تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

خطاب القوة وقوة الخطاب

"ليست الوقائع بحد ذاتها هي التي تؤثر في المخيلة الشعبية وإنما الطريقة التي تعرض بها هذه الوقائع" ربما ألهمت هذه المقولة لغوستاف لوبون الرئيس محمد ولد عبد العزيز وهو يعتلي المنصة مخاطبا جماهير الشعب, وقد تجلى ذلك في النبرة العالية والقوة والاتزان والمنهجية, فضلا عن التحضير والإعداد الجيد للكلمة التي استمرت لأكثر من ساعة. وكان من نقاط قوة الرجل أن اختار أن يكون خطابه بأسلوب حر وبعبارات قوية ومحدده وواضحه وموجهة إلى من يهمهم الأمر وهي الخطابات التي تشكل شخصية الرجل وكاريزما الانجذاب الشعبي التي سببته تلك الشخصيه إبان بداية حكمه. وفق الرجل إلى حد كبير في استعادة الألق والحماس الذين ميزا خطاباته في المأمورية الأولى لحكمه, ذلك أن الرجل أعاد من جديد وبقوة طرح موضوع محاربة الفساد والمفسدين مبرزا دور نظامه في ذلك, كما حاول الرجل ربط جميع الاخفاقات المرتبطة بمشكل العبودية والحوار السياسي والوحدة الوطنية وغيرها بالمعارضة باعتبار أن أغلب قادتها اليوم كانوا في مراكز صنع القرار في الأنظمة التي ظلت تحكم البلاد طوال الفترة التي سبقت حكمه. بيد أن الرئيس لم يوفق في تشخيصه لأسباب وروافد العبودية, فلم يخل طرحه من تبسيط عازيا الأسباب إلى ما أسماه الإنجاب الفوضوي بما يترتب على ذلك من أعباء اجتماعية واقتصادية قد تشكل رافدا من روافد العبودية والتخلف.

 

وقد أثار ذلك زوبعة واستياء في الأوساط الحقوقية والسياسية في البلاد, وأكد الرئيس رغم ذلك على انخراط الدولة في محاربة بقايا العبودية وهو تأكيد تدعمه جهود واضحة من بينها تدشين محكمة للجنايات المتعلقة بقضايا الاسترقاق في مدينة النعمة.

 

إلى من يهمه الأمر

وفي المحور السياسي والذي طغى عليه في الفترة الأخيرة طرح موضوع الحوار السياسي بدا الرئيس متجاوزا, مادا يده للحوار, ماضيا في تحديد أجندته وأهدافه وسقفه الزمني, مؤكدا على أن الحوار سينطلق بمن حضر من الطيف السياسي الوطني في استعادة واضحة لزمام المبادرة والفعل. وقد أرسل بذلك رسائل قوية إلى المعارضة التي وصفها بأعداء الوطن معيدا إلى الاذهان سجالات القوة بينه والمعارضة وعودة قوية لنظرية الفعل ورد الفعل وهي رسائل قد تربك حسابات وإجماع الأحزاب المنضوية في المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة وتجعلهم أمام خيارات صعبة ومكلفة. وقد أشار الرئيس في معرض حديثه عن الحوار السياسي إلى أنه سيفضي إلى قرارات مهمة وجوهرية من بينها إلغاء مجلس الشيوخ وإنشاء مجالس إقليمية كتطور طبيعي لصيرورة وديناميكية تجربة الحكم المحلي في البلاد, وذلك ضمن حزمة من الإجراءات الدستورية والقانونية قد تفضي إلى تغييرات في شكل وبنية النظام السياسي في البلاد.

