تخطى الى المحتوى

قراءة في كتاب "تجديد التفكير الديني في الإسلام"

جدول المحتويات

فهو من أهم الكتب النهضوية التي تهتم بإيقاظ المسلمين من غفوتهم وتنبيههم إلى عمق دينهم وعظمة حضارتهم. وقد ركزت في هذه القراءة على المحاور الآتية:

 

أولا: التعريف بالمؤلف:

هو محمد إقبال بن الشيخ نور محمد، ولد في الثالث من ذي العقدة سنة 1294ه في إحدى مدن البنجاب شمال شبه القارة الهندية. نشأ وترعرع في مدينة سيالكوت الباكستانية حيث درس اللغة الفارسية والعربية إلى جانب لغته الأم الأردية. ليرحل بعد ذلك إلى أوروبا ليكمل دراسته في ألمانيا حيث حصل الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميونخ الألمانية سنة 1326ه… كان إقبال  من العلماء الأفذاذ الذين لم تؤثر عليهم أوروبا إلا قوة وصلابة وحبا للدين الإسلامي فظل متمسكا بدينه، بل إنه أدرك في فترة إقامته فيها عيوبها مما جعله يوجه نحوها سهام نقده كثيرا… كما يعتبر إقبال هو الأب الروحي لباكستان المعاصرة وبلدان الهند الإسلامية؛ إذ كان من أوائل من نادى بانفصال المسلمين في الهند عن الهندوس… لكنه انتقل إلى جوار ربه قبل أن يرى حلمه واقعا؛ فهو توفي في 21 ابريل سنة1938م،  واستقلال باكستان وانفصالها عن الهند كان 14 اغسطس سنة 1947م.

 

 ثانيا: قراءة في محاور الكتاب:

قسم إقبال هذا الكتاب إلى ستة محاور رئيسية هي:

المحور الأول:  المعرفة والرياضة الدينية:

يدعو إقبال في هذا المحور إلى مسألة من الأهمية بمكان؛ وهي ممارسة التجربة الدينية في سبيل المعرفة الحقة، ومن أجل السمو بالروح ويبحث إقبال في طبيعة الكون الذي نعيش فيه، من حيث تركيبه ومكاننا منه، ونوع السلوك الذي يتفق مع هذا المكان، وذلك عن طريق طرحه لهذه التساؤلات (( ما طبيعة الكون الذي نعيش فيه وما بناؤه العام؟ أهناك عنصر ثابت في تركيب هذا الكون؟ وكيف نكون بالنسبة إليه ؟ وأي مكان نشغله منه ؟ وما نوع السلوك الذي يتفق وما نشغله من هذا المكان؟ )).

 

