تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

إلا أن ذلك لم يكن السبب الجوهري لاختيار اللندنيين للسيد صديق خان، ولا كان منهم حبا للإسلام، وإنما انتخبوه لأنهم يرونه أفضل المرشحين وأجدرهم بالمنصب: كفاءةً واستقامة، وبالتالي تحقيقا لمصالح مدينتهم.

 

نحن المسلمين ما ذا يمكن أن نستخلص من هذا؟

هل نتراجع دفعة واحدة عن اعتبار الغرب، والانجليز خاصة، أعداء للدين الإسلامي وخصوما لمن يعتنقه، أو نقول إنهم ربما هُـدوا إلى الدين الحق وأيقنوا بأن "الإسلام هو الحل". أو إن السيد خان قد نصره الله بكرامة خارقة رغم أنوف الإنجليز. أم نقول إنها مؤامرة تستهدف المسلمين هناك بتوريط أحد زعمائهم ثم أخذهم بجريرته…؟؟!

 

من المؤسف أن كل هذه التفسيرات المتباينة لها بيننا صدى وقبول.

 

لكن من يقول منا إن القوم انتخبوه لأنهم على درجة عالية من الديمقراطية والوعي والالتزام بفرائضها المتمثلة في العدالة والتسامح والمسئولية، وإنهم يمتلكون مؤسسات سياسية وتنظيمية راسخة القدم في احترام القانون والمساواة… سيُرمى بأنه قال قولا عظيما وأتى إدا.

 

رحم الله العلامة الشيخ محمد عبده (1849-1905م) حين قال: "ذهبت للغرب فوجدت إسلاماً و لم أجد مسلمين، و لما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاماً"!

 

لقد وجد محمد عبده وأضرابه حينها من المثقفين المسلمين المنصفين من يسمعهم ويصغي لهم ويدعو بدعوتهم العرب والمسلمين إلى استعادة بضاعتهم (العلم والحضارة) وخاصة من الغرب. أما اليوم فيكيل بعضنا لهؤلاء الدعاة تهم الزندقة والاستلاب والعمالة والماسونيوية…الخ، لأنهم قصوا ما شاهدوه وعايشوه، بتجرد وإنصاف، ووزنوه مع واقعهم بالقسطاس المستقيم!

 

بعد ذلك امتلك المسلمون الثروة واستعادوا حريتهم من المستعمرين الغربيين وتخلصوا من سيطرتهم المباشرة، لكنهم ابتلوا بسيطرة حكام وأنظمة شر من مستعمرهم، تسومهم من صنوف القمع والمهانة والجور، ما لم يخطر على بال أعتا مستعمريهم؛ مع سلبهم حق التعبير عن رفض ذلك، وهو ما كان متاحا جله في زمن المستعمر، وحرمانهم من مما كان يجلب لبلادهم من عمارة وتنمية مقابل نهب ثروات بلادهم والاستئثار بخيراتها.

 

وهكذا انضافت إلى مقولة محمد عبد مقولة أخرى على لسان حال الغرب الاستعماري، وهي: "بذلنا جهدنا وأنفسنا لاحتلال بلادكم وإخضاعكم بالتفاهم أو القوة المنظمة؛ ثم أخرجتموننا، فادخرنا جهدنا ومسئوليتنا وحصَّلنا المبتغى من السيطرة والتحكم في بلادكم بوسطاء من حكام ونخب… بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا، ينفعوننا ويضرونكم"!!

 

عمدة لندن الجديد الذي قدمه حزب العمال العريق، يدرك حتما أن اللندنيين لم ينتخبوه للتبرك به ولا لسماع موعظة أو تذكرة منه، بل ـ باختصار ـ لينجز لهم ما يرفع مستوى حياتهم. وإذا فشل في ذلك ـ وهو أمر محتمل ـ سيطلبون منه، بلباقة أن يتنحى عن إدارة مدينتهم.

 

ولكن أتوقع أنهم حين ينحونه سينسى كثيرون منا "معروفهم" اليوم، ويقولون إنهم تآمروا عليه وأسقطوه لأنه مسلم فقط، ويكون ذلك من أدلتنا القوية على عداوتهم للإسلام دينا، وكيدهم للمسلمين عموما!!

 

لا يعني كل هذا أن عداوة الإسلام والكيد له في تلك الديار خرافة أو وهم، بل هناك منهم من يجاهرون بذلك. وفي بقية أوروبا، وخاصة فرنسا وجيرتها، أصبحت عداوة المسلمين والتنفير من دينهم الحق ظاهرة طاغية.

 

إلا أن لمن ينتمون للإسلام، هنا وهناك، جهالات وغلوا وأياديَ تشد أزر أولئك الأعداء وتسرج مطاياهم وتُريِّش سهامهم المسمومة.

 

فهل من معتبر يا أولي الألباب، بل كيف تكون العبرة…؟

 

الأحدث