 

إن من شأن الإعلان عن هذا الحراك السياسي بأجندة زمنية محددة في هذا الوقت بالذات التعجيل بانخراط المعارضة بمختلف أطيافها في حوار جاد يفضي إلى وثيقة وطنية تعكس رؤى وتطلعات الطيف السياسي الوطني. وتعيد دعوة الرئيس للمعارضة للدخول في حوار سياسي في ظرف ثلاثة أو أربعة أسابيع إلى الأذهان تأكيد الرئيس أثناء لقاء الشعب المنظم في النعمة على أن الانتخابات ستنظم في وفق الأجندة التي حددت لها وأن امتناع حزب أو مجموعة أحزاب عن المشاركة في الانتخابات لا ينبغي أن يعطل مسار اختيار الشعب لممثليهم في المؤسسات التشريعية في البلاد, وبالفعل فقد تم تنظيم الانتخابات أواخر 2013 وشهدت "انخرام الإجماع" ذائع الصيت بين مكونات المنتدى.

 

ردود فعل

وقد نظم المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة مهرجاناشعبيا في 7 مايو, ورغم أنه كان مبرمجا قبل خطاب النعمة ضمن النشاط الاعتيادي للمنتدى, إلا أن تطورات المشهد السياسي وخطاب النعمة فرضا نفسيهما على كلمات قادة المنتدى والتي عبرت في المحصلة عن رفض مضامين خطاب النعمة سواء تعلق الأمر بالحوار أو بالوحدة الوطنية أو غير ذلك.

 

وبالرغم من الصرامة والقوة التي ميزت طرحه إلا أن رئيس الجمهورية أكد أنه لن يكون عائقا في وجه الديمقراطية بالرغم أنه لم يعرب بشكل صريح عن عدم نيته تعديل المواد المتعلقة بالمأمورية, جريا على عادته في الاكتفاء بالقول إن الوقت مبكر للحديث عن الموضوع, وهو ما قد يفتح المجال للتأويل والتحليل في مأمورية ما زال من عمرها ثلاث سنوات.

 

وقد استهل الرجل خطابه عن جو الحرية الإعلامية والسياسية في البلاد مشيرا إلى خلو السجون من سجناء الرأي والصحفيين, رغم اعترافه سابقا بانقلابه على الشرعية إنما يحسب للرجل تكريسه للجو الديمقراطي الذي مكن موريتانيا من تصدر حرية الإعلام في العالم العربي وجو الحريات الذي ينعم به المعارضون وأصحاب الرأي والمفكرون وفي إطار قوة خطابه أعرب الرجل أنه هو من جلب الديمقراطية وهو من حماها في أصعب الظروف حيث مرت فترة حكمه بعاصفة الربيع العربي التي غيرت خريطة بعض الدول المجاوره والتي لم يكن الخيار الديمقراطي مطروحا في سياساتها فاستطاع احتواء المشهد بتعزيز الديمقراطيه وتغذيتها.

 

ولم تغب المرأة عن كلمة الرئيس, حيث عدد بعض المكاسب السياسية والاجتماعية التي حصدتها في فترة حكمه, مشيرا إلى أن لا نساء للمعارضة في إشارة إلى نشاط نسوي عقدته جهة سياسية معارضة قبيل زيارة الرئيس للنعمه. وهو الذي لا يمكن فهمه سوى أنه مغالاة في الهجوم على المعارضه واستفزاز لها.

 

عودة إلى النعمه

كان لا بد بعد التطرق لمواضيع ذات بعد وطني أن يعرج الرئيس على هموم ساكنة النعمة, حيث أشار إلى تهميش المدينة من قبل الأنظمة السابقة معددا بعض المشاريع والإنجازات التنموية في فترة حكمه والتي تأخذ دالة متصاعدة قد لا تتناسب مع تطلعات التائقين إلى إصلاحات سريعة لكنه صعود لم يتعود عليه ساكنة المنطقه التي لم تعدو كونها خزان انتخابي يتم استثماره في مواسم الانتخابات.

 

احتشد الناس, وعبروا عن تطلعاتهم وآمالهم ومطالبهم كما عكست ذلك وجوههم وهتافاتهم في ذلك الصباح الذي حمل ملامح وطن, تفرقت الجموع على وقع الكثير من الرسائل, فأي مشهد ستحمله الأيام المقبلة؟؟

 

الأحدث