ثم بعد ذلك يبين أن هذه المسائل مشتركة بين الدين والفلسفة والشعر الرفيع، لكن يظل الدين متميزا عنهما؛ لأنه يتخطى الفرد إلى الجماعة، ولأنه يدعو ويهدي إلى سواء السبيل مؤكدا أن جوهر هذا الدين هو الإيمان وأن وظيفته أهم من وظيفة المبادئ العلمية المسلم بها، وذلك بقوله: (( وفي الحق أن الدين نظرا لوظيفته أشد حاجة حتى من المبادئ العلمية المسلمة)) مدللا على ذلك بكون النبي صلى الله عليه دائما يدعو الله قائلا: " اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك". كما يدعو في هذا المحور إلى التأمل في الكون حولنا نباته ونجومه وتعاقب ليله ونهاره ليوصنا ذلك التأمل إلى معرفة الإنسان معرفة يقينية، وأن هذا هو الذي تدعو إليه الآيات القرآنية، ومن هنا فقد انتقد الفكر اليوناني وخطأ رواده كسقراط وافلاطون حينما قصر تفكيرهم على عالم الإنسان وحده، مما أدى إلى قصور علمهم، وهذا ما أشار إليه بقوله: (( كان سقراط يقصر همه على عالم الإنسان وحده … وما أشد مخالفة هذا لروح القرآن … الذي يدعو القارئ دائما إلى النظر في تصريف الرياح المتاقب، وفي تعاقب الليل والنهار والسحب والسماء ذات النجوم..)). وفي السياق نفسه يين إقبال أن روح  القرآن تتعارض مع تعاليم الفلسفة اليونانية القديمة  مع أنه يرى بأنه لا بأس بالاستفادة من الحضارة الغربية الحديثة التي ما هي إلا ازدهار لبعض الجوانب العقلية في الإسلام  شريطة أن تتجاوز تعاليم العقيدة الإسلامية السمحة.  وبعد ذلك انتقد المعتزلة حينما حصروا الدين في مجموعة من العقائد متجاهلين كونه حقيقة حيوية،  وقال إن الأشاعرة دافعوا عن السنة بمنطق يوناني، لتصل بعد ذلك سهامه النقدية إلى الغزالي معتبرا التشكيك الذي أقام دعائمه غير مأمون العواقب على الدين، وفي ذلك يقول: إن الغزالي يدعو (( إلى إقامة الدين على دعائم من التشكيك الفلسفي وهي دعائم غير مأمونة العواقب على الدين تماما ولا تسوغها روح القرآن))، كما ينتقد من ناحية أخرى ابن رشد حينما اصطنع المذهب القائل بخلود العقل الفعال، حيث ألبس مفهوم الربوبية في الإسلام رداء فلسفيا يتعارض مع روح القرآن. ثم أكد – كتبرير لنقده – أن تناول الرياضة الدينية بالنقد والتمحيص ليس فيه شيء من عدم الاحترام لها، بل زاد على ذلك بأن النبي هو المؤسس للنظر النقدي في الظواهر الروحانية وذلك حينما استتر مرة ليسمع من ابن صياد اليهودي تمتمته قبل أن يراه بن صياد.

 

وهكذا دعا محمد إقبال في خضم دعوته التجديدية  إلى الرجوع إلى القرآن؛ لأنه هو الذي يوقظ في النفس شعورا ساميا، داعيا – في هذا السياق-  كل المسلمين إلى ممارسة التجربة الروحية التي يمارسها المتصوفة. وأكد في طليعة حديثه عن طبيعة الكون الذي نعيش فيه كما صوره القرآن  أنه لم يخلق شيئ عبثا مستدلا على ذلك بقوله تعالى: " وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثر الناس لا يعلمون" … ثم بين أن مما قرره القرآن أن هذا العالم مرتب على حالة تجعله قابلا للزيادة والامتداد وأنه ليس كتلة جامدا غير قابل للتغير والتمدد مستدلا على ذلك بقوله تعالى: " يزيد في الخلق ما يشاء" وبقوله: " قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة"… – وهذا يدخل ضمن دعوته التجديدية للتفكير الديني في الإسلام- ، ثم أكد أن هذا التغيير التجديدي وتلك النهضة لأجل أن يحققهما الإنسان لابد أن يبدأ بتغيير ما في نفسه، مستدلا على ذلك بقوله تعالى:" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

 

المحور الثاني: البرهان الفلسفي على ظهور التجربة الدينية:

ساق إقبال في هذا المحور الأدلة المدرسية على وجود الله تعالى ثم وجه إليها سهام نقده دليلا دليلا، وذلك على النحو الآتي:

 

الدليل الكوني: ويسمى دليل العلية، مفاده أن كل الحوادث لا بد لها من محدث هو علة وجودها، وفي ذلك يقول: (( والدليل الكوني ينظر إلى الكون على اعتبار أنه معلول متناه، ثم ينتقل في سلسلة من أشياء يتعلق بعضها ببعض تعلق العلة بالمعلول حتى تقف عند علة أولى لا علة لها))، لكنه في نهاية المطاف يبطل هذا على اعتبار أن الانتقال من المتناهي إلى  اللا متناهي ظاهر البطلان في نظر المنطق، وعلى هذا يكون الدليل باطلا برمته.

