة يحذرهم من أفكار بعض القادمين من نواكشوط.. وهنا تنكشف اللعبة قبل أن تبدأ.. وفي حديثه عن مصنع الأعلاف لم يأل جهدا لشرح أهميته بالنسبة للإنسان والحيوان ومصنع الألبان.. لكن المشكلة هي ارتباط هذا المصنع بالأرز الذي يجب تصديره خاما من ضفة النهر إلى مدينة النعمة، لا للتسويق وإنما للتقشير بغية تزويد مصنعها بالقشور.. وذلك أغرب ما في الخطاب، أما أطرف ما فيه فهو تعليله لصمتهم دهرا بالانشغال في تنمية البلد الذي تقدر نسبة الفقر فيه حسب أكثر التقارير تفاؤلا بـ46% والبطالة بأكثر من 30% رغم المكابرة الرسمية والإنكار؛ أما نسبة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فحدث ولا حرج..

 

تلك الأوضاع التي تحدث عنها بنمطية باتت معروفة في تعاطيه مع الحالة الاقتصادية للبلد كلما ازدادت سوء!! حيث يكتفي بتقديم كم هائل من الأرقام على أنها أرصدة لدى الخزينة العامة أو البنك المركزي وكأن الشعب شجيرات من "الكمون" يسقيها الكلام!! وبنفس المنطق يصر على أن موريتانيا "العزيزة" في أحسن وضع اقتصادي رغم اعترافه بوجود أزمة اقتصادية عالمية، متجاهلا أن الاقتصاد الذي يتحدث عنه يتميز بالتبعية المطلقة للمبادلات التجارية مع الخارج، فكيف يكون هذا سليما وذاك مأزوما؟! ثم ما دخل المعارضة في الأمر ومتى تولت حكم البلاد وتسييرها حتى يحملها ما يعتبره مسؤولية الأنظمة السابقة التي كان الحارس الشخصي لرؤسائها؟! وهنا كان استدعاء نظرية بول جوزيف غوبلز واضحا مع الأسف.. أما الدستور الذي قال إنه لن يفيد مخاطبيه بشيء في شأنه، فتحول الحديث عنه إلى هجوم لاذع على المعارضة لأنها طالبت بحماية هذا الدستور حينما استشعرت خطر العبث به؛ وليس الحوار بمن حضر إلا مقدمة فعلية لذلك المسعى بعدما حسم الرئيس أمر التعديل متكفلا بالقضاء على الشيوخ وتاركا على البقية الباقي..

 

المفارقة أن الرئيس الذي كثيرا ما انتقد المعارضة واتهمها بالسعي إلى الحصول على نتائج الحوار قبل أن يبدأ، هو من أعلن عن نتائج حوار لم تعرف أطرافه بعد.. وفي نفس الوقت الذي يدعي أنه عراب الديمقراطية، يقول إن المعارضة لن تكون بديلا وإن الأبواب أمامها موصودة وأنها أعداء للوطن.. ورغم ذلك يؤكد على أنه لن يكون عائقا أمام ترسيخ الديمقراطية!! متناسيا دوره في انقلاب 2005 وتعديل القانون الانتخابي لصالح المستقلين لاستغلالهم لاحقا..

 

أليس هو من أوعز إليهم بدعم مرشحه الرئاسي 2007 وأمرهم بالتحرك ضده 2008؟ أليس هو من قاد انقلاب 6 أغشت 2008 وكلفهم بتسويقه والدفاع عنه؟ أليس هو من رفض تطبيق اتفاق دكار وملحقاته 2009؟ أو لم يكن العقبة الكأداء أمام كل الحوارات اللاحقة؟!

 

أما حديثه عن العبودية فكان المفاجأة التي لم يتوقعها أحد.. حيث لم يكتف بنكران الظاهرة أو التحامل على مناهضيها كما كان يفعل دائما، بل تجاوز ذلك إلى إهانة الضحايا والضيق ذرعا بتكاثرهم الذي حمله مسؤولية شقائهم.. متجاهلا دور التاريخ والمجتمع والدولة وما تتحمله هذه الأخيرة من مسؤولية دينية وقانونية وسياسية وأخلاقية تجاه هذه الشريحة التي عانت كثيرا من رواسب الماضي ومساوئ الحاضر..

 

لقد أنكأ الرجل جرحا كاد يندمل، ليس بفعل سياساته الاقتصادية وبرامجه الاجتماعية وإنما بفعل نضال مختلف القوى الوطنية الحية عبر مسارات سياسية وحقوقية معروفة وتطور مستوى الوعي لدى الشعب الموريتاني الذي استهجن بكل فئاته وأعراقه تلك التصريحات واعتبرها إهانة له بالغة قبل أن تكون كذلك بالنسبة لشريحة لحراطين، وهي – بالمناسبة – ليست زلة لسان، بل مقاربة لكن أغلب شراح الخطاب لم يستوعبوها رغم بساطتها وسطحيتها.. فمن أجل القضاء على العبودية ومخلفاتها يجب – بمقتضى هذه المقاربة – إيقاف تكاثر الحراطين أو الحد منه على الأقل ومحاصرة الموجودين منهم بالفقر والجهل والتهميش.. وعلى المدى المتوسط والبعيد سيتم القضاء عليهم وبالقضاء عليهم سيتم القضاء على العبودية ومخلفاتها.. نظرية قد تبدو غريبة لكنها عملية في ظل فشل النظام وعجزه عن الحلول الجادة والموضوعية.

 

تلكم إذن هي أهم المواضيع التي تطرق إليها فخامة رئيس الجمهورية في خطاب النعمة الكارثي.. فليتنافس على شرحها المصفقون و#ليتملقوا_بعيدا_عن_الدستور فالدستور خط أحمر.

الأحدث