جدول المحتويات
الذين يجذب كل واحد منهم قرينه أو "صنفه" المناسب له إلى سفرة السلطة؛ حتى أصبح محيط الرئيس (من حزبيين ومستشارين ومكلفين بمهام) "كرش فيل" كما يقال، لا يجمعه إلا ابتغاء النفوذ وقضاء المصالح، في غياب برامج ورؤى محددة ومنقحة تقود الحكم وتضبط مسار وأدوار كافة أطرافه وأعوانه.
ونتيجة لهذا الحال الملابس لكافة الأنظمة العسكرية السابقة، والذي كان على الدوام عامل فشلها وآجل أجلها، نجد اليوم في بطانة الرئيس فئات رئيسية ثلاثا (ولا نرى أثرا للفئة الرابعة من ذوي الضمير أولي النصح بالحق!):
أولا: مقربون ذوو رحم أو مصالح مشتركة. هؤلاء مشفقون وجلون لا يدرون ما يفعلون، وأدوارهم دائما متأخرة.
ثانيا: فئات التملق والتزلف الحزبية الذين نعَّم البَصْمُ حوافرَهم، وغنوا ورقصوا في هياكل ولد هيدالة وحزب ولد الطائع، ثم أدبروا ونكصوا حين سقطا. وهؤلاء يضربون الحصى لقراءة الواقع، وحين يستشعرون من النظام ما يهدد مراكزهم أو يحسون بترنحه (ولهم قرون استشعار حساسة جدا) يزينون له أي شيء يضره… ويتهيئون لدورة الآتي، وهكذا…
أما الصنف الثالث من المحيطين فهم أولئك الذين يتخذهم الرئيس "حجارة التوازن"، وهي أثقال عديمة النفع والأهمية في ذاتها، ولكنها تضمن اعتدال المركب فوق الأمواج. فهؤلاء ربما يعتقد الرئيس أن وجودهم يشكل نوعا من التوازن والسيطرة على نوازع الغدر والخذلان المتأصلة في طبيعة الفئة الثانية، وهي الكثرة.
وربما كان الرئيس قد اختار بعض هذه العناصر ممن لهم "أفكار أيديولوجية" حادة أو شاذة، بل يفتعل بعضهم "ثارات" مع غيره كلما أحس بالقهر والخيبة.
فهؤلاء "الغلمان" من جهة لم يعد لهم أي خطر، بسبب فشل وانقطاع مددهم "الأيديوـ سياسي" في الخارج، وليس لهم أي وزن شعبي في الداخل. ومن جهة أخرى فإن خبراتهم في الضجيج وحماس ضغائنهم على الجمع السياسي، بل وعلى العالم أجمع، يمكن الاستفادة منها في الحال، ثم رميهم في أي وقت دون تبعات.
والواقع أن إدارة هذه الفسيفساء قد تصبح أشد تعقيدا وأكثر كلفة من إدارة الدولة نفسها. وبالتالي فإن الرئيس سيجد يوما نتائج انشغاله وانسياقه وراء حداء هذه الشراذم عقبات وحلقات فشل تجعل معظم جهود حكمه هباء منثورا.
ومع ذلك يبدو أن هذه "الجوقة" بدأت تضرب أوتارها وتتنافس في إخراج أسوأ ما لديها، لدفع النظام في نفس الاتجاهات التي خبرتها الأنظمة السابقة ولم تنج من مهالكها.
ولكن هذا ليس كل شيء، فالجوقة في العادة كسولة وذات أفكار كليلة، فما الذي حركها وأطربها اليوم؟ هل هو خطاب النعمة؟ ولما ذا لم تحتفل بالخطابات السابقة الكثيرة؟
بالتأكيد ليس خطاب النعمة هو السر في هذه الحملة، رغم ما أثاره من لغط. بل ربما كان خطاب النعمة مجرد برق أو رعد للغمامة السياسية التي يستمطرها النظام حاليا.
فهل النغم المطرب بالإغراء الآن، هو ذلك الذي يؤلفه الحلفاء في الغرب، وخاصة في باريس، ويلحنه الأصدقاء في القاهرة، ويتكفل بإنتاجه الأصدقاء في الخليج وأبوظبي تحديدا؛ كما يدل على ذلك الجانب السياسي الراديكالي الذي اختلقته حملة الشرح، أو أثارته من قريب؟
ومن المستبعد أن يكون لباقي حملة ترميم خطاب النعمة، دور جوهري غير هذا البعد السياسي، الذي يمكن اختصاره في مطلبين رئيسيين صارخين:
مطلب محلي يرمي إلى الحيلولة دون استفادة حركة بيراما ولد الداه وأنصارها من زلات ذلك الخطاب. والثاني مطلب غربي وعربي بحظر وقمع حزب تواصل وأنصاره من الإسلاميين المتأصلين في المجتمع.
فبعد هذين لا يبقى سوى الإسفاف والاستهجان الخاصين بمبدأ وجدوى حملة شرح خطاب الرئيس، التي تبدو في ظاهرها نسخة طبق أصلها وأشكالها، بل ورجالها ونسائها… من حملات شرح خطابات ولد هيدالة وولد الطائع عبر وسائل الإعلام الرسمية، ذات الباع الواسع والتجارب الطويلة الفاشلة في هذا المجال الكريه.
أما السؤال الكبير فهو: هل استجاب الرئيس لكل تلك الضغوط، وهل يفعل ذلك ـ إن فعله ـ مضطرا بسبب ظروف يلوح بعضها منذ فترة، أم أنه هو "ماسترو" الجوقة ومديرها المسيطر؛ وإنما يحاول تعديل نهجه وتجربة "خيارات" سياسية جديدة؟
وفي الحالين ما هي احتمالات الفشل وفرص النجاح أمامه للوصول بالبلاد، أو بنظامه على الأصح، إلى حال أفضل؟ وما علاقة ذلك كله بالأمر الجوهري الآتي، وهو كيفية الاستمرار في الحكم بعد تمام عدته الدستورية الحالية؟؟؟