 

الدليل الغائي: وهو عبارة عن النظر في المعلول لاستجلاء نوع علته، بهذا الدليل توصل أصحابه إلى أن الكون كله من ذرته إلى مجرته لا عبثية فيه، فلكل شيء في الطبيعة غرض وغاية هما أكبر دليل على أن هنالك من ينظم هذه الظواهر بطريقة منسجمة وهو الله جل جلاله، وينتقد محمد إقبال هذا الدليل بقوله: (( وهذا الدليل يوصلنا إلى وجود صانع مخترع لا إلى وجود خالق)).

 

 الدليل الوجودي: وذكر محمد إقبا بأن هذا الدليل هو أحب الأدلة إلى أصحاب العقول النظرية، وعرفه بقوله: ((وكل ما يدل عليه هذا الدليل: هو أن فكرة الكائن الكامل تتضمن فكرة وجده)) لكنه -كسابقيه- لم يسلم به فرده بما رده به الفيلسوف كانط وهو أن المعنى الموجود في عقلي عن ثلاثمائة دولار لا يمكن أن يدل على أنها موجودة في جيبي. ثم أشار بعد ذلك إلى أن التجربة الدينية تتمثل في مستويات ثلاثة هي: مستوى المادة ومستوى الحياة ومستوى العقل والشعور، وأكد أن هذه المستويات هي مستويات علم الطبيعة وعلم الأحياء وعلم النفس، وأن كل علم من هذه العلوم لا يستطيع منفردا إدراك التجربة الدينية كاملة بوجه صحيح، فعلم الطبيعة عنده أنه يقتصر المسائل الحسية وتلك لا تنطبق على التجربة الدينية، وأما علم الأحياء فهو يهتم بالحياة التي هي أمر وراثي كما يراها علماء الأحياء… وعلى هذا فإن التجربة الدينية هي نتاج مجموعة من العلوم والمفاهيم.

 

المحور الثالث: الألوهية ومعنى الصلاة:

ابتدأ إقبال رحمه الله هذا المحور بقوله تعالى: " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحمد" مؤكدا أن صفة الفردية الأحدية ((عنصر من العناصر اللازمة في مفهوم الذات الإلهية))، وأن القرآن أثبت هذه الصفة، كما ذكر أن الأركان الهامة (( في تصوير الذات الإلهية من الوجهة العقلية البحتة هو الخلق والعلم والقدرة والقدم))، ثم بعد ذلك فصل في قضية الزمان معتبرا أن الأشاعرة هم أول من حاول في تاريخ الفكر الإسلامي فهم الزمان فهما فلسفيا… لكنهم لم يصلوا فيه إلى نتيجة مقنعة وهو الأمر الذي عبر عنه الرازي – الذي أفنى وقتا طويلا للبحث في الموضوع- فقال: "واعلم أنك إلى الآن ما وصلت إلى حقيقة الحق في الزمان". ثم بين أن النظر في الصلاة من الناحية السيكلوجية يدل على أنها غزيزية في أصلها؛ فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى رب يناجيه ويجيب دعاءه، لكن إقبال يوسع دلالة الصلاة ليجعلها شاملة لكل طلب للمعرفة، وفي ذلك يقول: (( والحق أن كل طلب للمعرفة في جوهره هو صورة من صور الصلاة، فالمتأمل في الطبيعة تأملا علميا هو نوع من الصوفي الباحث عن العرفان يؤدي صلاته)). مؤكدا أن أسلوب الصلاة لا ينبغي أن يكون محل نزاع؛ إذ أن القرآن كان صريحا في هذا حينما قال تعالى: " فأينما تولوا فثم وجه"… " ليس البر أن تلوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة … " ، لكنه يؤمن بأن اختيار جهة واحد للصلاة يكفل وحدة الشعور للجماعة، وأن هيئة الصلاة تبعث في الإنسان شعور المساواة الاجتماعية وتقضي على الطبقية، وأن  صلاة الجماعة إضافة إلى ما لها من قيمة فكرية فهي تشير إلى الأمل في تحقيق الوحدة وتلاحم واتحاد الأمة على قلب رجل واحد.

