جدول المحتويات
كنت في اجتماع عندما هاتفتني الوالدة حفظها الله باحتضاره فبادرت لأكون إلى جنبه لكن قضاء الله كان أسرع، رغم مواكبتي للراحل طيلة مرضه الأخير، وكان طلبه العلاج في نواكشوط ما أثار استغراب الجميع بعدما كان يرفض مجرد مفاتحته في هذا الشأن لكن ما بدد هذا الاستغراب عندما تصفحت وجوه من حضروا للصلاة عليه لأجدني في جمع من العلماء والدعاة والائمة والمشاييخ الذين ما كان لهم أن يحضروا الصلاة لو كانت في قرية الشيخ الراحل والذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في تأسيسها وتأليف القلوب للإقامة بها وتعميرها.
كانت دماثة الخلق وحسن العشرة والإباء صفات ملازمة للجد – رحمه الله – في حله وترحاله وهو ما يشهد به الأباعد قبل الأقارب.
أما عن مواظبته على العبادة والتهجد فحدث ولا حرج فلا تلفه إلا ذاكرا أو قائما أو ساجدا ضاربا الصفح عن كل ما لا يعنيه شعاره في ذلك "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
سنوات عديدة عايشت فيه الراحل كان فيها مثال الاستقامة والثبات على الطاعة والتحلي بمكارم الأخلاق فلا أذكر أنه عنف أحدا ولا رفع صوتا ولا سوطا على أحد منا وكنا أطفالا من مختلف الأعمار لا ندرك آداب المجلس ولا نعرف للكبار حرمة ومع ذلك كان لنا نعم الوالد الشفيق والناصح الأمين.
وبعدما بلغنا سن التمييز كان يكبر فينا روح الاهتمام بالعلم وخدمة الآخرين، ويندبنا دوما إلى حمل الكل والإعانة على النوائب وأن لا نكون كلا ولا عالة حيث كانت حياته مثالا لهذه القيم النبيلة التي كرس لها حياته.
ولا حقا عندما كبرنا كنا نتحلق حوله ليروي لنا عن مشاعراته ورحلاته التي جاب فيها الكثير من ولايات الوطن بل امتدت إلى السنغال المجاور ولم تكن جميعها سوى سعي في مكرمة أو ندب إلى معروف أو إصلاح بين الناس أو صلة أو إحسان..
رحلات استشفاء وعلاج لذوي القربى والمساكين كان يمضي فيها الشهور والسنوات مكابدا لمشاق السفر وآلام الغربة ولا يؤوب من رحلته تلك إلا بفرحة مضاعفة فرحة العودة وفرحة الشفاء.
كان يحمل همة عالية يضيق الشأن العام عن استجلاء جوانبها، اهتمام بالسياسة يعود إلى مرحلة الشباب عندما كان يتردد عليه ناشطو بعض الحركات السياسية لتصويب إنتاجهم الأدبي.
عاصر باكورة تأسيس الدولة الموريتانية وكان يحمل عاطفة صادقة للرئيس المؤسس أودعها مقطوعات أدبية مطولة تتغنى بكارزمرية الرئيس وتمجد قراراته في تأميم ميفرما وسك العملة الوطنية.
ومع ذلك لم تخل علاقته بنظام ولد داداه من بعض الفتور أحيانا وهو ما سجله أيضا في مقطوعات حسانية تتجلى فيها بارعة الأديب السياسي الذي يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
نسج الراحل علاقات مودة وإخاء مع الكثير من المشايخ والوجهاء ورجالات الفكر والأدب وهو ما تجلى أكثر في طوفان المعزين والمواسين والذي لم ينقطع طيلة أيام العزاء.
كما كان على معرفة تامة بالأنساب والصلات بين القبائل وأيامها والأحداث وجذورها ومآلاتها وهو ما لم تؤثر عليها عوامل الهرم والكبر، ولم تنل منه منغصات المرض، فكان زائره يعجب من ضبطه للتواريخ وقوة ذاكرته حتى في أيامه الأخيرة.
عزم علينا قبل أسابيع من وفاته إلا أن نأخذه لزيارة المقبرة ليفاجئ الجميع بوصيته أن يدفن على مشارف المقبرة وليس داخلها ولم يبرح المكان حتى اطمئن إلى تثبيت عمود في المكان المحدد.
يقين بحجم الجبال الراسيات حيث كان يقول إن وصيته لا تعجل أجلا ولا تؤخره وهو على ثقة بموعود الله لكن ما لا يدركه كثيرون أن الراحل قد استعد لهذا اليوم منذ شبابه فكان بحق "شاب نشأ في طاعة الله" تقول إحدى حفيداته: محجوبة الوالدة أكثر من 40 سنة لم يترك فيها التهجد ليلة واحدة وكنت أسأله "يا والدي بم تقوم الليل فيرد بسور تبارك والكهف والسجدة.
كان يستيقظ من الليل ويسند ظهره إلى رافعة الخيمة ويشرع في الترتيل والتلاوة حتى مشارف الفجر.
أما عن حمله الكل وإنفاقه ومحبته للعلماء والصالحين فهو ما لا يتسع له المقام خشية الإطالة والسأم.
ولعلنا نوفق في إخراج جانب من تراث الفقيد من خلال ما سجلنا معه من مواد إعلامية تناولت مختلف جوانب حياته خاصة إنتاجه الأدبي الغزير وما سجلت ذاكرته من تراث والده والجد سيد محمد الصالح الذي عمت شهرته الآفاق.
وحسبنا ما من الله به علينا من ملازمة للراحل وما اغترفنا من علمه العزيز وقبسنا من مآثره وسمته، وما أسبغ علينا من فضل حتى عاصرناه ردحا من الزمن، وجلسنا منه منزلة التلميذ من الشيخ فخصنا بالكثير من العطف والرعاية نسأل الله تعالى أن يجازيه عنا أحسن الجزاء وأن يتغمده برحمته وأن يعلي ذكره في الخالدين.