 

المحور الرابع: روح الثقافة الإسلامية

ابتدأ محمد إقبال هذا المحور بمقولة مشهورة لعبد القدوس الجنجوهي، وهي قوله: " صعد محمد إلى السماوات العلى ثم رجع إلى الأرض. فقسما بربي لو أني بلغت هذا المقام لما عدت أبدا". مبينا أن هذه المقولة تبين القرق السيكولوجي بين الوعي النبوي والوعي الصوفي، إذ أن مقام الشهود عند الصوفي غاية تقصد لذاتها، وعندما يرجع فإن رجعته لا تعني الكثير بالنسبة للبشر، وهي عند النبي بداية مسيرة بنائية يمكن أن تهز الكون. ثم تحدث عن ختام النبوة باعتباره بداية الحركة التجديدية معتبرا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بين العالم القديم والعالم الحديث؛ " فهو من العالم القديم باعتبار مصدر رسالته، وهو من العالم الحديث باعتبار روح رسالته" مؤكدا أن مولد الإسلام هو مولد العقل الاستدلالي. وفي السياق ذاته يثبت بأن الرياضة الصوفية إضافة التاريخ ( أيام الله) والطبيعة هي مصادر المعرفة مشيدا ببحث ابن خلدون العلمي في التصوف، ثم وضح بأن نظر العلماء في الآيات الإلهية في القرآن دعاهم إلى مناقضة الفكر اليوناني بعد أن قبلوه في باكورة حياتهم العقلية وأقبلوا على فهم القرآن في ضوئه مما أدى إلى إخفاقهم في ذلك السبيل؛ لأن روح القرآن تتعارض مع النظرات الفلسفية القديمة، فروح القرآن تتجلى في النظرة الواقعية، في حين امتازت الفلسفة اليونانية بالتفكير الفلسفي المجرد، وكان الغزالي _ حسب ما قال إقبال:_ هو أول من قرر مبدأ الشك بداية لكل معرفة ممهدا بذلك لديكارت، كما قال بأن ابن تيمية في كتابه نقد المنطق نقده نقدا علميا منظما مثبتا أن الاستقراء هو الطريقة الوحيدة الموصلة إلى اليقين، وكذلك أبو بكر الرازي كان أول من نقد الشكل الأول عند أرسطو  ولذلك  قال إقبال: إن من زعم بأن أوربا هي أول من استخدم المنهج التجريبي زعمه خاطئ ، مؤكدا أنها لم تدرك هذه الحقيقة إلا بعد حين، وذلك بقوله: (( ولقد كانت أوربا بطيئة نوعا ما في إدراك الأصل الإسلامي لمنهجها العلمي)). ثم بين أول شيء يلاحظ في روح الثقافة الإسلامية هي أنها في سبيل الحصول على المعرفة تبدأ بالمحسوس وتنتقل منه إلى غير المحسوس.

 

المحور الخامس: مبدأ الحركة في بناء الإسلام:

لقد أصل إقبال في هذا المحور لمبدأ وهو أن الإسلام هو حركة ثقافية رافضا بذلك ما اصطلح عليه القدماء من اعتبار الكون كيان ثابت. كما نفى في هذا السياق قرابة الدم باعتبارها مادية مؤكدا على أن الوحدة الإنسانية هي تلك الوحدة الروحية التي تتجاوز أواصر القرابة الحسية وتتعانق في عالم الروح؛ لأن الحياة الإنسانية روحية في أصلها ومنشئها. ثم يطرح بعد ذلك تساؤلا: إذن فما أساس الحركة في بناء الإسلام؟ ثم يجيب بأن هذا الأساس أو المبدأ هو الاجتهاد، وبعد تعريفه للاجتهاد وتأصيله له كتابا وسنة والتنويه بالدور الريادي الذي بذله الرعيل الأول والذي أنتج تراثا ضخما من التفكير الفقهي قسم الاجتهاد إلى كامل ونسبي وخاص موردا في هذا السياق بأن الاجتهاد الكامل  أنكر وجوده عمليا أهل السنة منذ أن وضعت المذاهب الفقهية أقدامها على الأرض، وذلك لكثرة ما أحيط به من شروط يكاد يستحيل توافرها في فرد واحد. ثم بعد ذلك يرد الجمود الذي أصاب العقل الإسلامي في القرون المتأخرة إلى الأسباب التالية:

 

(1)عدم تفعيل البواعث الحقيقية للحركة العقلية الإسلامية من ناحية، ومغالاة بعض المتفلسفة في أفكارهم من غير قيد من ناحية أخرى. (2) نشوء التصوف الزهدي المتمرد في بعض الأحيان على تخريجات الفقهاء المتقدمين وانتشار أرباب الكرامات والنظريات الجانحة عن صلب العقيدة. (3) انطفاء شغلة العلم بعد تخريب بغداد على يد التتار وما كان لذلك من تأثير على مستقبل الإسلام الأمر الذي جعل العلماء حينها يحتفظون بنمطية معينة كان عليها السلف ويرفضون التجديد غيرةً منهم على الإسلام. ثم ذكر إقبال أن إنكار إغلاق باب الاجتهاد جاء لأول مرة على لسان ابن تيمية الذي ولد بعد سقوط بغداد بخمس سنوات، وأن هذا الرجل كان يحمل روح التجديد في تفكيره، ليأتي بعده السيوطي مؤكدا على ذلك ومعتبرا أنه لا يخلو أي عصر من مجدد يجدد للأمة أمر دينها، ، ثم جاءت الحركة الوهابية على رأس الثامن عشر ميلادي التي هي حسب تعبير إقبال: (( حركة يلاحظ فيها روح التحرر الظاهرة)) ، حيث تمردت على قصر حق الاجتهاد على أصحاب المذاهب، وتصِرُّ في قوة على القول بحق الاجتهاد، وإن كانت تتمسك بالقديم على طريقتها الخاصة. ثم إن إقبال نبه -في هذا السياق- إلى أن الدولة المسيحية تميزت بالجانب الروحي البحت، وأن الدلة الرومانية كانت متميزة بالجانب المادي الصرف معتبرا أن الشريعة الإسلام  هي وحدها التي امتازت بالجمع بين المادة والروح والنظر والعمل والفرد والمجتمع والدين والدنيا. ليتظرق بعد ذلك تفنيد ما يزعمه البعض من أن الشريعة الإسلامية جامدة لا تساير التطورات البشرية قائلا أكبر دليل على مرونتها ذلك التعدد الهائل لكتب الفقه والتشريع في الإسلام عبر القرون الأربعة الأولى، وأن ما نشأ من خلافات على مدى التاريخ وما أدى إليه من تنوع المذاهب هو دليل  صريح على تطور ونمو الشريعة الإسلامية. ثم بعد ذلك درج على أصول الاجتهاد المتفق عليه بشيء من التفصيل، وهي القرآن والحديث والإجماع والقياس مبتدئا حديثه عن القرآن بالتنبه على أنه الأصل الأول وأنه جاء ليبعث أسمى مراتب الشعور في نفس الإنسان وليربط الصلة بينه وبين خالقه من جهة وبين الكون من حوله من جهة أخرى، وأنه في الوقت نفسه يقرر القواعد خاصة فيما يتعلق بنظام الأسرة مؤكدا -في هذا السياق- أن القرآن يرى وجوب الجمع بين الدين والدولة وبين الأخلاق والسياسة في تنزيل واحد، وذلك باعتباره دستور هذه الأمة، فليس محدودا بزمان ولا مكان ولا يخاطب أمة بعينها مما يجعل الإسلام مرنا يستطيع مواكبة كل التطور البشري في شتى النواحي… ثم في سياق الحديث عن السنة قال: إنها منقسمة إلى قسمين: أحاديث تتضمن أحكاما تشريعية مكملة للقرآن وأخرى شارحة للعبادات والمعاملات مشيدا بدور أبي حنيفة وتلاميذه باستخدام النظر العقلي في استنباط الأحكام الفقهية من الحديث… وفي الكلام على الإجماع أكد بأنه كان في عصر الخلفاء الراشدين لا يتعارض مع مصلحة الأمة. أما في عصر بني أمية وبني العباس فكان وظيفة سياسية يوجهها الحكام لخدمة أغراضهم ومن ثم فقد الإجماع أثره في تجديد الفكر الديني … ومع تأكيد محمد إقبال على ضرورة الإجماع أكد بأنه لا يمكن التسليم به حين يخالف نصا قطعي الدلالة في القرآن كما قال: ((بأن الأجيال اللاحقة ليست ملزمة بإجماع الصحابة))… وقال في بداية حديثه عن القياس بأنه "هو استخدام التعليل القائم على تشابه بين الحالات في التشريع"، وبين أن سبب سبق الأحناف له قلة السنة في ربوعهم، فلم يكن أمامهم من سبيل سوى تحكيم العقل في الفتيا، كما أكد أن أبا حنيفة كان له الفضل وقصب السبق في تحرير الواقع وتنبيه الأذهان إلى وجوب مراعاة ما في الحياة من أمور واقعة وما تشتمل عليه من تنوع في تأويل المبادئ الفقهية … وأن هذا التحرر وإعمال الرأي هو الأمر الذي أنكره أهل الحجاز وضاقوا به ذرعا، مضيقين بذلك ميدان الاجتهاد. ثم يختم هذا المحور بدعوة إلى الإقدام في شجاعة إلى التجديد في الدين.

 

المحور السادس: هل الدين أمر ممكن؟ (( عقلا))

يجيب محمد إقبال هذا السؤال بتقسيم الحياة الدينية إلى ثلاث مراحل:

مرحلة الإيمان: وقال إن الحياة الدينية في هذا الطور تبدو صورة من نظام يجب على الفرد أو الأمة بتمامها أن تخضع لأمره خضوعا مطلقا، ومن غير تحكيم العقل في فهم مراميه البعيدة.

 

مرحلة الفكر: وهذه المرحلة تأتي بعد مرحلة الإيمان والتسليم المطلق لتأتي مرحلة محاولة الفهم لهذا النظام وللمصدر البعيد الذي يستند إليه

 

مرحلة الاستكشاف: وفي هذه المرحلة يطمح الإنسان إلى الاتصال المباشر بالحقيقة القصوى، وهنا يكتسب الفرد شخصية حرة لا بالتحلل من قيود الشريعة، ولكن بالكشف عن أصلها البعيد في أعماق وعيه هو.

 

ثالثا: ملحوظات:

 يعتبر هذا الكتاب من بين تلك الكتب التي تدعو إلى التفكير وإعادة بنائه لا على أنقاض ما كتبه السلف؛ بل على ما أسس له السلف، وفي ذلك يقول محمد إقبال: (( فالمهمة الملقاة على عاتق المسلم العصري ضخمة، إذ عليه أن يفكر تفكيرا جديدا في نظام الإسلام كله دون أن يقطع ما بينه وبين الماضي قطعا تاما)).

 

ومما لا شك فيه أن إقبال في هذا الكتاب يرد الاعتبار للإسلام كدين وحضارة وفكر يفوق الفلسفات الأوربية والنظريات الحديثة المادية الجامدة التي بهرت الأمة الإسلامية وجعلتها تتيه عن تعاليم وتفاصيل وعجائب القرآن الكريم الذي لو أجمعت الأمة الإسلامية عليه وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم لما لحق بها ما لحق. ويلحظ القارئ للكتاب ميول إقبال والواضح للصوفية واهتمامه الكبير بالذات وسموها لترتقي في معارج الذين أنعم الله عليهم. كما يلحظ  أن إقبال كان منهجه التجديدي في الفكر قائما على التمحيص والتدقيق في الأمور ومحاولة تشخيص المسائل بمنطق عقلي وبفهم سام  للإسلام في طل نصوصه؛ فلم يكن موفقه واحدا من كل شيء، بل تجده أحيانا ينتقد، وأحيانا يقر ويؤيد، وهذا ما اتضح في نقده لمبدأ التشكيك عند الغزالي، والعقل الفعال عند ابن رشد، ونقده لحشر المعتزلة للدين في الزاوية العقلية، واعتباره أن الفكر اليوناني يتسم بعدم الواقعية، وفي المقابل نجده يساند التجربة الصوفية ويقف صفا مع الذين يدعون دوما إلى التجديد في ظل الشريعة الإسلامية.

 

وأهم ما لفت انتباهي وأنا أقلب صفحات الكتاب المسائل الآتية: 

الملحوظة الأولى:  قوله بأن (( الأجيال اللاحقة ليست ملزمة بإجماع الصحابة)). ومعلوم أن هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، والذي عليه الجمهور _ كما قال الشوكاني_ أنه يمنع معارضة إجماع السابقين بإجماع آخر؛ لأن الإجماع الأول حجة (( يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له))، لكن أبا عبد الله البصري والرازي جوزا وقوعه معتبرين أن الإجماع السابق لا يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له؛ لإمكان تصور كونه حجة إلى حصول إجماع آخر مخالف له… ولعل هذا ما درج عليه محمد إقبال. انظر: إرشاد الفحول للشوكاني . دار الكتاب العربي. ط1. 1/227.

 

الملحوظة الثانية: دفاعه عن الحلاج باستماتة وعن مقالته المشهورة "أنا الحق" وغيرها مما صدر عنه، حيث يعتبر أن تلك العبارات ترجمة لإدراك حقيقة النفس الإنسانية وتأكيد جريء لدوامها في شخصية أعمق، وأن عبارته كانت تحديا للمتكلمين، ويزيد على ذلك قائلا: إن الولي الشهيد ( الحلاج) كانت تجربته تجربة صوفية موصلة للمعرفة.

 

ومعلوم عند أكثر أهل السنة أن الحلاج أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه مبتدع، بل ذكر النيسابوري في طبقات الصوفية أنه (( دره أكثر المشائخ ونفوه وأبوا أن يكون له قدم في التصوف)) . انظر: طبقات  الصوفية لمحمد بن الحسين النيسابوري. دار الكتب العلمية. بيروت. ط: 1. 1/236.

 

الملحوظة الثالثة: ثناء إقبال المفرط على حركة آتاتورك في تركيا معتبرا أنها حركة تجديدية تحاول إقامة دولة جمهورية إسلامية حديثة على معايير النظريات الأوروبية. ومعلوم أن الحركة الآتاتوركية هي التي ألغت الخلافة العثمانية في تركيا وأعلنت نهارا جهارا عن الدولة العلمانية، ولم تلبث كثيرا حتى قيدت الحريات الدينية وقامت بتهميش كل من يدين بالإسلام ويتقيد بتعاليمه.

 

الملحوظة الرابعة: تنبيهه على أمر من الأهمية بمكان، ألا وهو نهاية النبوة مؤكدا على أن هذه النهاية هي بداية الحركة التجديدية، وهي المؤذنة بفتح باب الاجتهاد واسعا أمام من له القدرة عليه، مع تنبيهه إلى أن نهاية النبوة هي علاج نفساني للنزعة المهدوية؛ تلك النزعة القائمة على الترقب الدائم لمن يغيث الأمة وينتشل ما بقي من أشلائها الممزقة؛ إذ تكمن خطورة هذه النزعة في غلق باب الاجتهاد وابتعاد الأمة عن سدة الحكم وتنائيها عن الواقع المتطور وانتظارها للمهدي، وكأنها لا سبيل لها إلى استعادة قواها إلا بمجيئه … وهذا مما جعل الأمة الإسلامية تكون في مؤخرة الركب بعد أن كانت في مقدمته.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الأحدث